العودة بعد الأفول.. كيف يستغل داعش مرحلة التحول في سوريا لإحياء خلاياه؟

العودة بعد الأفول.. كيف يستغل داعش مرحلة التحول في سوريا لإحياء خلاياه؟

العودة بعد الأفول.. كيف يستغل داعش مرحلة التحول في سوريا لإحياء خلاياه؟


03/08/2026

عاد تنظيم داعش إلى دائرة الاهتمام الأمني في سوريا مع تصاعد التحذيرات من استمرار نشاط خلاياه ومحاولاته استغلال المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد لإعادة ترتيب صفوفه. فبعد سنوات من فقدان المدن والمناطق التي أعلن منها مشروعه عام 2014، لم يختفِ التنظيم كما كان متوقعًا بعد سقوط آخر معاقله في الباغوز عام 2019، بل انتقل إلى نمط مختلف يعتمد على التخفي وإعادة الانتشار واستثمار الثغرات الأمنية.

وتكشف التحولات التي طرأت على طريقة عمل داعش أن التنظيم أدرك صعوبة إعادة إنتاج نموذج "الخلافة" الذي اعتمد على السيطرة الجغرافية وإدارة الأراضي، لذلك أعاد صياغة استراتيجيته باتجاه العمل عبر الخلايا الصغيرة والهجمات المحدودة والحفاظ على شبكات الاتصال والتمويل. 

ووفق تقييمات فريق الأمم المتحدة المعني بمراقبة تنظيم داعش والقاعدة، فإن التنظيم حافظ بعد خسارة أراضيه على قدرة عملياتية قائمة في سوريا والعراق، مستفيدًا من طبيعة العمل السري وصعوبة القضاء الكامل على الخلايا المنتشرة.

ولا تعني محاولات داعش إعادة بناء حضوره أنه بات قريبًا من استعادة قوته السابقة، فالمشهد الذي سمح له بالتمدد قبل أكثر من عقد تغير بصورة كبيرة. لكنه في المقابل يراهن على أن الفترات التي تشهد اضطرابًا سياسيًا أو أمنيًا توفر فرصًا للتنظيمات المتطرفة من أجل إعادة التموضع. ولذلك أصبحت سوريا الحالية بالنسبة لداعش ساحة اختبار جديدة: ليس بهدف إعلان دولة كما حدث سابقًا، بل بهدف إثبات أن التنظيم ما زال قادرًا على البقاء والتأثير.

 

سوريا الجديدة.. هل يبحث داعش عن فرصة داخل الفراغات الأمنية؟

 

لطالما ارتبط نشاط داعش بالمناطق التي تعاني من ضعف السيطرة الأمنية أو تعدد القوى المتنافسة، وهو ما يجعل التحولات التي تشهدها سوريا عاملًا يحاول التنظيم مراقبته واستغلاله. فبعد أن فقد القدرة على السيطرة المباشرة على المدن، أصبح يعتمد على وجود مساحات رمادية تسمح للخلايا الصغيرة بالحركة وتنفيذ عمليات محدودة ثم الاختفاء.

وتشير تقارير دولية، بينها تقييمات القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) وتقارير الأمم المتحدة، إلى أن داعش لم يعد يعمل كقوة عسكرية تقليدية، بل كتنظيم يعتمد على حرب الاستنزاف، مستفيدًا من المناطق التي يصعب فيها فرض رقابة أمنية كاملة. وتكمن خطورة هذا الأسلوب في أنه لا يحتاج إلى وجود علني أو تشكيلات كبيرة، بل يكفيه الحفاظ على مجموعات محدودة قادرة على تنفيذ عمليات متفرقة.

وتوفر بعض المناطق النائية في سوريا، خصوصًا المناطق الصحراوية والريفية، بيئة أكثر ملاءمة لهذا النوع من النشاط. فالمساحات الواسعة وصعوبة الملاحقة المستمرة تمنح الخلايا قدرة على التخفي والتحرك، كما أن تعقيد المشهد السوري وتعدد الأطراف الموجودة على الأرض يزيد من صعوبة بناء استراتيجية أمنية موحدة لمواجهة التنظيم.

لكن محاولات داعش الاستفادة من الظروف الأمنية لا تعني أن التنظيم يمتلك القدرة نفسها التي امتلكها خلال مرحلة صعوده الأولى. فقد خسر معظم قياداته الميدانية، وتراجعت موارده، ولم يعد قادرًا على إدارة مناطق أو فرض سلطة كما فعل بين عامي 2014 و2017. لذلك فإن رهانه الحالي يقوم على استغلال الأزمات أكثر من اعتماده على قوة ذاتية تمكنه من التوسع.

كما يبقى العامل الاجتماعي جزءًا مهمًا في حسابات التنظيم، إذ تحاول الجماعات المتطرفة عادة استغلال الفقر والاضطراب وضعف الخدمات لتعزيز خطابها التجنيدي. ولهذا لا تقتصر مواجهة داعش على العمليات الأمنية فقط، بل ترتبط أيضًا بقدرة المجتمعات والدول على منع الظروف التي تسمح للتنظيمات المتطرفة بإعادة إنتاج نفسها.

 

من "الخلافة" إلى الخلايا.. كيف أعاد داعش تشكيل نفسه بعد الهزيمة؟

 

كان سقوط مشروع داعش الإقليمي نقطة تحول أجبرت التنظيم على تغيير بنيته وأساليب عمله. فالنموذج الذي اعتمد على السيطرة على المدن وإدارة الأراضي أثبت فشله أمام العمليات العسكرية الواسعة، ما دفع التنظيم إلى الانتقال نحو نموذج أكثر مرونة يقوم على السرية وتقليل الظهور.

وأصبحت الخلايا الصغيرة محور استراتيجية داعش الجديدة، إذ تمنحه القدرة على تنفيذ عمليات دون الحاجة إلى تشكيلات كبيرة يسهل استهدافها. وهذا التحول لا يعكس قوة متزايدة للتنظيم بقدر ما يعكس محاولته التكيف مع واقع ما بعد الهزيمة، حيث أصبح الحفاظ على البقاء هو الأولوية الأساسية.

كما تغير الخطاب الإعلامي للتنظيم بشكل واضح، إذ خلال فترة سيطرته كان يعتمد على صور التوسع والقدرة على الحكم لجذب الأنصار، أما بعد سقوطه فأصبح يركز على خطاب الصمود واستمرار المواجهة، في محاولة لإقناع أنصاره بأن فقدان الأرض لا يعني نهاية المشروع.

وتشير تحليلات معهد دراسة الحرب (ISW) إلى أن داعش انتقل بعد خسارة أراضيه إلى استراتيجية تقوم على استنزاف الخصوم والحفاظ على الشبكات بدل السعي إلى السيطرة المباشرة، أي أن التنظيم أصبح يعتمد على الزمن وانتظار الفرص بدل محاولة فرض واقع جديد بالقوة كما فعل في بداية ظهوره.

لكن هذا التحول يكشف أيضًا حجم التراجع الذي تعرض له داعش. فالتنظيم الذي كان يملك مؤسسات مالية وعسكرية وإدارية أصبح يعتمد على مجموعات متناثرة، وهو ما يجعله قادرًا على التهديد، لكنه أقل قدرة على بناء مشروع توسع واسع كما كان في ذروة صعوده.

 

نشاط الخلايا والهجمات الأخيرة.. هل دخل داعش مرحلة اختبار العودة؟

 

لم تعد تحركات داعش في المرحلة الحالية تشبه مرحلة التمدد التي شهدها التنظيم عام 2014، عندما تمكن من السيطرة على مساحات واسعة في سوريا والعراق، لكنها في الوقت نفسه تكشف أن التنظيم لم يغادر المشهد بالكامل. فبعد خسارة مشروعه الجغرافي، انتقل إلى نمط مختلف يقوم على تنفيذ عمليات محدودة ومتفرقة هدفها الأساسي الحفاظ على صورة التنظيم القادر على التأثير وإرباك خصومه.

