
ترجمة وتحرير: عبّود الجابري
منذ بداية الحضارة الإنسانيَّة، شكَّلت النار جزءًا جوهريًّا من حياة الإنسان وأحد أسرار استمراره، إذ تجسَّدتْ فيها قوَّةٌ ذاتُ أوجهٍ متعدِّدةٍ؛ فهي قادرةٌ على منح الدفء، وفي الوقت نفسه تُمثِّلُ قوَّةً تدميريَّةً، كما أنَّها تُسهِمُ في التنقية والتطهير، وتحمي من الأخطار، وتُعَدُّ العامل الحاسم بين البقاء والاندثار.
أدرك أسلاف البشر أنَّ وهج النار في ليلة شتويَّة قاسية قد يكون سببًا للنجاة، وأنَّ نورَها يردع الحيوانات المفترسة، فضلًا عن قدرتها على تحضير الطعام، وهو ما جعلَ الحياة أكثر قابليَّةً للاستمرار، ومنذ ذلك الحين، باتت العلاقة بين الإنسان والنار علاقةً ترتكز على مزيج من الاحتياج والخوف؛ صراعٌ مستمرٌّ بين تطويع هذه القوَّة الجامحة، وبين الانقياد لجلال سلطانها.
وعلى الرغم من تقدُّم تقنيّاتنا وتطوُّر مدننا، ما تزال النار تمتلك القدرة على أسْرنا بسهولة. نقف أمام لهب الموقد أو نار المخيَّم، مسحورين بذلك الرقص البرتقاليّ الغامض، نشعر كأنّ ما نشاهده أقدم بكثير من أيّ معرفة وصلتْ إلينا، وبعد آلاف السنين، ما زلنا نجتمع حول النار، نتبادل الحكايات ونتأمَّل ألوانها المتغيِّرة، كأنَّنا نستعيد فعلًا بشريًّا قديمًا يتكرَّر دون أن يفقد سحره.
النار في الأساطير
لطالما اعتُبِرت النارُ في الميثولوجيا رمزًا مقدَّسًا وموردًا نفيسًا، حيث تتصف بحراسة إلهيَّة محكمة، ولا تُمنَحُ للبشر إلّا عبر أحداث استثنائيَّة تُبرز الجرأة أو التحدّي. ومن أبرز الأمثلة في هذا السياق أسطورة بروميثيوس، الجبّار الإغريقيّ الذي تجرَّأ على العصيان وسرقَ النار من الآلهة ليمنحَها للبشرية، ولم يكن عملُه مجرَّدَ تمرُّدٍ على السلطة الإلهيَّة، بل يُمثِّل اللحظة المحورية التي أطلقتْ مسيرةَ التقدُّم الإنسانيّ.
يتكرَّر موضوع سرقة النار من قوى عليا في الكثير من الثقافات الإنسانيَّة، ففي حكايات شعوب الساحل الشماليّ الغربيّ لأمريكا الشمالية، تتعدَّد الكائنات التي تُسهِمُ في تقديم النار للبشر، كالكلب والذئب، وحتى القندس. أمّا بين أبناء شعب الشيروكي، فتروي الأسطورة أنّ جدَّة العنكبوت تفوَّقتْ في محاولاتها بينما أخفقَ كلٌّ من النسر ونوع من الفئران يُدعى الأبوسوم؛ فقد استطاعتْ بنسجِها خيوطَ شبكةٍ رفيعةٍ التسلُّلَ إلى أرض النور وسرقة النار من الشمس ذاتها، ثم قامتْ بإخفاء النار في إناء فخّاريّ، لتعيدَها للبشر وتمنحهم وسيلةً تهديهم وسط ظلمات العالم.
وفي النصوص الهندوسيَّة، يقدِّم الريج فيدا روايةً عن البطل ماتاريشفان، ويسرد كيفيَّة قيامه بسرقة النار التي كانت مخفيَّةً عن البشر، ويُؤكِّد هذا السردُ على الدور المركزيّ للنار في تصوُّر الإنسان، حيث تُعتبَر هبةً سماويَّةً ذات قيمة عالية، وليستْ مجرَّد عنصر طبيعيّ مألوف.
آلهةُ النار
لم تكن النار مجرَّد ظاهرة طبيعيَّة، بل اكتسبتْ في العديد من الثقافات القديمة مكانةً مقدَّسةً، حيثُ تجسَّدتْ في رموز إلهيَّة تُعبَدُ وتُقدَّم لها الطقوس والشعائر، وانعكسَتْ هذه القداسة على منظومة المعتقدات والرمزيّات التي أحاطتْ بالنار ودورها في الحياة اليوميَّة.
مثَّلت الإلهة هيستيا في الحضارة الإغريقيَّة القديمة رمزًا للموقد وحاميةً للأسرة، في حين اعتُبِر كلُّ موقد، سواء كان خاصًّا داخل المنازل أو عامًّا في الساحات، مقامًا مخصَّصًا لهذه الإلهة، حيث كانت تُقدَّمُ لها القرابين الأولى لإشعال النيران المقدَّسة في جبل الأولمب، وفي المقابل، ارتبطت الإلهةُ فيستا في روما القديمة بمنزلة أرفع، حيثُ جسَّدتْ نارُها المقدَّسة الموجودة في معبدها رمزًا لاستمراريَّة الإمبراطورية الرومانية وقوَّتها. وقد تولَّتْ كاهنات فيستا، اللاتي عُرفنَ بـ الفستالات، مسؤوليَّةَ الحفاظ على هذه النار مشتعلةً بلا انقطاع، إذ كان انطفاؤها يُعَدُّ نذيرَ شؤم وخطيئةً تُلقي بظلالها على المدينة بأكملها. وظلَّت تلك الطقوس تُمارَس رسميًّا حتى عهد الإمبراطور ثيودوسيوس، الذي أمر بوقفها نهائيًّا عام 391 ميلاديًّا.
وفي سياق التراث السلتيّ في أيرلندا واسكتلندا وويلز، تُعتبَر بريجيد شخصيةً محوريَّةً ارتبط اسمُها بالنار والآبار المقدَّسة، وقد استمرَّت الكاهنات عدّة قرون في الحفاظ على شعلة النار متَّقدةً، متحديّاتٍ المساعي لإخمادها حتى أُغلِقت الأديرةُ في القرن السادس عشر، ومع ذلك، أُعيد إحياء النار عام 1993 بجهود الراهبات البريجيديّات، وهي ما تزال مشتعلةً حتى يومنا هذا، ويُحتفى بها سنويًّا خلال مهرجان إمبولك الذي يُمثِّل احتفالًا بعودة الضوء بعد انقضاء فصل الشتاء.
أمّا بيلينوس، وهو إلهٌ سلتيٌّ آخرُ، فيشيرُ اسمُه إلى مفهوم "المشرق"، وكان رمزًا للشمس، ارتبط اسمُه بمهرجان بَلتان الذي يتميَّز بإشعال النيران المقدَّسة فوق قمم التلال مع بداية شهر أيار (مايو)، حيث كان الناس يقودون ماشيتهم بين هذه النيران كطقس يهدف إلى تحقيق الحماية وتعزيز الخصوبة، وكانوا يقفزون فوقها بغرض التطهُّر وطرد الأرواح الشريرة.
النار كقوَّةٍ حامية
في التقاليد الشعبيَّة لمناطق مثل الدول الإسكندنافية وألمانيا وبريطانيا، كانت إضاءة الشموع حول المواليد الجدد ممارسةً شائعةً تستهدف دفع الأرواح الشريرة وحماية الطفل حديث الولادة. وفي شماليِّ القطب حيث يعيش شعب تشوكشي، تمرُّ غزلان الرنّة قرب نار مقدَّسة بغرض التخلُّص من الأرواح المؤذية التي قد تُلاحقُها.
أمّا في التراث البلغاريّ، فتُمثّل النار عنصرًا تطهيريًّا يرافق العديد من الطقوس؛ إذ تُستخدَم جمرةٌ أو لهبُ موقدٍ لتقديس المنازل وتنقية الملابس، فضلًا عن كبح الأمراض وعلاج الحسد. وكان يُنظر إلى إطفاء نار الموقد باعتباره نذيرَ شؤمٍ يُنذر بسوء الطالع الذي قد يُصيب الأسرة القاطنة.
النارُ كأداةٍ للعِرافة
على الجانب الآخر، تُستعمَل النار في العديد من الثقافات كوسيلةٍ للتنبُّؤ بالغيب؛ فعلى سبيل المثال، تَعُدُّ قبيلةُ بانيورو في وسط أفريقيا انطفاءَ النارِ خلال الليل علامةً تُشير إلى احتمال وقوعِ وفاةٍ، وتهجُر الصيدَ كإجراء وقائيّ.
وفي مدينة دورست البريطانية، يُعتبَر اشتعال النار فجأةً دلالة على اقتراب شخص غريب، بينما في شرق أنجليا يبصقُ الناسُ على الجمر لتفسير حالته:
فإنْ تَشَقَّقَ، فهذا يعني أخبارًا سارّةً، وإنْ بقي ساكنًا، فذلك نذيرُ شؤمٍ مُحتملٍ.
وفي اليونان، يُفسَّر صوتُ تَشَقُّق جذوع الخشب عند اشتعالها بأنَّه علامةٌ على قرب زيارة صديق، بينما يُعَدُّ تطايرُ الشرر إشارةً إلى حدوث مشكلة وشيكة. أمّا في مناطق من إنجلترا، فيتمُّ تأويل أشكال الجمر؛ فالشكلُ البيضاويُّ يُشيرُ إلى قدومِ مولودٍ، بينما يرمزُ المستطيلُ إلى خيرٍ ورزقٍ في الطريق. وفي مقاطعة لينكولنشاير، يُعتقَدُ أنّ استمرار اشتعال نار ذاوية يُنذر بوفاة قريبة.
ومن هنا يتجلّى أنَّ النار ـ رغم بساطتها الماديّة ـ تُمثّل عنصرًا غنيًّا بالمعاني داخل الوعي الإنسانيِّ. فهي ليستْ مجرَّدَ لهَبٍ مُشتعِلٍ، بل هي حاضنةٌ للذكريات والأساطير، وهي رفيقٌ قديمٌ للإنسان منذ نشأة الحضارة الأولى. وعندما نجتمع حولَها اليوم، فإننا نُعيد تفعيلَ تجربة إنسانيّة أصيلة، ما تزال شرارتها حاضرةً في القصص والأساطير والمعتقدات التي أوصلتْ رمزيّةَ النار عبر الزمن.
المصدر: موقع (thenestcollective.co.uk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)