
تُكفر جماعات الإسلام السياسي والجماعات الجهادية المجتمعات المسلمة باستعمال مبدأ الحاكمية وتُطالبها بموجبه باتباعها، وبمبدأ الحاكمية أصبحت المجتمعات المسلمة غيرَ مؤمنةٍ متعدية على الذات الإلهية وتحكم مكانه، ومن ثم فإنّها في حاجة إلى الفتح من جديد، ويتضح هذا فيما أعلنته الجماعة الإسلامية هدفًا لها، فأعلنت هدفها صراحةً، وهو: إعادة الفلول الشاردة الآبقة الضالة عن صراطه المستقيم إلى فطرتها التي فطرت عليها وردّها إلى رشدها، وهو ما تعنيه بقولها: "تعبيد الناس لربهم"، تعبيد الناس لربهم في عقائدهم وشرائعهم وأخلاقياتهم ومعاملاتهم وتحاكمهم وتقاليدهم.
ويحمل هذا الهدفُ النتيجةَ الطبيعية للحاكمية، إذ إنّها تقولُ إنَّ الحكمَ لله، ومن ثم يجب أن تقف هي لتحكم باسمه؛ لأنّها هي التي تطالب بأن يحكم الله، وهي العارفة بحكمه ووكيلته، ومن ثم تُكفر الآخرين وتحمل على عاتقها مسؤولية هدايتهم التي تتمثلُ خضوعهم لها ولأوامرها باسم الله.
استهلاك القرآن في مشروعها السياسي
وإذا كان القرآن يُمَثِّلُ للوهلة الأولى مُنطلقًا للجماعات الجهادية، إلا أنّه في المستوى الواقعي يُعَدُّ أداةً إيديولوجيةً تمكنهم من محاولات فرض رؤيتهم؛ وذلك من خلال التماهي مع الله وأنبيائه أو مع صحابة النبي محمد ﷺ، وعرض رؤيتهم، لتكون فرضًا إلهيًا أو رؤيةً نبويةً لا تنفكُّ هي الأخرى أن تكونَ فرضًا إلهيًا.
فجماعات الإسلام السياسي والجماعات الجهادية تُقدّم خطابها الديني والعسكري في صورة نصرة الدين، وردِّ الكيدِ عن المظلومين وتحريرِ البلاد الإسلامية من نير التخلف والتبعية للمجتمعات والحكومات الأوروأمريكية، ومن ثم فإنّها تنطلق من الواقع المُعاش والمنهزم وبهدفٍ سياسي يُنافس التيارات السياسية الموجودة، أكثر ممّا تنطلق من الخطاب القرآني، ولكنّها تزين مشروعها بالخطاب القرآني لتجد لنفسها وجوداً ومشروعية في ظل فشلها السياسي والاجتماعي.
وتستمد مشروعيتها من فرض الدفاع عمّا ورد في القرآن على أنّه "دين الحق"، وما قدّمه الفقهاء على أنّه صحيح الدين، دون الانتباه إلى أنّ هذه العقائد بُنيت داخلَ إطار زمني إنساني بوساطة علماء مرتشين، أو حكام إمبرياليين، من السيطرة الحداثية من جانب، وغياب منجزاتها الواقعية من جانبٍ آخر.
واعتادت الجماعاتُ الجهاديةُ استنطاق القرآن بإيديولجيتهم متخفين وراءه متحدثين به، بوصفهم المالكين لتأويله وقصديته، فلا مجال للحديث عن تأويل بشري للنص، بل يُعرض تأويلهم بوصفه مطابقًا للمراد الإلهي من النص، ممّا يُنتج عمليةَ تماهٍ مع النص، ومن ثم الدين والله، وعليه تكون وصايتهم على البشر أمرًا بدهيًا بوصفهم متجاوزين الحد الإنساني ومتعالين عليه.
ولا تَقبل آراؤهم المجادلة والمناقشة، بصفتهم متحدثين باسم النص القرآني؛ المقروء من جميع المسلمين من خلال آلية الإيمان المسَلم به والبدهي الذي لا نقاش ولا جدال. هذا فضلًا عن التعالي بمقولاتِ الصحابةِ والتابعين على السياق الاجتماعي والسياسي، ومن ثم الأنثروبولوجي، والتعامل معها بوصفها حقائقَ إلهيةً مطلقةً، وإعلان الجماعات الجهادية نفسها وكيلًا حصريًا للصحابة والسلف، ومن ثم يملكون نوعًا من القدسية يعطيهم الحق في التوجيه والعقاب.
ولا يوجد توضيح لماذا يكونون هم الموكلين بهذه الوصاية، ولكن يكتفون بأنّها وصايةُ الله وهم مُنفذوها أو شركاؤه. وتُكفر الجماعات الجهادية بعضها بعضًا، وتعلن كل جماعة الوصاية على الأخرى، وكفر الجهاديون بعضهم بعضاً، فعلى لسان "أبي الليث المصري" جاءت إدانة زعيم تنظيم القاعدة "أيمن الظواهري" مبررًا ذلك بأنّ أفكاره باتت تتفق مع المشروع العلماني، وفي كتابهم "الردّ القاصف على شيوخ القاعدة الخوالف" وصفه تنظيمُ داعش بالمرتد قائلين: ما يزال المرتدُّ الظواهري في غيّه وضلالاته.
علة الجهاد هي الكفر
إنّ الرأي الشائع الذي تتبنّاه الجماعات الجهادية، هو أنّ علةَ الجهاد هي الكفرُ؛ يعني أنّه يكفي أن تكون كافرًا، كي نجاهدكَ، وثمة رأي آخرُ يرى أنّ علةَ الجهاد هي الاعتداءُ؛ أي إنك تجاهد من اعتدى عليك فقط، وأصحاب هذا الرأي هم: (سفيان الثوري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الحسين، وابن شبرمة، وعطاء بن رباح)، إلا أنّه قُدّم على أنّه هامشيٌّ، فنال حظه من التعتيم، في المقابل نال الرأي الآخرُ حظه من الاستحسان والترسيخ.
وتم الاستقرار داخل الجماعات الجهادية على أنّ "الكفرَ علةُ الجهاد" ويسوقون مجموعة من الآيات التي تحثُّ على القتال بطريقةٍ انتقائيةٍ متغاضين عن آيات التسامح والعفو. {وقاتلوا المشركين كافةً كما يقاتلونكم كافةً} [التوبة: 36]، {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} [التوبة: 5]، {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29]، وتُعدّ بمنزلة مبررات القتال في الإسلام.
ونتيجة لأن تكونَ علةُ الجهاد هي الكفرُ، يُصبح العالمُ كله ساحةَ جهادٍ، ومُطالب بالخضوع لأوامرهم وإلا جاهدوه، ومن ثم تقسم الجماعات الجهادية العالم إلى دار سلام، وهي الجماعةُ وما يخضع لحكمها بكل تأكيد، ودار حرب، وهي التي تحكم بغير ما أنزل الله؛ أي التي لا تخضع تحت سيطرتهم، ويرون أنفسهم أهل هداية يعملون على إصلاح أهل الجاهلية، وهم في ذلك يقتدون "بسيد قطب"، لذا لا نكون مُغالينَ في القولِ إنّه المُنظّرُ الرئيسُ لهذه الجماعات.
وتعدّ الجماعاتُ الجهاديةُ الأرضَ كلها ساحة حرب، ولا تسلم منها المجتمعات المسلمة إذ تراها أولى بالفتح، لأنّها لا تطبق تعاليمَ الله، ولا تتخذ القرآن دستورًا لها -على طريقة سيد قطب- وهذا ما يُذكر بوضوح في وثيقة العمل الإسلامي "لقد أكثرنا القول، ولا بأس من أن نكرر؛ إنّ الخلق عبيد الله والأرض ملك لله، ومن ثم فإنّ الخلق كلهم مطالبون بالدخول في دين الله، والأرض كلها من المفروض أن تخضع لسلطان هذا الدين".
وتبعًا لإعطاء الجماعات الجهادية نفسها قدسيةً إلهية، تبيح لها التعالي على الإطار البشري، فإنّ الاختلاف معها يُمَثِّلُ اختلافًا مع الدين والله، وتُمثل هيَ الحقُ والإيمان في مقابل الكفر. انطلاقًا من عقيدة الولاء والبراء، فإنّ ولاة الجماعة هم المؤمنون، وغير الموالين لها هم الكافرون، ممثلو الجاهلية الثانية، وقد صرّح بذلك "محمود غزلان" عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين، قائلاً: "يا أهل مصر: لقد أتيناكم لننقذكم من الجاهلية والكفر وعصور الظلام التي كنتم تعيشون فيها".
وتقرر الجماعات الجهادية أنّ حكمَ الإسلامِ في هذه الأنظمة، والحكومات واضحٌ وصريح؛ أنّها كافرةٌ وجاهلية وساقطة الشرعية، ووجودها غير جائز وكذلك استمرارها، وإزالتها واجب وفرض ديني، فقد آن لها أن تذهب وتعود من حيث أتت وتمضي غير مأسوف عليها، لتعود الخلافة والريادة من جديد، فآن لها أن تعود لتسترد مكانتها وأراضيها، وأهلها وذويها الذين انتزعت منهم وانتزعوا منها، تعود لتقيم الدين وتحرسه وتسوس الدنيا به.
وعلى ذلك تبني خطابها العنيف وتبيح لنفسها استخدام العنف للوصول إلى الحكم، وترى أنّ جهاد هذه المجتمعات واجب ديني وتقدّمه على أنّه كذلك، وتُكفر الحكومات، والمنتمين إلى هذه المجتمعات كذلك، ولا تمانع من قتل الأبرياء، لأنّها تراهم كافرين، وهذا كافٍ لجهادهم وليس الاعتداء، وهي بذلك تكون متعارضة مع الأمر الإلهي في القرآن "ولا تعتدوا"، ولكنّها لا تهتم بذلك بقدر ما تهتم بوجودها السياسي، حتى لو كان ذلك على حساب الدين والبشر.


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)