الإسلام في الهند: التجاور مع الهندوسية.. وجذور الطائفية والعنف الديني

الإسلام في الهند: التجاور مع الهندوسية.. وجذور الطائفية والعنف الديني


02/03/2022

تعتبر الهندوسية ثالث أكبر ديانة في العالم بعد الإسلام والمسيحية، وهي تتميز بكون (94%) من أتباعها يعيشون ضمن حدود دولة واحدة هي الهند؛ إذ يشكلون ما نسبته نحو (80%) من إجمالي سكان البلاد، ما خلق قدراً من التماهي والتداخل ما بين الهوية الهندوسيّة وهوية البلاد. بينما يسجل الإسلام حضوراً مهماً وبنسبة تقارب الـ (15%) من إجمالي السكان، ومع حضور لميراث حضاري وروحي وتاريخي هام على مستوى ثقافة وتاريخ البلاد، وبحيث خلق تجاور الديانتين في الدولة ذاتها حالة فريدة من الالتقاء بين ديانتين كبيرتين ووفق ظروف سياسية واجتماعية وثقافية فريدة.

مرحلة الهيمنة الإسلامية

كانت شبه القارة الهندية دائماً على اتصال مع شبه جزيرة العرب، وكانت رحلات التجار العرب تصل باستمرار إلى السواحل الهندية، وبعد الإسلام كانوا إحدى السبل والقنوات الأولى التي وصل الإسلام عبرها إلى الهند. وعلى مستوى آخر، كان القائد الأموي محمد بن القاسم الثقفي، أول من تمكّن من التوغل عسكرياً في الأجزاء الشمالية من شبه القارة الهندية، وبالتحديد فيما يعرف بـ "بلاد السند" (في باكستان اليوم) وكانت فتوحاته هناك ما بين عاميْ 90 و96 للهجرة، وذلك إثر استغاثة التجار المسلمين هناك بعد تعرضهم لهجمات من قراصنة "الديبل" في السند.

حدود سلطنة دهلي في أقصى اتساع لها.. في عهد السلالة التغلقية (1321-1398)

إلا أنّ توغّل السيطرة والحكم الإسلامي في شبه القارة الهنديّة لم يتحقق إلا بحلول القرن العاشر الميلادي (الرابع الهجري)، وذلك تحديداً على يد الدولة الغزنوية، التي انطلقت وتأسست في مدينة "غزنة" - الواقعة في أفغانستان اليوم - عام 961 للميلاد. وبرز في هذه الدولة القائد محمود الغزنوي، الذي قاد 17 حملة عسكرية في الهند، وتمكن من بسط سيطرته على معظم المناطق الواقعة في باكستان اليوم، إضافة إلى مناطق واقعة ضمن شمال الهند اليوم. وقد عرفت فتوحات محمود الغزنوي بشراستها وكذلك بقيامه بهدم أصنام الهندوس الكبرى، فظلّت شخصيّة مكروهة ومرتبطة بصورة الغازي المحتلّ لدى عموم الهندوس في الهند حتى هذا اليوم.

ساهمت سياسات الاستعمار البريطاني في خلق وتوسعة الخلافات والفجوات بين الهندوس والمسلمين

وخلال القرن الـ 12 الميلادي بدأت الدولة الغزنوية تتهاوى وخلفتها الدولة الغوريّة التي قامت بتأسيسها القبائل الغوريّة الأفغانية، الذين كانوا قد وضعوا أنفسهم تحت خدمة حكام الدولة الغزنويّة قبل أن يؤسسوا دولتهم الخاصة ويقوموا بالقضاء على آخر سلاطنة الغزنويين. وتمكّن الغوريون من اقتحام السهول الشمالية للهند وبسط سيطرتهم عليها. ومن رحم هذه السلطنة تأسست مع مطلع القرن الـ 13 الميلادي السلطنة التي عُرفت باسم "سلطنة دهلي"، على يد قطب الدين أيبك، القائد المملوكي الذي كان أبرز قادة شهاب الدين الغوري، آخر سلاطين الدولة الغورية، وقد خلف أيبك شهاب الدين في الحكم وأسس "سلطنة دهلي" المملوكية (سلطنة مماليك الهند)، والتي ورثت الدولة الغورية وحكمها المماليك نحو (90) عاماً. وامتدت مناطق حكم المماليك من دهلي جنوباً (نيودلهي اليوم) إلى لاهور شمالاً (في باكستان اليوم)، ومن الكوجرات غرباً، إلى البنغال شرقاً (بنغلادش اليوم).

اقرأ أيضاً: الإسلام في الصين: تاريخ طويل من الحضور... هل كان عنوانه الاندماج أم الاضطهاد؟

ومن ثم ورثت المماليك السلالة الخَلْجية التي بدأت عام 1290، واستمرت مدة (31) عاماً ثم سقطت، وحلّت مكانها الدولة التغلقيّة التي حكمت سلطنة دهلي في معظم القرن الـ 14 الميلادي، وبالتحديد خلال الفترة: 1321-1398، وقد حكم التغلقيون أغلب مساحة الهند الحالية.

ومع نهاية عهد الدولة التغلقية تزايدت الاضطرابات في الهند، وكانت آخر سلالة حكمت سلطنة دهلي هي سلالة اللودهيين، وذلك في الفترة: 1451 و1526 إلى أن سقطت دولتهم على يد القائد ظهير الدين بابر مؤسس السلطنة المغولية في الهند.

رسم يصوّر القمع البريطاني للمسلمين المنتفضين في بداية عهد "الراج البريطاني"

وكانت سلطنة "مغول الهند" آخر السلطنات الإسلامية التي حكمت في الهند، واستمرّ حكمها أكثر من 3 قرون، ما بين أعوام 1526 و1857. وأسسها "ظهير الدين بابر" الذي قدم من منطقة "وادي فرغانة" في وسط آسيا، وهو ينحدر من نسل "تيمورلنك"، عن طريق أبيه، و"جنكيز خان"، عن طريق أمه. وبَلَغت السلطنة أوجها أثناء عهد السلطان "أكبر" (1556-1605)، والذي أكمل سيطرته على كامل بلاد "هندوستان" (باكستان وشمال الهند) وزحف إلى الشرق حتى البنغال، وأدخل كل المناطق الواقعة هناك تحت سلطته. وكان السلطان "أورنك زيب" آخر السلاطين الكبار في هذه الدولة وامتدت فترة حكمه من عام 1658 وحتى 1707، ووصلت مناطق سيطرته إلى الأجزاء الجنوبية من الهند وشملت معظم شبه القارة الهندية. وقد تميّزت سلطنة المغول في الهند بثرائها وازدهارها الاقتصادي، إضافة إلى تسامحها مع الثقافات والأديان المختلفة في الهند ووجود قدر عالٍ من التعايش بين الأديان في ظل حكمها، وتحديداً بين الديانات الثلاث: الإسلام، والهندوسية، والسيخيّة.

تبلور وصعود القومية الهندوسية

وفي مقابل تمدد حكم السلطنات الإسلامية بدأت تظهر إمبراطوريات هندوسيّة جاءت في ظل تبلور وتصاعد حركة قوميّة هندوسيّة مناوئة للتوسّع الإسلامي باتجاه جنوب الهند، وبدأت تستند هذه الحركة الهندوسية على علم اللاهوت الهندوسي وتعتمد كتاب "الفيدا" مصدراً رئيسياً للقوانين والتشريعات. وكانت إمبراطورية "فيجايانجار" (1336 - 1646) أول مثال على هذه الإمبراطوريات الهندوسيّة القوميّة.

بينما كان غاندي ونهرو يطمحان لإعلان الهند كدولة علمانية، كان المتشددون الهندوس يؤكدون على عدم رغبتهم في التعايش مع المسلمين ضمن حدود دولة واحدة

ومن ثم برزت إمبراطورية "ماراثا" (1647 – 1820)، والتي تمكّنت من السيطرة على أجزاء كبير من شبه القارّة الهنديّة، وبخاصّة في القرن الـ 18، وكان لها دور أساسي في تقويض حكم سلاطين المغول في الهند، ومن خلالها تبلورت القومية الهندوسيّة في قالب يجمع ما بين المرجعية الهندوسية الدينية والكيان السياسي الممثل للهندوس، وبذلك باتت في الهند قوتان متناوئتان تتنافسان على الحكم، واحدة تمثل الإسلام والمسلمين، وأخرى تمثّل الهندوس والهندوسية، وهو ما تفاعل باتجاهات أخرى مع وصول البريطانيين وتمكنهم من استلام زمام السلطة في الهند، خلال القرن الـ 19 الميلادي.

الاستعمار البريطاني.. سياسات خلق وتكريس الطائفية

دخلت شركة الهند الشرقية البريطانية إلى الهند عام 1757، وبعد "معركة بلاسي" سيطرت على منطقة  "البنغال" في شمال شرق الهند، وخلال مئة عام كان البريطانيون قد سيطروا على أكمل شبه القارة الهندية. وبالتزامن مع تأسيس نظام الحكم المعروف بـ "الراج البريطاني" في الهند، عام 1858، اندلعت انتفاضة شعبية واسعة ضد الاستعمار البريطاني في الهند، تم قمعها من قبل البريطانيين. وخلال تلك الأحداث، اعتبرت الحكومة البريطانية المسلمين الهنود السبب الرئيسي وراء اندلاع الانتفاضة والتصعيد ضد حكمهم. ومن ثم تبلور التوجه لإضعاف المسلمين الهنود، عبر خلق الخلافات بين الجماعات المسلمة، واعتمدت بريطانيا سياسة تقوم على استبعاد المسلمين من المناصب في الحكومة والمؤسسات، فضلاً عن خلق الكثير من العوائق لمنعهم من الاستمرار في أعمالهم الاقتصادية. وبالمقابل قربوا الهندوس والسيخ ومنحوهم مفاصل الحكم. كما عمل الإنجليز على تنفيذ إجراءات تستهدف المسلمين وكيانهم، فهدموا المساجد، وصادروا الأملاك والأوقاف.

جواهر لال نهرو يقرأ خطابه، عشية يوم إعلان استقلال الهند عقب إقرار التقسيم

لقد ساهمت سياسات الاستعمار البريطاني في خلق وتوسعة الخلافات والفجوات بين الهندوس والمسلمين، وذلك بهدف ترسيخ حكم الاستعمار لأطول فترة ممكنة، ما كرّس الطائفية وزاد من حدّتها وحضورها في الهند، وهو ما سيكون له تأثيره وانعكاساته التي ستستمر خلال المراحل اللاحقة.

التقسيم.. الحصيلة النهائية لقرن من الاستعمار

في سنوات عقد الثلاثينيات تصاعد النضال من أجل الاستقلال في الهند، وكان يقود الحراك الوطني منذ أواخر الـ 19، حزب المؤتمر الوطني الهندي، وأبرز قادته: غاندي، وجواهر لال نهرو. وعندما أضعفت الحرب العالمية الثانية قبضة بريطانيا على مستعمراتها، تحققت أهداف الحركة الوطنية وذلك مع قرار بريطانيا إنهاء وجودها في شبه القارة الهندية وتسليم السلطة إلى إدارة هندية وطنيّة، إلا أنه سرعان ما برزت الخلافات المحلية بخصوص الصيغة المقترحة لإدارة البلاد، فكان هناك مقترح يقضي بتقسيم البلاد إلى 3 أقاليم فيدرالية، واحد للهندوس، وواحد للمسلمين، وثالث للسيخ، وفي المقابل برزت الاتجاهات الرافضة لصيغة الوحدة فتصاعد الاتجاه المنادي بتقسيم البلاد ومنح المسلمين دولة خاصّة بهم.

اقرأ أيضاً: الإسلام في غرب أفريقيا... قصة الانتقال من الازدهار الحضاري إلى الجماعات المتطرفة

فبينما كان غاندي ونهرو يطمحان لإعلان الهند كدولة علمانية، كان المتشددون الهندوس يؤكدون على عدم رغبتهم في التعايش مع المسلمين ضمن حدود دولة واحدة، وبدأت المعارضة الهندوسية المتشددة بالتحرك ضد أطروحات غاندي ونهرو وتيارهما، مستخدمةً العنف ضد المسلمين. إثر ذلك وفي آب (أغسطس) 1946 بدأت حرب أهلية دموية في الهند، إثر اندلاع أعمال العنف بين الهندوس والمسلمين التي بدأت في كالكوتا، ومن ثم تصاعدت وتسببت بنشر الاضطرابات والذعر في كل ركن من أركان شبه القارة الهندية.

 

اقرأ أيضاً: الإسلام في روسيا وآسيا الوسطى... من القمع السوفييتي إلى النشاط الجهادي

ومع تصاعد الاضطرابات بدأت الكفة ترجح لصالح خيار التقسيم، وفي تموز (يوليو) 1947 أقر البرلمان البريطاني قانون استقلال الهند، وأمر بترسيم حدود الهند وباكستان بحلول منتصف آب (أغسطس) من عام 1947.

