بين الركام والخوف... حياة عائلات في غزة على حافة الموت

بين الركام والخوف... حياة عائلات في غزة على حافة الموت

بين الركام والخوف... حياة عائلات في غزة على حافة الموت


06/01/2026

لا يحتاج الزائر إلى خريطة ليتعرف على غزة اليوم، فالرائحة وحدها كفيلة بأن تقوده بين الركام، وصوت الطائرات لا يترك مجالاً للتيه، وهنا حيث تحولت البيوت إلى حفر، والأحلام إلى أرقام في نشرات الأخبار، تحاول آلاف العائلات التمسك بالحياة وهي تقف على حافة الموت.

وأعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الإثنين، أنّ 92% من الوحدات السكنية في غزة مدمرة أو متضررة.

ويشير مكتب "أوتشا" في تقرير حديث إلى أنّ إجمالي (436) ألف وحدة سكنية تأثرت بالحرب الإسرائيلية ضد حماس في غزة، وأنّه تم تدمير (160) ألف وحدة، وتضررت (276) ألف وحدة بشكل خطير أو جزئي.

وبالإضافة إلى ذلك، هناك أكثر من (1.8) مليون شخص في حاجة ماسة إلى مأوى طارئ ومستلزمات منزلية أساسية.

وقالت الأمم المتحدة عبر موقعها على الإنترنت إنّ ما يقرب من 90% من السكان في جميع أنحاء قطاع غزة نزحوا من منازلهم، وإنّ كثيراً منهم اضطروا إلى الانتقال مراراً وتكراراً، "حوالي (10) مرات أو أكثر".

وأضاف مكتب "أوتشا" في تقريره: "لقد تحول جزء كبير من غزة إلى أنقاض، في حين أدت الغارات الجوية والعمليات العسكرية الإسرائيلية إلى إتلاف أو تدمير حوالي 60%   من المباني، بما في ذلك المنازل والمدارس والمستشفيات"، وفقاً للأمم المتحدة.

بيت بلا جدران وخوف بلا نهاية

يجلس محمود حشيش (44 عاماً) من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة أمام ما تبقى من منزله، يمرر يده على كومة من الحجارة، ويقول: "هنا كان باب البيت، وكنت أفتحه كل صباح وأنا مطمئن أنّ أطفالي بأمان، واليوم لا باب ولا أمان".

ومنذ أن دُمّر منزله قبل أشهر يعيش مع زوجته وأطفاله السبعة في مساحة لا تتجاوز أمتاراً قليلة بين الركام، مغطاة بقطع نايلون وقماش قديم، ويقول: إنّ "الحياة في غزة لم تعد تقاس بالأيام، بل بعدد المرات التي ننجو فيها من الموت".

ويشرح كيف تغيرت تفاصيل يومه: "نستيقظ على صوت الطائرات، وننام على الصوت نفسه، والأطفال لم يعودوا يسألون عن المدرسة أو اللعب، يسألون فقط: هل سنموت اليوم؟".

ويوضح حشيش أنّ الحصول على الطعام والماء بات تحدياً يومياً، ويؤكد: "نأكل مرة واحدة أحياناً، والماء نحمله من مسافات بعيدة، وأشعر بالعجز حين أرى أطفالي جائعين ولا أملك إلا الصبر." 

ويضيف: "ابني الصغير مريض منذ أسابيع، لا دواء، ولا مستشفى، نخاف من المرض كما نخاف من القصف." 

ويرى حشيش أنّ "أخطر ما يواجهه الأطفال ليس فقط الخوف، بل الاعتياد عليه، فحين يعتاد الطفل على الموت، نفقد شيئاً لا يمكن تعويضه".

ويؤكدّ: "أنا لا أطلب الكثير، أريد فقط أن أعيش وعائلتي في بيت، وأمان، ومستقبل لأطفالي، فهل هذا كثير؟".

بيت مهدّم وأم بلا سند

على قطعة إسمنت مكسورة تجلس الفلسطينية سمية السلطان أمام ما تبقى من منزلها في بلدة بيت لاهيا في شمال قطاع غزة وهي تضم طفلها الصغير إلى صدرها، وتراقب السماء أكثر ممّا تراقب الطريق، وتقول بهدوء يخفي خوفاً عميقاً: "نحن لا نعيش هنا، ونحن ننتظر القصف، أو الفرج، أو الموت".  

ومنذ تدمير منزلها قبل عدة أشهر تعيش مع أطفالها الأربعة في مساحة ضيقة بين الركام، غطيت ببقايا أقمشة ونايلون، فلم يعد هناك بيت، لكن ما زالت هناك أم تحاول أن تحمي أبناءها بما تملك من صبر.

وتروي السلطان تفاصيل اللحظة التي تغير فيها كل شيء: "خرجنا من البيت قبل القصف بدقائق، وعدنا فلم نجد إلا الغبار والصراخ، وأطفالي ظلوا يسألون: أين غرفتنا؟ أين ألعابنا؟ ولم أعرف ماذا أقول".

وقد أصيب زوجها خلال القصف، ولم يعد قادراً على العمل، وتقول: "أصبحت الأم والأب معاً، وأحاول أن أكون قوية، لكنّي أضعف كل ليلة." 

وتوضح السلطان: "الليل في غزة كأنّه امتحان يومي للبقاء، فأنا أعيش على مقربة من الخط الأصفر، وفي النهار نحاول أن ننشغل، وفي الليل ينهار كل شيء، والأطفال يصرخون من الخوف، وأحاول أن أكتم دموعي حتى لا يروها".

وتتابع وهي تشير إلى طفلها الأصغر: "إذا سمع أيّ صوت، يختبئ في حضني، حتى صار يظن أنّ حضني هو المكان الآمن الوحيد." 

وتوضح: "الأم هنا لا تطبخ فقط، بل تشرح الموت، وتخترع الطمأنينة، وتكذب أحياناً لتبقي أطفالها أحياء نفسياً، فأقول لهم إنّ الصوت بعيد، وإنّ الطائرة لن تضربنا، ولا أعرف إن كان هذا صحيحاً، لكنّي أعرف أنّهم يحتاجون هذا الكلام." 

ونسألها عن سبب بقائها رغم الخطر، فتجيب دون تردد: "إلى أين أذهب؟ هنا ولدت، وهنا أريد أن يكبر أطفالي، إن كتب لهم أن يكبروا، فأنا لا أطلب حياة مثالية، أطلب فقط أن أعيش بلا خوف." 

ضغط نفسي مستمر في غزة

ترى الإخصائية النفسية بمركز العودة الصحي أماني محمود أنّ "العيش في بيئة مليئة بالخطر المستمر مثل غزة يولد حالة من التوتر المزمن والقلق الدائم، فالسكان هنا ليسوا فقط عرضة للصدمة من حدث معين، بل تعرّضهم المستمر للقصف والدمار يخلق صدمة مركبة ومتراكمة، تؤثر على النوم، والتركيز، والحياة اليومية بشكل عام.

وتضيف: "العيش في بيئة مدمّرة يترك أثراً نفسياً عميقاً، فالمكان كان رمزاً للأمان والاستقرار، وفقدانه يخلق شعوراً بعدم الأمان المستمر، ويجعل الناس يعيشون حالة من فقدان السيطرة على حياتهم، وهذا يؤثر على التوازن النفسي، ويزيد من مشاعر العجز واليأس، خاصة إذا لم يتوفر الدعم النفسي أو المساعدة المجتمعية." 

وتوضح: "الأمهات يتحملن عبءاً نفسياً مزدوجاً؛ خوفهن على حياتهن وحياة أطفالهن، إضافة إلى مسؤولياتهن اليومية في تأمين الطعام والماء والحماية، وكثير من النساء يشعرن بالذنب إذا لم يستطعن حماية أطفالهن، أو إذا ظهرت عليهن علامات القلق أمامهم، وبعضهن يطورن آليات قوة وهمية لحماية أطفالهن، لكن داخلياً يعانين من القلق المستمر والاكتئاب الطفيف أو الشديد." 

وتتابع: "الإنسان قد يعتاد على بعض عناصر الخوف، لكنّ هذا الاعتياد غالباً يكون على حساب صحته النفسية فيصبح أكثر توترًا، وأقلّ قدرة على التفاعل الاجتماعي، وأكثر عرضة للأمراض الجسدية والنفسية." 

وتؤكّد: "الأطفال هم الأكثر تأثراً، لأنّهم يفتقرون الخبرة للتعامل مع الخطر، وقد تظهر عليهم أعراض مباشرة مثل البكاء المستمر، وصعوبة النوم، والكوابيس، والانطواء، ويكونون أكثر عرضة لمشكلات نفسية طويلة الأمد مثل اضطرابات القلق والاكتئاب وحتى صدمات نفسية مزمنة." 

وقد ارتكبت إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، بدعم أمريكي، إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلاً وتجويعاً وتدميراً وتهجيراً واعتقالاً، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقفها.

وخلفت الإبادة أكثر من (239) ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على (11) ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين، ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلاً عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية