انفجار مرفأ بيروت يزلزل صورة حزب الله ومستقبل سلاحه

انفجار مرفأ بيروت يزلزل صورة حزب الله ومستقبل سلاحه

مشاهدة

10/08/2020

"دخلنا مرحلة قتل السلطة للبنانيين". لم تكن تلك العبارة المقتضبة التي ترددت على مواقع التواصل الاجتماعي، عقب الانفجار الذي دوّى في العاصمة اللبنانية، بيروت، الثلاثاء الماضي، سوى لحظة امتعاض قصوى وجهت بكاملها ضد الطبقة السياسية الحاكمة، قبل معرفة تفاصيل الحادث وملابساته التي زادتها الرواية الرسمية، بتناقضاتها وشح المعلومات فيها، غموضاً والتباساً. وتراوحت الاتهامات بين أطراف وجهات متباينة داخل الأجهزة الأمنية، والجهات الحكومية.

الصحفي اللبناني عبد الرحمن إياس معلقاً لـ"حفريات" على الانفجار: رأيت زجاجاً محطماً، وحاجيات شخصية ملقاة في الشارع. تفقدت المنزل فوجدت أنّ باباً كان مقفلاً لم يعد يفتح

 التفجير، الذي أعلن وزير الصحة اللبناني حمد حسن، الجمعة، أنّ عدد القتلى فيه، ارتفع إلى 154 شخصاً، وأنّ 120 شخصاً من المصابين، البالغ عددهم 5 آلاف شخص، حالتهم حرجة، ضاعف من مشاعر الحزن والتهديد اللذين يرافقان المواطن اللبناني منذ فترة، ليست بالقليلة، في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة وغير المسبوقة.

المحاصصة الطائفية واللادولة

وترددت عدة معلومات حول أسباب الانفجار؛ وكان أولها استهداف طائرات إسرائيلية لمخزن أسلحة ومتفجرات تابع لحزب الله؛ وقد عزز تلك الرواية شهادات كشفها لبنانيون عن سماع طائرات، حلقت فوق موقع الحادث إبان الانفجار، لكن سرعان ما تم نفي ذلك من الجانبين اللبناني والإسرائيلي، وخرج اللواء عباس إبراهيم، مدير الأمن العام اللبناني، ليعلن احتراق العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت، بهدف تهدئة المواطنين ووضع حد للإشاعات.

وبمجرد ورود معلومات رسمية، بثتها وسائل إعلام محلية، عن وجود مادة الأمونيوم المخزنة في المرفأ، منذ العام 2013، والتي كانت السبب المباشر في حدوث الانفجار الضخم؛ إذ إنها مادة سريعة الاشتعال، وتستخدم في صناعة المتفجرات، احتدم الجدل حول الجهات المسؤولة عن تخزين هذه المادة الخطيرة، وبطريقة غير آمنة، خاصة، وأنّ بعض الأجهزة الأمنية بدأت تكشف عن عدم معرفتها بالأمر؛ حيث قال رئيس الجمارك اللبنانية، بدري ضاهر، إنّ هيئة الجمارك طالبت، أكثر من مرة، الجهات القضائية بضرورة تصدير ونقل المادة الكيميائية لضمان سلامة مرفأ بيروت، وهو الأمر ذاته الذي تكرر مع مدير المرفأ، حسن قريطم، الذي قال: "لم نكن على علم بأنّ المادة المخزنة خطيرة إلا عندما أمرت المحكمة في بداية الأمر بتخزينها في المستودع بالمرفأ"، كما شدد على أنه لم يكن يعلم بأنها "بهذه الدرجة" من الخطورة.

اقرأ أيضاً: تظاهرات "يوم الحساب"...لماذا لن يستطيع حزب الله الصمود أمام موجة الثورة الثانية؟

ومن جانبه، أقر الرئيس اللبناني، ميشال عون، بأنّ 2750 طناً من نترات الأمونيا كانت مخزنة بطريقة، غير آمنة، في مستودع لنحو ست سنوات.

حزب الله في مواجهة القوى المدنية والشعبية

يبرز السياق السياسي والاقتصادي المأزومان في لبنان فداحة وعمق ما ترتب على الحادث المأساوي، لا سيما في ظل تصاعد الاحتجاجات بين اللبنانيين بمختلف طوائفهم، ومرجعياتهم الدينية والسياسية، والذين احتشدوا لاستئناف المظاهرات المندلعة، منذ تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ إذ خروجوا في مسيرات حاشدة تحت شعار "يوم الحساب"، بينما رفعوا مشانق رمزية عليها صور عدد من القيادات السياسية، من بينهم، حسن نصر الله، ونبيه بري، وجبران باسيل، وسمير جعجع وغيرهم، ونددوا بسلاح حزب الله، وطالبوا بنزعه، خاصة بعد الاتهامات المباشرة الموجهة ضده.

ويضاف إلى ذلك، رد المجلس الأطلسي على تصريحات زعيم حزب الله، حسن نصر الله، والذي أكد على عدم معرفته بالمواد المخزنة في المرفأ، والمتسببة في الانفجار الهائل؛ إذ أوضح المجلس أنّ حلفاء الحزب، منذ العام 2013، سيطروا على حقائب وزارية في الحكومة، من بينها النقل، والمسؤولة عن جميع موانئ لبنان، بما في ذلك موانئ بيروت.

اقرأ أيضاً: من الشوارع إلى منصات التواصل الاجتماعي.. اللبنانيون يهتفون "حزب الله إرهابي"

وحول مسؤولية حزب الله في الانفجار، يشير المجلس، وهو منصة بحثية متخصصة في الشأن الدولي، إلى أنه: "لو اعتبرنا حزب الله ليس له علاقة بشحنة نترات الأمونيوم التي انفجرت، على الرغم من تاريخه الطويل في استخدامها في عملياته وتخزينها في ألمانيا ولندن وتايلاند وقبرص والكويت، لكنه يتحمل مسؤولية الانفجار باعتباره المسؤول الأول عن المرفأ".

اقرأ أيضاً: القصة الكاملة لتمويل قطر حزب الله

وتابع: "يقدم حزب الله نفسه على أنه مختلف عن غيره من الفصائل السياسية اللبنانية، مثل أنه مكافح للفساد ومهتم بأمن لبنان وكرامته وسيادته، وذلك بهدف تبرير الاحتفاظ بترسانته العسكرية الضخمة، غير أنّ فشله المطلق في إثارة مسألة 2750 طناً من نترات الأمونيوم، يدل بشكل قاطع على زيف مزاعمه وسكوته عن وجود هذه الكمية بين الأحياء السكنية".

نصر الله في هتاف الغاضبين

وشكك المجلس في سردية نصر الله، خاصة وأنّ وفيق صفا، مسؤول الاتصال والتنسيق في حزب الله، يهيمن، بصورة كاملة، على كافة المعابر البحرية والبرية، ومن بينها مرفأ بيروت، بحسب وزارة الخزانة الأمريكية، التي فرضت عليه عقوبات، قبل نحو عام، على خلفية اتهامه في قضايا وجرائم فساد وإرهاب؛ إذ إنه قام بتسهيل عمليات تهريب مخدرات وسلع وأسلحة من خلال المعابر الحدودية المسؤول عنها، كما أنّ الادعاء العام في قضية مقتل رئيس وزراء لبنان السابق، رفيق الحريري، قدم أدلة، في العام 2018، تشير إلى تورطه في عملية الاغتيال.

وإلى ذلك، يقول المحامي والناشط الحقوقي اللبناني، سامر حمدان، إنّ ما حصل في بيروت كان مرعباً؛ فالحرب الأهلية لم تخلف ما تركه التفجير في غضون دقيقة واحدة. الحزن كان سيد الموقف في بيروت، خصوصاً أنّ جميع الظروف السلبية اجتمعت على هذه المدينة، لتجعلها منكوبة ومفلسة.

اقرأ أيضاً: تساؤلات بعد كشف العلاقة بين قطر وحزب الله: هل المخفي أعظم؟

 ويضيف حمدان لـ"حفريات": الحزن على بيروت كبير، لكنّ الأمل ضعيف بعد ما حصل في تظاهرة السبت، والاستخدام المفرط للقوة من قبل القوى الأمنية، وكأنّ هذا النظام يريد قتل المواطنين، وتغيير أيديولوجية وثقافة لبنان بالتعسف والقمع، فهو نظام فاسد مجرم، بعناصره ومكوناته المتواطئة ضد الشعب، وحتى المساعدات المقدمة من دول عربية وأوروبية أضحت وجهة جديدة للسرقة، يريدون السرقة على حساب الجثث، بينما شرعية رئيس الجمهورية، ميشال عون، سقطت في الشارع والإعلام، ولم يعد لديه مكانة بين اللبنانيين، كما جميع  السياسيين".

بيروت المدينة المفلسة والمنكوبة.. من المسؤول؟

"الثورة السلمية والضغط نحو انتقال ديمقراطي للسلطة أمر مستحيل بعد اليوم؛ بسبب الخوف من ارتفاع نسب الهجرة بين الشباب والعائلات، على حد سواء"، بحسب حمدان، والذي يؤكد أنّ حزب الله مستمر في التعاطي بفوقية وتعال، وكأنه الحاكم الأعلى باسم الله، وهو من يقرر كل شيء وكلامه محل ثقة دائماً، ولكن هذه المرة الشعب قال كلمته، ولم يعد يخشى أي شيء، حيث دان الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله بالاسم، ومن دون خوف، بعدما خسر مدينته التي تهدمت وأفلست أمام عينيه، خاصة، بعد تقارير دولية عدة ألمحت إلى تورط الحزب في التفجير، ومن ثم، وجود علامات استفهام كثيرة حول ذلك؛ فليس فقط الاهمال، وحده، من ولّد أو صنع كل هذا.

حزب الله مستمر في التعاطي بفوقية وتعال، وكأنه الحاكم الأعلى باسم الله، وهو من يقرر كل شيء، ولكن هذه المرة الشعب قال كلمته، ولم يعد يخشى أي شيء

وفي شهادته لـ"حفريات"، يقول الصحفي والمترجم اللبناني، عبد الرحمن أياس: "بدا الأمر زلزالاً في البداية. فقد اهتزت قليلاً الشقة حيث أقيم على بعد ثمانية كيلومترات من المرفأ. وفيما اختفت القطة، سارعتُ ومدبرة المنزل للوقوف في فتحة أحد الأبواب؛ إذ يقال إنّ هذه الفتحات صلبة وتحمي من الانهيار خلال الزلازل، ثم هبت عاصفة هوائية مع غبار وأصوات تحطم، ونظرت إلى الثريا فوجدتها ثابتة، فقلت إنه ليس زلزالاً، كما نظرت من الشباك ورأيت زجاجاً محطماً، وحاجيات شخصية ملقاة في الشارع. تفقدت المنزل فوجدت أنّ باباً كان مقفلاً لم يعد يفتح، فيما تحطم لوح زجاجي كبير في أحد الشبابيك".

وتواترت الأخبار عن أنّ انفجاراً ضخماً هز مرفأ بيروت، وتلاحقت الفيديوهات التي شاركها المواطنون على منصات التواصل الاجتماعي، وهي تصور ما جرى من زوايا مختلفة، بحسب أياس؛ إذ حاولت تقديم تحليلات متباينة حول أسباب وملابسات الانفجار، وكذا المتسببين فيه، إلا أنّ ثمة علامات استفهام عديدة لا تزال تحاول الكشف والاقتراب مما جرى، خاصة، وأنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أشار، قبل شهور قليلة، إلى الموقع ضمن مواقع أخرى في لبنان كمخزن لمواد عسكرية لحزب الله، وقد نفى الحزب الأمر، وقتها، وبعد الانفجار، كما نفت إسرائيل أي دور لها في الانفجار، وهو ما يضع شكوكاً تحتاج للإيضاح.

الصفحة الرئيسية