وتعتمد استراتيجية داعش الحالية على ما يمكن وصفه بـ"حرب الاستنزاف"، حيث لا يسعى التنظيم إلى مواجهة مباشرة مع القوى الأمنية أو استعادة مناطق واسعة، بل يركز على عمليات صغيرة ذات أثر إعلامي وأمني. فالهجوم المحدود بالنسبة له لا يمثل مجرد عمل ميداني، بل رسالة موجهة إلى أنصاره وإلى خصومه مفادها أن التنظيم ما زال قادرًا على الحركة رغم الضربات التي تلقاها.

وتشير تقييمات الأمم المتحدة والقيادة المركزية الأمريكية إلى أن داعش حافظ على قدرة عملياتية محدودة في سوريا والعراق عبر خلايا منتشرة، مستفيدًا من طبيعة المناطق التي يصعب فرض رقابة أمنية مستمرة عليها. كما أن التنظيم يعتمد على المرونة التنظيمية، إذ لم يعد بحاجة إلى وجود هيكل ظاهر أو تجمعات كبيرة حتى يحافظ على نشاطه.

ولا ترتبط خطورة هذه المرحلة بعدد العمليات فقط، بل بقدرة التنظيم على استثمار أي اضطراب سياسي أو أمني لتحسين موقعه. فالتنظيمات المتطرفة غالبًا ما تحاول استغلال المراحل الانتقالية، لأنها توفر بيئات أكثر تعقيدًا من الناحية الأمنية، وتمنحها فرصة لإعادة بناء الشبكات التي فقدتها خلال مراحل المواجهة المباشرة.

ومع ذلك، فإن الحديث عن "عودة داعش" يحتاج إلى قدر من الدقة. فامتلاك القدرة على تنفيذ هجمات محدودة لا يعني امتلاك القدرة على إعادة بناء مشروع السيطرة الذي أعلنه التنظيم سابقًا. 

الفارق كبير بين تنظيم يعمل عبر خلايا سرية وبين تنظيم كان يسيطر على مدن ويمتلك موارد ضخمة ومؤسسات موازية. لذلك تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى محاولة اختبار للقدرة على البقاء وإعادة التموضع.

 

البادية السورية ودير الزور.. مناطق اختبار النفوذ الجديد

 

هذا وتحتفظ البادية السورية بمكانة مركزية في حسابات داعش منذ سنوات، ليس باعتبارها نقطة انطلاق لمشروع توسع جديد، بل باعتبارها مساحة تساعد التنظيم على الاختباء والحركة وإعادة ترتيب بعض شبكاته. فطبيعة المنطقة الجغرافية واتساعها وصعوبة ضبطها بشكل كامل تجعلها بيئة مناسبة لنمط العمليات الذي يعتمد عليه التنظيم بعد سقوطه.

وخلال السنوات الماضية، ركز داعش على المناطق الصحراوية والريفية باعتبارها أقل عرضة للمراقبة المستمرة مقارنة بالمراكز الحضرية. فالتنظيم لم يعد يبحث عن إدارة السكان والسيطرة على المؤسسات، بل عن الحفاظ على ممرات حركة ومواقع اختباء تسمح له بتنفيذ عمليات ثم الانسحاب قبل تعرضه للملاحقة.

وتشير تقارير صادرة عن جهات بحثية متخصصة، من بينها معهد دراسة الحرب، إلى أن البادية السورية بقيت إحدى المناطق التي يحاول داعش الحفاظ فيها على نشاطه، مستفيدًا من طبيعة التضاريس ومن صعوبة القضاء الكامل على الخلايا المنتشرة في مناطق واسعة.

كما تمثل مناطق شرق سوريا، خصوصًا المناطق التي شهدت سابقًا وجودًا قويًا للتنظيم، جزءًا من حساباته الأمنية. فوجود تحديات اقتصادية واجتماعية، إلى جانب تعقيدات المشهد المحلي، يمنح التنظيم فرصة لمحاولة استغلال الظروف المحيطة، سواء عبر التجنيد أو عبر نشر الدعاية.

لكن استمرار وجود داعش في هذه المناطق لا يعني أنه استعاد نفوذه السابق. فالتنظيم يواجه واقعًا مختلفًا؛ إذ فقد القدرة على فرض السيطرة، ولم يعد يمتلك الحاضنة والموارد التي سمحت له بالتمدد السريع. كما أن القوى التي تواجهه أصبحت أكثر خبرة في التعامل مع أسلوب حرب العصابات الذي يعتمد عليه.

ولهذا فإن التحدي الأساسي لا يتمثل فقط في منع الهجمات الحالية، بل في منع تحول النشاط المحدود إلى قدرة تنظيمية أكبر. فالتجارب السابقة للتنظيمات المتطرفة تظهر أن العودة تبدأ غالبًا من شبكات صغيرة تستغل الإهمال الأمني أو الأزمات المتراكمة قبل محاولة توسيع نفوذها.

 

عودة داعش أم محاولة للبقاء؟.. حدود الحلم باستعادة "الخلافة"

 

رغم استمرار محاولات داعش الحفاظ على وجوده، فإن الظروف التي ساعدته على الصعود عام 2014 تغيرت بشكل كبير. فقد فقد التنظيم الأراضي التي شكلت أساس مشروعه، وتراجعت قدرته العسكرية والمالية، كما تعرضت بنيته القيادية لضربات متواصلة قلصت من قدرته على إدارة عمليات واسعة.

ولهذا فإن تقييم مستقبل داعش يتطلب التمييز بين استمرار التهديد وبين إمكانية استعادة القوة السابقة. فالتنظيم ما زال قادرًا على تنفيذ عمليات محدودة، لكنه لا يمتلك حاليًا المقومات التي سمحت له سابقًا بالتحول إلى قوة تسيطر على مدن ومناطق واسعة.

ويعتمد مستقبل التنظيم بدرجة كبيرة على البيئة المحيطة به. فكلما زادت حالة الفوضى وضعفت المؤسسات الأمنية، ازدادت قدرة الجماعات المتطرفة على التحرك وإعادة بناء شبكاتها. لذلك فإن مواجهة داعش لا ترتبط فقط بالقضاء على العناصر المسلحة، بل أيضًا بمنع الظروف التي تسمح بظهور موجات جديدة من التطرف.

في المقابل، يواجه التنظيم عقبات كبيرة، أبرزها فقدان نموذج الحكم الذي كان يستخدمه لجذب الأنصار، وصعوبة إعادة بناء قيادة مركزية قوية، إضافة إلى الضغوط الأمنية المستمرة التي تحد من قدرته على الانتشار. وهذه العوامل تجعل العودة إلى تجربة "الخلافة" السابقة أمرًا بالغ الصعوبة.

في النهاية، لم ينته داعش بسقوط مشروعه المعلن، لكنه تغير جذريًا، وانتقل من تنظيم يسعى إلى السيطرة على الأرض إلى تنظيم يحاول الحفاظ على وجوده عبر الخلايا والانتظار واستغلال الأزمات. وبينما لا تشير المؤشرات الحالية إلى عودة قريبة لنموذج 2014، فإن استمرار نشاطه يؤكد أن مرحلة ما بعد السقوط قد تكون أكثر تعقيدًا، وأن مواجهة التنظيم تتطلب منع قدرته على إعادة بناء نفسه قبل أن تتحول الخلايا الصغيرة إلى تهديد أكبر.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية