بين تطلعات الإخوان وطموحات الوجوه القديمة... من يحكم بنغلاديش؟

بين تطلعات الإخوان وطموحات الوجوه القديمة... من يحكم بنغلاديش؟

بين تطلعات الإخوان وطموحات الوجوه القديمة... من يحكم بنغلاديش؟


14/08/2024

أحدث التحول السياسي المباغت في بنغلاديش ردود فعل مربكة في الداخل وفي دول الجوار، ذلك أنّ التدخل المباشر من الجيش لم يكن في الحسبان، رغم وجود دلائل على ذلك منذ ظهور قائد الجيش واكر الرحمن في المشهد السياسي، عقب مجزرة منتصف تمّوز (يوليو) وانهيار الجهاز الأمني، في أعقاب اقتحام مبنى التليفزيون الرسمي، وأقسام الشرطة، في مناطق متفرقة من البلاد.

تولت الحكومة المؤقتة زمام الأمور، تحت قيادة محمد يونس الذي اختاره الطلاب المتمردون، والذي يرتبط بعلاقات قوية بالحزب الديمقراطي الأمريكي، حتى أشيع أنّ بِل كلينتون دفع بقوة من أجل منحه جائزة نوبل للسلام، كما تلقت مؤسسته، بنك الطعام، دعماً كبيراً من الولايات المتحدة. وفي المقابل، دخل يونس في صراع كبير مع حكومة الشيخة حسينة التي حركت ضدّه قضايا فساد وانتهاك لقوانين العمل في ظل نظامها. وفي كانون الثاني (يناير) الفائت أدين بانتهاك قوانين العمل، في حكم له بالطبع دوافع سياسية.

تطلعات الجماعة الإسلامية

تواجه الحكومة المؤقتة صعوبات حقيقية في التعامل مع طموحات الجماعة الإسلامية، الذراع السياسية للإخوان، وميليشياتها المسلحة المتمثلة في اتحاد الطلاب الإسلامي، وكذا تطلعات الحزب الوطني وزعيمته خالدة ضياء، كما يواجه يونس تحديات حقيقية في مواجهة نفوذ حزب رابطة عوامي في مؤسسات الدولة، خاصّة أنّ الجيش لم يدعُ الحزب إلى المناقشات التي تمّت  من أجل تشكيل حكومة مؤقتة، خلت بالطبع من أيّ ممثل للحزب الذي حكم منفرداً نحو عقد ونصف من الزمان.

إنّ رئيس الوزراء الذي لا يتمتع بأيّ قاعدة حزبية، أو نفوذ في دوائر الحكم، قد يبدو لقمة سائغة أمام الجماعة الإسلامية التي تسعى تجاه بناء تحالفات ظرفية مؤقتة، تتمكن من خلالها من العودة بقوة إلى المشهد السياسي، وإلغاء قرار حظر الجماعة، والإفراج عن قاداتها ومنتسبيها القابعين في السجون.

قائد الجيش واكر الرحمن

من جهة أخرى، لا يمكن إنكار حجم نفوذ حزب رابطة عوامي في أوساط بعينها، ولا بدّ للحزب الذي خاض معركة التحرير والاستقلال أن يجد له مكاناً في النظام السياسي الجديد في بنغلاديش، لكنّ الأمر يتطلب التخلص من القيادات القديمة، وكل المقربين من الشيخة حسينة واجد وابنها؛ وإلّا لن يتمكن الحزب المُطالب بإعادة الهيكلة من المشاركة في تشكيل مسار البلاد مستقبلاً.

جموح المد الثوري

من ضمن التحديات التي تواجهها الحكومة المؤقتة، السيطرة على جموح المد الثوري، خاصّة بين الطلاب، وقد أجبروا رئيس المحكمة العليا و(5) قضاة آخرين في المحكمة العليا على الاستقالة، وقاموا بمهاجمة وتخريب المكاتب والممتلكات الخاصّة بحزب عوامي، ومن غير الواضح حتى اللحظة وجود آلية تتمكن من خلالها الحكومة المؤقتة أو الجيش من السيطرة عليهم، سوى ضم قياداتهم إلى التشكيل الوزاري، لكنّ تقارير محلية عديدة لفتت إلى وجود توجهات شتى بين صفوف الثوار، مع ظهور حملات التخوين والتشكيك في بعض القيادات، واتهامهم بالسعي إلى السلطة والمال.

تولت الحكومة المؤقتة زمام الأمور، تحت قيادة محمد يونس الذي اختاره الطلاب المتمردون، والذي يرتبط بعلاقات قوية بالحزب الديمقراطي الأمريكي

وعلى الرغم من وجود أدلة على تورط المخابرات الباكستانية في دعم الحراك الثوري وتأجيج بعض أحداث العنف في بنغلاديش، لكن يظل استبداد الشيخة حسينة ونظامها السبب الرئيسي فيما آلت إليه البلاد، ويمكن القول إنّ التصدع السياسي في بنغلاديش سوف يحمل تداعيات خطيرة في شبه القارة الهندية، ربما تتأثر بها الهند بشكل خاص، التي تسعى إلى استعادة القانون والنظام في البلاد، وعودة الاستقرار في أقرب وقت ممكن، مع الحفاظ على أمن الأقلية الهندوسية، التي أصبحت أكثر عرضة للعنف من قبل التيارات المتطرفة.

مخاوف الهند وخطة واشنطن

تحتاج الهند إلى اضطلاع بنغلاديش بدورها في تأمين الحدود الطويلة بين البلدين، وتحجيم تحركات العناصر الإجرامية والإرهابية على حد سواء، داخل مخيمات اللاجئين الروهينغا، وكذلك الوقوف أمام انتهاكات الحركات المسلحة في ميانمار، التي اعتادت اختراق الحدود البنغالية من وقت إلى آخر.  

 رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، في رسالة لمحمد يونس هنأه فيها على توليه مسؤولياته الجديدة، أكد على أهمية حفظ الأمن وحماية الهندوس والأقليات الأخرى في بنغلاديش.

ويمكن القول إنّ تحولات الوضع الجيوسياسي بهذه الكيفية المتسارعة، ربما تدفع واشنطن إلى التدخل بشكل مباشر عبر حليفها محمد يونس، من أجل تحجيم الصين من جهة، وتطويق أيّ نفوذ باكستاني محتمل، في ظل وجود شراكة سياسية قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وزير الخارجية الأمريكي تناول أكثر من مرة الوضع في بنغلاديش، داعياً إلى الهدوء والسلام، والامتثال لقرارات الحكومة المؤقتة، مطالباً إيّاها بالحفاظ على المبادئ الديمقراطية، وتدعيم سيادة القانون وفق إرادة الشعب. 

ويمكن القول إنّ البيت الأبيض، في عهد الإدارة الديمقراطية، لم يكن على وفاق مع حكومة الشيخة حسينة واجد، خاصّة فيما يتعلق بقضايا الديمقراطية، فقد تمّ فرض عقوبات على أفراد وعناصر من قوات الأمن البنغالية، وتبدو الإدارة الديمقراطية كذلك منفتحة على وجود دور سياسي كبير للجماعة الإسلامية في بنغلاديش، وهو الأمر الذي قد يتغير كليّة في حال وصول الجمهوريين إلى الحكم.

واشنطن التي سلمت أفغانستان طواعية لطالبان، ربما لا تمانع في حكم الجماعة الإسلامية لبنغلاديش، ذلك أنّ وجود تيار ديني قوي يهاجم الإرهاب واستهداف الأقليات بشكل رسمي، رغم ضلوعه في كثير من الأنشطة الإرهابية، هو حل مثالي قد يربك التحركات الصينية في شبه القارة الهندية، ويدفع باكستان لمراجعة أجندتها السياسية، في ظل الصراع بين الحكومة وفرع الجماعة الإسلامية في باكستان.

 رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي

وتبقى الهند حتى اللحظة هي الخاسر الأكبر، وسط انتقادات لواشنطن جاءت على لسان كانوال سيبال، وزير الخارجية الهندي السابق، الذي قال إنّ بنغلاديش تشكل أهمية محورية للأمن والتنمية الاقتصادية بالنسبة إلى الولايات الهندية الشرقية، خاصّة بعد أن تضررت تلك الولايات بسبب الاضطرابات في ميانمار. لافتاً إلى أنّه كان ينبغي على الولايات المتحدة أن تكون أكثر تقبلاً لحاجة الهند إلى دعم حكومة صديقة في بنغلاديش، وعدم السعي إلى تقويض شرعية حكومة الشيخة حسينة، من خلال استهدافها بشكل انتقائي فيما يتصل بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وأشار سيبال إلى أنّ الشراكة الاستراتيجية بين الهند والولايات المتحدة، تتعرض للتقويض من واشنطن التي تنتهج سياسة تجاه بنغلاديش لا تتفق مع المصالح الاستراتيجية للهند، ليس فقط في بنغلاديش بل أيضاً في خليج البنغال. 

تحالف محتمل بين الحزب الديمقراطي والإخوان

تبدو تصريحات نجل خالدة ضياء، طارق رحمن، القائم بأعمال رئيس الحزب الوطني البنغالي، المعادية للهند، وفي ظل وجود صلات قوية بينه وبين الجماعة الإسلامية، مؤشراً على وجود اتجاه قوي للدفع بتحالف سياسي يجمع بين الطرفين إلى سدة الحكم.

إنّ تحولات الوضع الجيوسياسي بهذه الكيفية المتسارعة، ربما تدفع واشنطن إلى التدخل بشكل مباشر عبر حليفها محمد يونس، من أجل تحجيم الصين من جهة، وتطويق أيّ نفوذ باكستاني محتمل، في ظل وجود شراكة سياسية قوية بين الهند والولايات المتحدة

هذه التصورات كلها ربما تصطدم بثورة الشباب التي تعبّر عن صرخة الفقراء، ورفض الأغلبية لكافة الوجوه السياسية القديمة، خاصة أنّ تجربة الحزب الديمقراطي في الحكم لم تكن أفضل حالاً من تجربة حزب عوامي، كما أنّ مشاركة الجماعة الإسلامية في الحكم كانت فاشلة بامتياز. لكنّ المتغير الأكثر أهمية، ربما يأتي من خلال الجيش نفسه الذي قد يتطلع قائده إلى حكم البلاد، أو على أقلّ تقدير، تنصيب حكومة تابعة، في ظل تدهور أمني حاد، وفوضى عارمة على المعابر الحدودية، بالتزامن مع تهديدات الجماعات المسلحة، وحالة الاستقلال الضمني في مخيمات الروهينغا التي خرجت تماماً عن السيطرة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية