بالإغلاق وتعطيل الخدمات... الاحتلال يسرع تهجير سكان مدينة غزة

بالإغلاق وتعطيل الخدمات... الاحتلال يسرع تهجير سكان مدينة غزة

بالإغلاق وتعطيل الخدمات... الاحتلال يسرع تهجير سكان مدينة غزة


09/10/2025

تعيش مدينة غزة اليوم واحدة من أكثر مراحلها قسوة منذ بدء الحرب الأخيرة، إذ لم يعد القصف وحده وسيلة الاحتلال لإجبار السكان على الرحيل، بل أصبحت سياسة الإغلاق الكامل وتعطيل الخدمات الحيوية أداة رئيسية لتسريع تهجير المدنيين قسرًا نحو الجنوب.

ومنذ أسابيع أغلقت القوات الإسرائيلية جميع المداخل المؤدية إلى مدينة غزة، ومنعت مرور الوقود والمساعدات الإنسانية، وهو ما أدى إلى انهيار شبه تام في الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء، والمياه، والاتصالات، والصحة.

وأعلن مكتب الإعلام الحكومي بغزة في أيلول (سبتمبر) الماضي أنّ قوات الاحتلال الإسرائيلي دمرت (112) محطة مياه و(720) بئرًا منذ بداية العدوان في تشرين الأول (أكتوبر) 2023، في عملية ممنهجة لتدمير شبكة مياه القطاع.

وحذّرت بلدية غزة من أنّ تصعيد حرب الإبادة يفاقم أزمة العطش ويزيد من حجم الكارثة الصحية والبيئية ومعدلات انتشار الأمراض والأوبئة بسبب النقص الحاد في المياه.

وأوضحت البلدية أنّ كمية المياه المتوفرة تقلّ عن 25% من الاحتياج اليومي للمدينة مشيرة إلى أنّ الكمية المتوفرة وتُقدّر بنحو (15) ألف كوب يوميًا - وهي كمية غير مستقرة- بالإضافة إلى (10) آلاف كوب تُنتَج من آبار محلية، غير كافية.

مدينة مشلولة

يقول الفلسطيني خليل نصار (43 عامًا)، وهو ربّ أسرة نزح مؤخرًا من حي النصر إلى مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة: "لم يطلب منا أحد الرحيل، لكنّهم أغلقوا كل شيء حتى نرحل بأنفسنا، لا خبز، ولا ماء، ولا دواء، ولا أيّ مكان آمن، إنّها طريقة أخرى للتهجير دون استخدام القوة المباشرة".

ويضيف نصار الذي بدت علامات الإرهاق واضحة على وجهه: "كنا نصمد رغم القصف، لكن الآن لا نستطيع الصمود أمام الجوع والعطش، فعندما لا تستطيع أن تطعم أطفالك، تضطر للرحيل حتى لو لم يعد هناك مكان آمن".

أعلن مكتب الإعلام الحكومي بغزة في أيلول (سبتمبر) الماضي أنّ قوات الاحتلال الإسرائيلي دمرت (112) محطة مياه و(720) بئرًا منذ بداية العدوان في تشرين الأول (أكتوبر) 2023، في عملية ممنهجة لتدمير شبكة مياه القطاع.

ويوضح: "ابني مريض بالقلب، كنا نعالجه في مستشفى الشفاء بغزة، الآن لا دواء ولا كهرباء، ولا أيّ أطباء مختصين، ولم أعد أحتمل رؤية طفلي يختنق كل ليلة".

ويتابع نصار والدموع في عينيه: "أحرقنا الأثاث كي نطهو الطعام، حتى الحمّامات لا ماء فيها، شعرت أنّ البقاء هنا هو موت بطيء، فخرجنا سيرًا على الأقدام نحو الجنوب، ولم نأخذ معنا إلا بطانيات وبعض الخبز اليابس".

ويؤكد أنّ "الاحتلال يتبع سياسة خنق مقصودة، فعندما لا تجد ماءً للشرب ولا طعامًا، وترى القمامة في كل مكان، ستفكر بالهرب من المكان، وهذا ما يريدونه بالضبط، أن يموت كل شيء في المدينة ليس فقط البشر، بل الحياة نفسها".

خدمات معطلة

هذه الحال لا تختلف لدى الفلسطينية نسمة الشرفا من حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، وتقول بصوت مرتجف: "حملت ابني في الليل وخرجت من المدينة مشيًا على الأقدام إلى دير البلح وسط قطاع غزة، وكانت الطريق ملأى بالنازحين، وخلال نزوحي رأيت نساء يحملن أطفالًا كبارًا على ظهورهن، لا أحد يريد الرحيل، لكنّ المدينة أصبحت سجنًا مغلقًا بلا دواء ولا حياة".

وتضيف الشرفا (38 عامًا): "كنا نسير مع مئات العائلات، الأطفال يبكون، والنساء يحملن أكياسًا صغيرة من الطعام، ولم نكن نهرب من القصف هذه المرة، بل من الجوع والعطش، فالاحتلال يهجّرنا بصمت".

وتؤكّد أنّ "المدينة تدفن ببطء، ولا صوت لمولدات ولا لسيارات، فقط صمت طويل، الاحتلال لا يريد أن يقصف كل بيت، بل يريد أن يجعلنا نرحل من تلقاء أنفسنا".

وتبين الشرفا: "الاحتلال لا يقول لنا "اخرجوا"، لكنّه يجعل البقاء مستحيلًا، لذلك اضطررنا للمغادرة بعدما مرضت ابنتي من شرب الماء الملوث، هذا ليس هروبًا من الحرب، بل هو هروب من الموت البطيء".

نسمة الشرفا: "كنا نسير مع مئات العائلات، الأطفال يبكون، والنساء يحملن أكياسًا صغيرة من الطعام، ولم نكن نهرب من القصف هذه المرة، بل من الجوع والعطش، فالاحتلال يهجّرنا بصمت"

وتوضح: "كنا نعيش على أضواء الشموع، في حين كانت شبكات الهاتف والإنترنت مقطوعة، ولا نعرف ما يجري في الخارج، ولا نستطيع حتى طمأنة عائلاتنا، حتى بدت غزة جزيرة معزولة عن العالم، وكأنك لم تعد موجودًا، هذا أصعب من القصف نفسه".

نزوح قسري غير معلن 

الفلسطيني سمير الدنف (41 عامًا) من حي النصر بمدينة غزة يقول: "لم أغادر وعائلتي الحي بسبب القصف، بل لأنّ الحياة توقفت، بعد توقف المدارس والمستشفيات والمخابز، وانقطاع المياه، حيث لم يعد هناك ما نبقى لأجله".

ويضيف الدنف: "كنت أعيش مع عائلتي في شقة صغيرة، لكننا اضطررنا للنزوح، حملنا ما استطعنا من ملابس وخرجنا تحت القصف".

ويوضح: "الطريق إلى الجنوب كانت ملأى بالناس، وجوه مرهقة تحمل كل شيء على الأكتاف، ولا أحد يريد المغادرة، لكنّ البقاء يعني الموت، الاحتلال لا يطردنا بقوة السلاح، بل يقتلنا بالعطش والجوع. الاحتلال جعل البقاء مستحيلًا، عندما لا تجد طعامًا ولا دواء ولا ماء، لا تملك خيارًا إلا أن تغادر، الرحيل لم يعد خيارًا بل نجاة، لأنّ الحياة هنا انتهت".

ويتابع: "هذا نوع جديد من الحرب، لا قصف مباشر، لكنّهم يقطعون الهواء والماء عنا حتى نخرج، لأنّ البقاء صار عذابًا، فنحن نهجر بصمت، دون أن يعلنوا شيئًا".

سمير الدنف : "لم أغادر وعائلتي الحي بسبب القصف، بل لأنّ الحياة توقفت، بعد توقف المدارس والمستشفيات والمخابز، وانقطاع المياه، حيث لم يعد هناك ما نبقى لأجله".

ويؤكّد الدنف أنّ "غزة أصبحت بيئة خطرة، والناس تفكر بالهرب ليس خوفًا من القصف، بل من الأمراض والجوع، فالاحتلال يستخدم الخدمات كسلاح أقوى من الصواريخ".

 سياسة خنق ممنهجة

يرى الكاتب والمحلل السياسي عصمت منصور أنّ "هذه الإجراءات هي جزء من سياسة "الخنق الإنساني" التي تهدف لإجبار السكان على المغادرة تدريجيًا، عبر تعطيل مقومات الحياة إلى جانب استخدام القوة العسكرية بشكل غير  مباشر".

ويضيف منصور: "على غرار الحرب التقليدية، استخدم الاحتلال الإسرائيلي أدوات الحرب غير التقليدية هذه المرة، بهدف تجفيف مقومات الحياة بدلًا من القصف فقط".

ويوضح: "هذه ليست أزمة عادية، فهي خنق متعمد، حيث يستخدم الاحتلال الإسرائيلي الحرمان من الخدمات كوسيلة تهجير فعالة، والنتيجة واحدة، إفراغ المدينة من سكانها، لكن دون ضجيج أو مسؤولية مباشرة".

ويؤكّد أنّ "ما يحدث في غزة ليس مجرد تدمير للبنية التحتية، بل هو تطبيق دقيق لسياسة الخنق البطيء، فإسرائيل تدرك أنّ تدمير المخابز والمستشفيات وقطع المياه والكهرباء سيدفع السكان إلى الرحيل طوعًا، وهو تهجير قسري أكثر فتكًا".

وقد شنت إسرائيل في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، حربًا شرسةً على قطاع غزة، أدت إلى مقتل (67183)، وإصابة أكثر من (169841) شخصًا بجروح، حسب إحصائية وزارة الصحة بغزة.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية