
هاني سالم مسهور
لم يكن “تحرير” الفاشر مجرّد محطةٍ عسكرية في حربٍ طاحنة، بل علامة فارقة في التاريخ السوداني الحديث، ومشهداً مكثّفاً لكل ما أخفاه هذا البلد منذ استقلاله عام 1956 من أزماتٍ مؤجلة، وانقساماتٍ بنيوية، وعجزٍ مزمن عن بناء دولةٍ حديثة. فمنذ لحظة الاستقلال، لم يعرف السودان استقراراً سياسياً حقيقياً، بل عاش في دوّامة من الانقلابات والحروب الأهلية التي لم تنقطع يوماً: عبود، النميري، سوار الذهب، البشير، البرهان… دورة متكررة من العسكريين الذين يصعدون على أنقاض الفوضى ليعيدوا إنتاجها، ثم يسقطون على حافة ذات الهاوية. خلال سبعين عاماً، ظلّ هذا البلد أسيراً لمعادلةٍ واحدة لا تتبدّل: دولة تولد ناقصة، وجيش يتضخم خارجها، وهوية تتشظى بين العروبة والأفريقانية، والإسلام والسياسة، والقبيلة والوطن.
لم يكن ما جرى في الفاشر إلا صدى لهذه البنية المختلّة. المدينة التي قاومت حتى الرمق الأخير لم تسقط فقط أمام قوةٍ مسلّحة، بل أمام تاريخٍ كامل من الإنكار الوطني. فالسودان، الذي رفع شعارات الثورة أكثر مما مارسها، لم ينجح يوماً في أن يكون بيتاً للجميع. الدولة التي وُلدت على أنقاض الاستعمار لم تتعلم بناء العقد الاجتماعي، بل استبدلت السيادة بالوصاية، والوحدة بالقهر، والدين بالهوية. وهكذا تحوّل التنوع السوداني من مصدر قوة إلى وقود حربٍ لا تنطفئ، وبدلاً من أن يحتضن المركز الأطراف، صار ينهشها، حتى غدت كل ولايةٍ مشروع تمردٍ محتمل، وكل قبيلةٍ جيشاً مؤجلاً.
ومن رحم هذا الانقسام نشأت الحلقة الأخطر في التاريخ السوداني الحديث: التحالف بين العسكر والإخوان. انقلاب 1989 لم يكن مجرد حدثٍ سياسي، بل لحظة إعادة هندسةٍ للدولة على أسسٍ عقائدية، صاغها حسن الترابي في الخرطوم كما صاغها الخميني في طهران. جرى تحويل الجيش إلى ذراعٍ للحركة الإسلامية، والاقتصاد إلى شبكة تمويلٍ سرّية، والمجتمع إلى معسكر تعبئةٍ دينية. ومنذ تلك اللحظة، صار السودان مختبراً مفتوحاً لمشروع الإسلام السياسي العابر للحدود، تستوطن فيه كل الجماعات التي لفظتها العواصم الأخرى. وعندما سقط نظام البشير في 2019، ظنّ السودانيون أن التاريخ طوى صفحته، لكن البرهان أعاد فتحها بالدم، وأعاد الإخوان إلى قلب الدولة، حتى تحوّل الجيش إلى نسخةٍ محدثة من الحرس الثوري الإيراني، لا يقاتل دفاعاً عن الوطن، بل عن مشروعٍ ميتٍ يرفض أن يُدفن.
بعد عامين من الحرب، تبرز الفاشر كرمزٍ لانكشاف هذا المشروع. الجيش الذي يزعم الدفاع عن السودان هو نفسه الذي سلّح كتائب الإخوان وأعاد إنتاج خطابهم، والميليشيا التي تدّعي الثورة خرجت من رحم النظام ذاته. الحرب ليست بين جنرالين، بل بين جناحين من النظام القديم: بين الدولة المركزية التي لم تبقَ منها سوى الخرائب، وبين المؤسسات الموازية التي أنشأها الإسلاميون لتقويضها. لذلك، فإن بيان الرباعية الدولية لم يكن مجرد نداءٍ لوقف النار، بل إعلاناً عن فشل النموذج الذي عاش عليه السودان منذ سبعين عاماً، وتأكيداً على أن جذور الصراع أعمق من طموحات الجنرالات، وأنها تمتد إلى فكرة الدولة نفسها.
غير أن ما يزيد مأساة السودان تعقيداً هو أن نهجاً إقليمياً ما زال يكرر الأخطاء نفسها، مراهناً على إعادة تدوير جماعة الإخوان المسلمين كأداةٍ للنفوذ السياسي، وكأن شيئاً لم يتغير منذ سبعينيات القرن الماضي. ما زالت بعض العواصم ترى في الإسلام السياسي جسراً للتأثير، وتتعامل مع فروعه كما لو كانت أوراق ضغطٍ يمكن التحكم بها، دون أن تدرك أن هذه الجماعات لا تُستَخدم بل تَستخدم، وأنها لا تؤمن إلا بمنطق التمكين. إنها الرؤية نفسها التي غذّت الحرب الأفغانية في ثمانينات القرن الماضي، حين حُشد “الأفغان العرب” تحت راية الجهاد ضد السوفييت، قبل أن يعودوا ليؤسسوا القاعدة وداعش وسلالات الإرهاب التي أحرقت العالم.
واليوم، تُستعاد اللعبة القديمة بثوبٍ جديد، ويُعاد “شرعنة” جماعات الإسلام السياسي تحت مسمياتٍ مختلفة – الجيش الوطني، الحركات الثورية، القوى الإسلامية المعتدلة – والنتيجة واحدة: دولٌ مدمرة، ومجتمعاتٌ بلا عقد، وملايين النازحين الذين يدفعون ثمن هذه الهندسة الخاطئة.
لقد كان يفترض أن تكون التجربة اليمنية درسًا قاطعًا للعواصم التي تراهن على الإسلاميين. فالإخوان في اليمن، الذين تسلّموا الدولة باسم الشرعية، دمّروها باسم العقيدة، وأعادوا إنتاج مشروعهم الدولي تحت غطاء “الجيش الوطني”، حتى صاروا يملكون أكثر من أربعمئة وخمسين ألف مقاتل خارج سلطة الدولة. لم يتعلم أحد من ذلك الدرس، فها هو السودان اليوم يُدفع بالاتجاه نفسه: إعادة تمكين الحركة الإسلامية داخل الجيش بحجة محاربة الميليشيات، في تكرارٍ كارثي لنهجٍ أثبت فشله في كل مكان.
البرهان نفسه لا يبدو سوى نسخةٍ باهتة من عمر البشير، يرفع الشعارات نفسها ويعيد إنتاج لغة “التمكين” ذاتها. فبعد أن حلّ لجنة إزالة التمكين، فتح أبواب الجيش لعلي كرتي وكتائب البراء، وأعاد رموز النظام إلى مواقعهم، ثم لجأ إلى إيران وتركيا في بحثٍ محموم عن دعمٍ خارجي. وبينما يزعم أنه يقاتل من أجل السيادة، تكشف التقارير الاستخباراتية عن مسيّراتٍ إيرانية تُستخدم في الحرب، وعن عروضٍ لإقامة قاعدةٍ بحرية لطهران على البحر الأحمر. إنها مفارقة مريرة: جيشٌ يتذرّع بحماية الدولة وهو يسلمها لخصومها الإقليميين، ويحوّل السودان إلى ساحة صراعٍ بالوكالة.
وسط هذا الانهيار، بدت الفاشر لحظة الحقيقة. المدينة التي صمدت لأشهرٍ سقطت أخيرًا، ومعها سقط آخر ما تبقى من وهم “الجيش الوطني”. لم يعد العالم يرى في البرهان سوى قائد فصيلٍ أيديولوجي، ولا في السودان سوى دولةٍ منهارة يتقاسمها السلاح والولاءات. بيان الرباعية الذي تبنّته الإمارات والسعودية ومصر والولايات المتحدة جاء ليؤكد أن الحل لا يمكن أن يُبنى على إعادة تدوير النخب العسكرية والدينية، بل على انتقالٍ مدنيٍّ شامل يضع حدًّا لنفوذ الإخوان داخل الجيش والإدارة. هذا الموقف لم يرق للإسلاميين ولا لحلفائهم، فاستعادوا خطاب المؤامرة، واتهموا الإمارات بالتدخل، تمامًا كما فعلوا في اليمن وليبيا ومصر من قبل، حين عجزوا عن مواجهة الحقيقة فلجأوا إلى تلفيقها.
الإمارات، كما في كل مرة، لم ترد بالبيانات بل بالفعل. لم تدخل لعبة المحاور، ولم تبحث عن حصصٍ في الخراب، بل عن استقرارٍ يحمي البحر الأحمر وحياة الناس. أكثر من أربعة مليارات دولار من المساعدات وصلت إلى السودان دون تمييزٍ أو دعاية، بينما كان الآخرون يتاجرون بآلامه. وحين لجأت الخرطوم إلى محكمة العدل الدولية بدعوى كيدية، كان الرد القانوني حاسمًا: لا دليل، لا تواطؤ، لا دعم عسكري. سقطت الدعوى كما سقطت السردية الإخوانية، وبقيت الإمارات في موقعها الطبيعي، شريكًا في السلام لا في الحرب.
الفاشر اليوم ليست مجرد مدينةٍ منكوبة، بل مرآةٌ لبلدٍ لم يعرف السلم منذ سبعين عامًا، ولإقليمٍ ما زال يصرّ على التعامل مع النار بالمحراث نفسه. من لم يتعلم من خطايا أفغانستان واليمن لن يتعلم من مأساة السودان. فالإسلام السياسي لا يبني الدول، بل يلتهمها. وحين تسقط المدن الواحدة تلو الأخرى، لا يعود ممكنًا الاختباء وراء الشعارات.
السودان اليوم أمام لحظة الفصل الأخيرة: إما أن يقطع صلته بعام 1989 نهائيًا، ويعيد تعريف الدولة بوصفها عقدًا مدنيًا لا تنظيمًا عقائديًا، أو أن يواصل الدوران في الدائرة نفسها التي ابتلعته منذ 1956. أما الإمارات، فستبقى على موقفها الثابت، لا لأن السودان يعنيها وحده، بل لأن خلاصه يعني خلاص المنطقة من الوهم القديم: أن جماعة يمكن أن تبني دولة، وأن الأيديولوجيا يمكن أن تُقيم سلامًا. ذلك هو الدرس الذي دفع العرب ثمنه منذ أفغانستان وحتى دارفور، وما زال بعضهم يصرّ على إعادة دفعه… بالدم ذاته.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

