"انفجار الشعبوية": الخطر الأكبر على الديمقراطية

"انفجار الشعبوية": الخطر الأكبر على الديمقراطية

مشاهدة

13/09/2020

ترجمة: على نوار

يستعرض أديب نوبل، البيرواني، ماريو بارجاس يوسا، في كتابه حول صعود نجم الشعبوية، الصادر عن دار نشر "بلانيتا"، عام 2017، والذي وضع فيه مجموعة من المقالات عن الكوارث الناجمة عن الشعبوية في البلدان التي رفعت الراية البيضاء أمام هذه الغوغاء، مخاطر "العدو الجديد"، محذّراً من أنّ مكمن الصعوبة في مكافحتها "يعزى إلى أنّها تلمس الغرائز المغروسة في البشر؛ مثل روح القبيلة وعدم الثقة والخوف من الآخر".

 ماريو بارجاس يوسا

يقول بارجاس يوسا، في مقدّمة الكتاب علانية وبلا مواراة: إنّ "الشيوعية لم تعد هي العدو الأساسي في وجه الديمقراطية الليبرالية، ديمقراطية الحرية، بل الشعبوية". ويؤكّد الكاتب، الحاصل على جائزة نوبل في الأدب، عام 2010؛ أنّ الشيوعية توقّفت عن تشكيل أيّ تهديد منذ انهيار الاتحاد السوفييتي البائد "نظراً لعدم قدرتها على إيجاد حلول لأبسط المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وحين تحوّلت الصين، للأسباب نفسها، نحو نظام رأسمالي شمولي".

غلاف الكتاب

وفي مستهلّ كتابه "انفجار الشعبوية"، الذي يجمع فيه ألبارو بارجاس يوسا، نجل الكاتب، مقالات لأصوات، مثل المؤرخ المكسيكي إنريكي كراوثي، والصحفية الإسبانية كايتانا ألباريث دي توليدو، وخبيرة علم اللغة الكوبية يواني سانشيث، لإظهار الصور المختلفة والأقنعة المتعدّدة للشعبوية، يوضح الأديب البيرواني كيف أنّ الشعبوية تهدّد أسس النظرية الفكرية التي أسهمت في أكثر حقبة اتّسمت بالرفاه وجودة المعيشة في تاريخ البشرية؛ الديمقراطية الليبرالية.

اقرأ أيضاً: شعبوية أردوغان: حقيقة أم أسطورة؟

وشدّد الكاتب على أنّ "الدول الشيوعية، التي ما تزال على قيد الحياة، كوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا، ليست سوى أنظمة دكتاتورية تعاني حالة من التداعي، والتي تحول دون أن تكون أنموذجاً، تماماً مثلما حدث مع الاتحاد السوفييتي خلال حقبتَي لينين وستالين، لانتشال الناس من هوّة الفقر وتخلّف المجتمع".

فلاديمير ألييتش أوليانوف المعروف بـ لينين

ويستطرد: "لقد أنهت المعاناة والمذابح البشعة على هذا الوهم، باتت الشيوعية الآن أفكار بالية، بينما يتواجد المؤمنون بها، سواء جماعات أو أفراد، على هامش الحياة السياسية في دولهم".

ويستدعي ماريو بارجاس يوسا أفكار نهاية التاريخ والإنسان الأخير، أكثر كتب فرانسيس فوكوياما مبيعاً، والذي يعتقد فيه أنّ اندثار الشيوعية سيؤدّي بالتبعية إلى تعزيز الديمقراطية الليبرالية، ونشرها في كافة أرجاء العالم، ومن هنا يلتقط الأديب البيرواني طرف الخيط، ليشير إلى أنّه، على عكس ما كان يتوقّع كثيرون، ظهر اليوم خطر الشعبوية.

حائز نوبل: الشعبوية ترتدي قناع "اليمين القومي" في دول العالم الأول؛ حيث ترفع شعار حماية السيادة الوطنية من التدخل الخارجي "سواء كان اقتصادياً أو دينياً أو عرقياً

ويكشف يوسا: "تمتلك الشعبوية تاريخاً طويلاً، رغم أنّها لم تصل للمدى الذي بلغته اليوم في العالم، وإحدى أكبر الصعاب في مكافحتها" يعزى إلى أنّها تلمس الغرائز المغروسة في البشر، مثل روح القبيلة وعدم الثقة والخوف من الآخر، الذي ينتمي لعرق مختلف، أو يتحدّث بلغة أخرى، أو يعتنق ديانة مغايرة، ورهاب الأجانب، والنزعة القومية، والجهل؛ لذلك تنتشر الشعبوية بسهولة في المجتمعات التي تعاني أزمة أو وضعاً لم يكن في الحسبان".

اقرأ أيضاً: تنامي الشعبوية يشلّ المشهد السياسي في تونس

وتبدو هذه الظاهرة واضحة للغاية، وبصورة مأساوية حقاً، في الولايات المتحدة، حيث يقول يوسا: "لم يسبق أن كان الشقاق السياسي في البلاد واسعاً لهذا الحدّ، ولم يكن الخطّ الفاصل بارزاً لهذه الدرجة؛ فمن جانب هناك الولايات المتحدة المثقفة المتمدّنة المتعلّمة الحديثة، وعلى الجانب المقابل توجد الولايات المتحدة المغايرة، الأكثر بدائية، والمعزولة، والتي تميل للمحلّية، وتفتقر للثقة ويتملكها الخوف المذعور من فتح الحدود وثورة الاتصالات، لكنّ العولمة، وهي بالطبع الحدث الأكثر إشراقاً وإثارة في عصرنا، تفتح آفاقاً عريضة من الفرص لجميع الدول، لا سيما الأفقر منها، والتي للمرة الأولى في التاريخ، وبفضل العولمة تستطيع الخروج من الفقر، في وقت وجيز، وتحقيق الرفاه لجميع مواطنيها".

لاحقاً، يتطرّق الكاتب البيرواني إلى أسس ظاهرة الشعبوية، كاشفاً: "الأمر لا يتعلّق بأيدولوجية، بل بوباء متفشٍّ، بالمعنى الأخطر سُمّية للكلمة، يهاجم الدول المتقدمة والنامية على حدّ سواء، حيث يلبس في كلّ حالة أقنعة متباينة من اليسار المتشدّد في العالم الثالث إلى اليمين المتشدّد في العالم الأول".

ما هي الشعبوية؟

تُعرّف الشعبوية؛ بأنّها سياسة تفتقد المسؤولية وتتّسم بالغوغائية، ينتهجها "حُكّام لا يتوانون عن التضحية بمستقبل مجتمع من أجل حاضر سريع الزوال"، يرتدي قناع التقدّمية في العالم الثالث.

ويردف: "على سبيل المثال، تأميم الشركات وتثبيت الأسعار وزيادة الرواتب، كما فعل في بيرو، الرئيس آلان جارثيا، خلال ولايته الأولى، وهو ما انعكس في تحسّن لحظي زاد شعبيته بسرعة رهيبة، لكن بعد ذلك جاء التضخّم الهائل، الذي كان على وشك تقويض الهيكل الإنتاجي لدولة أوقعتها هذه الإجراءات في الفقر المدقع".

اقرأ أيضاً: الشعبوية تزدهر ولا عزاء للاجئين

ويستكمل: "ومع اتخاذ بدائل بعينها، تعرّضت بيرو لنفس ما فعله آل كيرشنر في الأرجنتين، وفي البرازيل حزب العمال، خلال رئاسة لولا دا سيلفا، ثم ديلما روسيف، فبعد فترة من الازدهار الزائف، غرق البلدان في أزمة اقتصادية غير مسبوقة، إضافة إلى الفساد المستشري بشكل سرطاني، ودفعت القطاعات الأكثر هشاشة الثمن".

يدعم أعضاء "اليمين البديل" العديد من المقترحات التي يصفق لها أنصار ترامب مثل تقييد حرية المسلمين أو طرد المهاجرين

ورأى يوسا؛ أنّ الشعبوية ربما تكون "انتكاسة للديمقراطية" قد تقضي عليها من الداخل.

وأوضح؛ "حتى الدول ذات الديمقراطيات العريقة، مثل بريطانيا وفرنسا وهولندا والولايات المتحدة، لا تحظى بمناعة من هذا المرض، وخير دليل على ذلك هو انتصار البريكست، ووصول دونالد ترامب للبيت الأبيض، وتصدّر حزب خيرت فيلدرز لاستطلاعات الرأي في هولندا قبيل الانتخابات، طوال 2017، وتقدّم حزب الجبهة الوطنية بزعامة مارين لوبان في فرنسا".

كما أشار بارجاس يوسا إلى أنّ الشعبوية ترتدي قناع "اليمين القومي" في دول العالم الأول؛ حيث ترفع شعار حماية السيادة الوطنية من التدخل الخارجي "سواء كان اقتصادياً أو دينياً أو عرقياً".

الحمض النووي للشعبوية

تُعدّ النزعة القومية المكوّن الأساسي للشعبوية، وهي التي لطالما كانت، بعد الدين، المصدر الأساسي لأكثر الحروب دموية على مدار تاريخ البشرية.

اقرأ أيضاً: الشعبوية التي قد تلتهم العالم!

ويرى أديب نوبل، البيرواني؛ أنّ "مؤيدي البريكست، بناء على ما سمعته أثناء وجودي في لندن، كانوا متأثرين بالدعاية القائمة على كمّ هائل من الأكاذيب الشوفينية والمعادية للأجانب، والتي روّج لها أشخاص، مثل: بوريس جونسون، ونايجل فاراج، رئيس حزب استقلال المملكة المتحدة، عبر شاشات التلفزيون، طوال الحملة، ليفوزوا في استفتاء خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي، وادّعوا أنّ بريطانيا ستستعيد استقلاليتها وحريتها، وتتخلّص من قيود بروكسل، علاوة على حماية البلاد من غزو المهاجرين الوافدين من العالم الثالث".

كان لدى كل من ترامب وكلينتون مستويات عالية من الرفض في استطلاعات الرأي لانتخابات 2016

بالمثل، يبرز الكاتب أنّ القومية لا تنفصل عن العنصرية، موضحاً أنّ ذلك يظهر بجلاء في البحث عن كبش فداء لتحميله أوزار جميع الشرور في البلاد.

ويردف: "المهاجرون الملوّنون والمسلمون هم الآن ضحايا الشعبوية العنصرية في الغرب؛ فالمكسيكيون مثلاً هم ضحايا الرئيس ترامب، الذين اتهمهم بأنّهم مغتصبون ولصوص ومهرّبو مخدّرات، قبل أن يصدر مرسوماً بحظر دخول مواطنين من ستّ دول إسلامية إلى الأراضي الأمريكية"، والأمثلة على ذلك في أوروبا واضحة، على غرار: خيرت فيلدرز في هولندا، ومارين لوبان في فرنسا، أما فيكتور أوربان في المجر، وبياتا سيدلو في بولندا، فيتّهمان صراحة المهاجرين بتجريد مواطنيهم من أعمالهم، واستغلال نظام التأمين الاجتماعي، وإسقاط التعليم الحكومي، إلّا أنّ الاتهام الأخطر على الإطلاق؛ هو ذلك الذي يدّعي أنّ المهاجرين المسلمين ما هم إلّا حصان طروادة الإرهاب، وهو ما يغفل حقيقة أنّ المسلمين هم أول ضحايا المذابح الجماعية التي ترتكبها تنظيمات مثل الدولة الإسلامية والقاعدة.

اقرأ أيضاً: لماذا تعد "الشعبوية" كلمة مشينة؟

تكفي فقط معرفة أنّ عشرات الآلاف من العراقيين، السنّة والشيعة، راحوا ضحية الهجمات الإرهابية منذ سقوط نظام صدام حسين".

كما أنّ الشعبوية لا تقوّض الدول اقتصادياً فقط، بعد فترة قصيرة من ذيوع السياسات الغوغائية، مكتسية بمظهر جالبة الخير، ليصرّح يوسا بأنّها "تهدم فكرة أهمية الديمقراطية والسياسات الليبرالية".

هناك بالطبع ديمقراطيات فاسدة، بيد أنّ الناس يعون جيّداً أنّ الديمقراطيات الفاسدة أفضل من الدكتاتوريات، ويُفترض بمؤسّسات الديمقراطية التحقيق ومعاقبة الفاسدين، ما يساهم في تعزيز ثقة الناخبين

"في أمريكا اللاتينية، تقدّم حكومات، مثل؛ رافائيل كوريا في الإكوادور، ودانييل أورتيجا وزوجته في نيكاراجوا، وإيفو موراليس في بوليفيا، أنفسهم على أنّهم مناهضون للإمبريالية واشتراكيون، لكنّهم في الحقيقة تجسيد للشعبوية.

ويصنع الثلاثة وصفتهم من الشيوعية بعمليات التأميم واسعة النطاق والجماعية وسيطرة الدولة على الاقتصاد، وبنكهة أفضل من تلك التي يعدّها الجاهل نيكولاس مادورو، لكنّهم يعرفون جيّداً الكوارث التي تفضي إليها تلك السياسات، يدعمون بصوت جهوري كوبا وفنزويلا، ولا يحذون حذوهما".

اقرأ أيضاً: العالم في قبضة الشعبوية .. تعرف على أسباب صعودها ومستقبلها

وألمح الكاتب كذلك إلى أنّ هذه الدول لجأت، عام 2017، إلى اعتماد نموذج بوتين التجاري، والذي وصفه بـ "رأسمالية الفاسدين"؛ عن طريق الدخول في "تحالفات عصابية مع رجال أعمال موالين يحصلون على امتيازات، ويُسمح لهم بالاحتكار، شريطة أن يكونوا أوفياء للسلطة، ويدفعون العمولات المناسبة بانتظام".

ويقول "يعدّ هؤلاء جميعاً، مثل اليميني المتشدّد ترامب، أنّ الصحافة الحرّة هي العدو اللدود للتقدّم، وقد فرضوا أنظمة للسيطرة، وتوجيه الصحافة، بشكل مباشر أو غير مباشر".

ويختتم يوسا مقدّمة كتابه بـأنّ "هناك بالطبع ديمقراطيات فاسدة، بيد أنّ الناس يعون جيّداً أنّ الديمقراطيات الفاسدة أفضل من الدكتاتوريات، ويُفترض بمؤسّسات الديمقراطية التحقيق ومعاقبة الفاسدين. إنّ هذه العملية، في حال نجاحها، تساهم في تعزيز ثقة الناخبين بالديمقراطية الليبرالية".

مصدر عن الإسبانية:

https://bit.ly/3jYn7Z8

الصفحة الرئيسية