المئذنة.. أكثر من مجرد بناء

العمارة الإسلامية

المئذنة.. أكثر من مجرد بناء


18/03/2018

لم يكن بالإمكان إتمام تحويل آيا صوفيا من كنيسة إلى مسجد، دون إضافة المآذن الأربع لها، وخلال الصراع المسلح في كوسوفو كان أول ما تفعله القوات الصربية عند دخولها البلدات الألبانية المسلمة هو وضع المتفجرات في قواعد المآذن ونسفها، وعندما أخذ ظهورها يبرز في سماء عدد من المدن الأوروبية، أُثير جدال وانقسام واسع حول بنائها، ووصل الأمر إلى موافقة الناخبين السويسريين على تشريع قانون خاص بحظر بنائها في عموم البلاد. هكذا هي المئذنة، هي ليست مجرد كتلة بنائية صمّاء، وإنما تعبير عن دلالات ورمزيات.
الوظيفة الأولى
الاسم "المئذنة" يدل على الوظيفة المباشرة والأولى التي وُجدت لأجلها، وهي رفع "الأذان"، والمناداة للصلاة، وكانت المناداة الأولى للأذان في عهد النبوة، قام بها بلال بن أبي رباح، وهو ما استلزمه في حينها الصعود على سطح بيت مجاور، حتى يصل صوته أقصى المدينة، ولكن، ومع بناء الأمصار واتساع المدن، وتزايد البنايات وارتفاعها، بدأ التفكير في بناء كتلة معمارية خاصّة برفع الأذان؛ حيث ترتفع عمّا سواها، فكانت "المِئذنة". وترجع المآذن الأولى إلى بداية العصر الأموي، مع بناء معاوية لـ"مئذنة العروس" في الجامع الأموي بدمشق، وزياد بن أبيه لمئذنة جامع البصرة، وعقبة بن نافع لمئذنة جامع القيروان في أفريقيا (تونس اليوم).

مئذنة العروس في دمشق من أوائل المآذن التي بُنيت في التاريخ الإسلامي

من الاستدلال إلى الإعلام.. وظائف مكتسبة

مع مرور الزمن أخذت المآذن تنفصل عن المسجد وتصبح بناء قائماً بذاته، وأخذت تَكثُر وظائفها ورمزياتها، إضافة إلى تزايد الاهتمام بجمالها، وزخرفتها، والتفنن في تزيينها؛ فكانت المآذن بارتفاعها العالي تدلّ المسافرين القادمين من بعيد على قُرب وصولهم الحاضرة، وفي داخل المدينة، كانت المِئذنة علامة دالّة على مكان العِبادة (المسجد)، ولظهورها وسهولة تمييزها، استخدمت كنقطة مرجعية للاستدلال على دروب المدينة وأحيائها. 
كما ارتبطت المِئذنة بوظائف إعلامية، فكان يُبنى في أعلاها شُرُفات خاصّة، وكانت تستخدم –بالإضافة إلى رفع الأذان– من أجل إذاعة الأخبار وقراءات البيانات الرسمية.

استخدمت المئذنة لإذاعة الأخبار وقراءة البيانات الرسمية

المئذنة مرآة الهوية
مع تكاثر المآذن في مدن المسلمين، أصبحت جزءاً أساسياً من خط السماء (Skyline) للمدينة، لتصبح بذلك مكوناً أساسياً لهويتها وطابعها العام، واشتهرت مدن عديدة بكثرة مآذنها كمدينة القاهرة، التي عُرفت بأنّها "مدينة الألف مئذنة"، ومدينة إسطنبول، التي لا تغيب المآذن المدببة عن رسمة خط السماء فيها.

عُرفت القاهرة بأنّها مدينة الألف مئذنة

المآذن شعاراً لمدينة اسطنبول

ومنذ بداية التاريخ الإسلامي، كان وجود المئذنة دالاً على وصول الإسلام وانتشاره، وقد استخدم العثمانيون المآذن لتأدية هذه الدلالة في المناطق الأوروبية من سلطنتهم. وبسبب ارتباط المآذن بالهوية الإسلامية، أثار انتشارها المُعاصر عبر المدن الأوروبية استياء واحتجاجاً من قبل الحركات اليمينية، وقد عَمَدَ عددٌ من رسامي الكاريكاتور، من الرافضين لتمدد الهوية الإسلامية في أوروبا، إلى استخدام المئذنة في رسوماتهم وإظهارها في صورة "صاروخ"، في محاولة منهم للتخويف من الإسلام وربطه بالعنف والإرهاب.

رسومات تدعو إلى حظر بناء المآذن في أوروبا

معانٍ ودلالات
لا تتوقف ارتباطات المآذن عند أداء الوظائف، وإنما تتعدى ذلك إلى الارتباط بالعديد من المعاني والإشارات الرمزية؛ فبالإضافة إلى أنّ هناك غرضاً وظيفياً للارتفاع والعُلُو، يتعلق بايصال الصوت دون إعاقة أي حاجز، إلا أنه ينطوي أيضاً على تلك المحاولة البشرية القديمة، التي جاء أشهرها قديماً في أسطورة "برج بابل"، من التَوْق للارتقاء والاقتراب من عالم السماء، إضافةً إلى أنّ الارتفاع يقترن بالتعبير عن قداسة البناء الديني وتنزيهه عن كل ما سواه من المحيط والتأكيد على تفوّق أهمية الديني على الدنيوي، وعند النظر إلى المِئذنة وهي ترتفع وحيدة في السماء يتبادر للناظر معنى "التوحيد"، الذي هو أساس الاعتقاد في الإسلام.
وعبر التاريخ الإسلامي ظهرت العديد من المقاربات المعمارية التي رامَت التعبير عن معانٍ ودلالات رمزية، فكان في اعتماد الشكل الأسطواني للمِئذنة في المشرق الإسلامي محاولة لمحاكاة "جذع النخلة" وما يقترن بذلك من استدعاء للصورة المتخيلة عن مدينة الرسول -عليه السلام- والمجتمع الإسلامي الأول، إضافةً إلى الإحالة إلى "اللانهائية" و"الإطلاق"، التي يتضمنها الشكل الدائري؛ حيث لا وجود لحافة أو زاوية تمثل النهاية.
وفي العصر الفاطمي شاع استخدام وبناء الشُرفات في المآذن، واستخدمت هي والشرائط التزيينية لتقطيع المآذن إلى ثلاثة أجزاء؛ حيث تكون محاكاة لفقرات إصبع السبابة، المخصص بالرفع عند النطق بـ "الشهادة"، التي هي أساس الأذان.

استخدام الشرفات لتقطيع المآذن في العمارة الفاطمية محاكاة لإصبع الشهادة

وفي العصر المملوكي ظهرت المآذن المزدوجة، ذات الرؤوس الثنائية والرباعية، والتي مثلت تعبيراً عن التثنية والثنائيات، كثنائية الشهادتين، والتثنية والتكرار في جُمَل الأذان، وأما الرباعية فظهرت في عدد من الجوامع الكبرى، كتعبير عن التبني والاعتراف بالمذاهب الأربعة وتدريسها.

مئذنة مزدوجة الرأس في القاهرة يرجع بناؤها إلى عهد السلطان المملوكي قنصوة الغوري

المآذن المربعة هي الأقدم تاريخياً؛ حيث ظهرت بالشام وانتقلت لاحقاً لشمال إفريقيا والأندلس

المئذنة كغاية جمالية

لم يتوقف التعامل مع المآذن عند حدود الأدوار والوظائف والدلالات؛ بل إنها كثيراً ما عومِلت كغاية بحد ذاتها، وذلك من خلال الاهتمام بها من الناحية الجمالية، في محاولة لإضفاء الهيبة، والروحانية، والقداسة عليها، وقد تعددت الأنماط التزيينية والفنية؛ حيث امتازت العمارة السلجوقية، من أفغانستان إلى الأناضول، باستخدام التزجيج والخزف المُلوّن، مع الكتابة بالخط الكوفي، واستمر حضور التأثيرات السلجوقية في الأنماط المعمارية الخوارزمية والصفوية اللاحقة، كما اشتهرت العمارة الفاطمية والأيوبية ببناء المآذن الضخمة والشاهقة، وباستخدام العناصر التزيينية كالمقرنصات الزخرفية، في حين تميزت عمارة المساجد في الهند بكثافة التفاصيل والزخارف النباتية والهندسية، مع استخدام مميزة من الخطوط.

مئذنة جامع "قطب منار" بالهند، حيث بلغت العمارة الهندية الذروة في استخدام التفاصيل الفنية والزخرفية لتزيين المآذن

من المآذن السلجوقية في إيران: مئذنة ساوه (يمين) ومئذنة الجامع العتيق في قزوين

مئذنة خيوه في أوزباكستان (يمين) يرجع تاريخ بنائها إلى عهد الخانات، ومئذنة جام في أفغانستان من العصر السلجوقي

المِئذنة والمسجد المعاصر
أما في العصر الحديث فقد تأثرت المساجد عموماً بالعمارة الحداثية، وما في ذلك من اتجاه نحو التجريد والتبسيط والابتعاد عن التفاصيل والتخفيف من الزينة. وعلى مستوى المِئذنة: أثر التطوّر التقني، في استبدال المؤذن بالاعتماد على مكبرات الصوت، من خلال الاستغناء عن الشرفات والنوافذ، وظهور المآذن ذات النهايات العُليا الدقيقة، بالإضافة إلى التحولات في مواد البناء المستخدمة، ودخول الإسمنت والمعادن كمكونات للبناء.

مآذان جامع أستانا في كازاكستان.. من الأمثلة على الأشكال الحديثة للمئذنة

وفي الأعوام الأخيرة ظهرت اتجاهات نحو مواكبة ما بعد الحداثة في العمارة، من التفكيك، والإكثار من التلافيف والانحناءات.

مآذن جامع كولونيا المركزي (غرب ألمانيا).. مثال على الأشكال المابعد حداثية للمئذنة

مئذنة جامع رييكا (كرواتيا).. مثال على الأشكال المابعد حداثية للمئذنة

وبالرغم من كل التحولات على مستوى؛ الشكل والمواد والوظيفة والمعنى، بقيت المئذنة ركناً أساسياً من المسجد، لا يمكن تخيله بدونها.

 

الصفحة الرئيسية