أعمال العنف بعد التقسيم

بعد تقسيم شبه القارة الهنديّة عام 1947 هاجر القسم الأكبر من النخب المسلمة من المتعلمين ومن موظفي الحكومة والأطباء ورجال القانون إلى باكستان، وقد أدى ذلك إلى حدوث تغيير في البنية الاجتماعية للمسلمين في الهند؛ إذ باتت غالبية المسلمين من المنحدرين من المناطق الريفية، من غير المتعلمين ومن أصحاب الحرف الأدنى والفلاحين، وهو ما تسبب في تراجع وتردي الأوضاع السياسية والاقتصادية للمسلمين في الهند، وغاب حضورهم على المستوى السياسي والإداري، وهو ما أسهم بالمحصلة في تعميق الشرخ الطائفي بين المسلمين والهندوس في الهند.

تظاهرة حاشدة ترفع أعلام حزب "بهاراتيا جاناتا" اليميني الهندوسي

وتصاعدت الطائفية في مرحلة ما بعد الاستقلال، وتحديداً بعد وصول رئيسة الوزراء أنديرا غاندي إلى الحكم عام 1966، إذ بدأت الأحزاب، الهندوسيّة اليمينيّة خاصةً، تتجه نحو اعتماد أجندة سياسية تقوم على أساس الطائفية بهدف التحشيد وكسب أكبر عدد من الأصوات. وكان من أبرز الأحداث الطائفية: أعمال العنف التي وقعت بولاية "غوجارات" عام 1969، وأعمال العنف في مدينة "بيواندي" عام 1970، وأعمال شغب "بومباي" و"نيلي" عام 1983، و"بهاجالبور" عام 1989، وفي "غوجارات" عاميْ 2002 و2013.

 

اقرأ أيضاً: الإسلام في الولايات المتحدة: من صعود الحركات الأفروأمريكية إلى مواجهة الإسلاموفوبيا

وقد تركزّت معظم الحوادث في الولايات الشمالية والغربية للهند حيث ترتفع نسبة المسلمين. وكان من بين أبرز الأحزاب السياسية المتطرفة التي غذّت الصراع الأحزاب الهندوسية اليمينية، مثل حزب "بهاراتيا جاناتا" (بي جاي بي، وهو الحزب الحاكم الحالي في الهند)، و"شيف سينا"، إذ إنها اعتمدت على حوادث العنف لحشد الناخبين وراء خطابها المتشدد وبالتالي حصد المزيد من الأصوات.

اتجهت الأحزاب الهندوسيّة اليمينيّة نحو اعتماد أجندة سياسية تقوم على أساس الطائفية بهدف التحشيد وكسب أكبر عدد من الأصوات

ويتكَرر في خطاب اليمين الهندوسي تكرار التحذير من الخطر الإسلامي، وذلك مع التمَحوُر حول تحذيرات معيّنة، من قبيل التحذير من ارتفاع معدل الخصوبة بين المسلمين، إذ يجري التأكيد على أنّ ارتفاع معدل المواليد بين المسلمين هو جزء من خطة تهدف إلى تحويل الهندوس إلى أقليّة داخل بلدهم، كما يؤكد خطاب اليمين الهندوسي، منذ التقسيم، على تحالف المسلمين الهنود مع باكستان ضد الهند ليقدموهم بذلك كعدوّ داخلي، بالإضافة إلى اعتبارهم "إرهابيين" محتملين، وخاصّة مع تصاعد خطاب الإسلاموفوبيا والحرب على الإرهاب منذ العقد الأخير من القرن العشرين.

مشكلة المسلمين في الهند ليست سياسية وحسب، بل هي ذات أبعاد اجتماعية وثقافية واقتصادية؛ إذ لم تبذل الحكومات الهندوسية المتعاقبة ما هو كافٍ لدمج المسلمين في مجتمع هندي تعدديّ. بل على العكس تماماً  فقد استخدم اليمين الهندوسي كل ما لديه لزجّ المسلمين في خانة الأقليات، وذلك ضمن خطاب يقدمهم باعتبار أنهم ينبغي عليهم دفع ثمن ما قام به آباؤهم الذين غزوا الهند، والنتيجة أنّ كل طائفة دينية نأت بنفسها عن الأخرى، وأصبحت الهند مجمتعاً مفككاً، يضمّ طوائف مختلفة تعيش منفصلة بعضها عن بعض.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية