الغزو التركي لليبيا: لماذا لا تتعظ أنقرة من دروس التاريخ؟

تركيا

الغزو التركي لليبيا: لماذا لا تتعظ أنقرة من دروس التاريخ؟

مشاهدة

08/01/2020

للثورات خريفها الذي لا ينتهي، وللحروب والغزوات تاريخها الذي يصعد بالغازي تارةً، ويدفنه في أسفل الأرض تارةً أخرى، وكانت صحراء ليبيا، شهدت عبر التاريخ الحديث العديد من الغزاة، الذين دخلوا إلى أرضها، طامعين متبجحين، وسرعان ما غطتهم رمالها، وذرت رياحها عدوانهم في أرض النخيل والعروبة وعمر المختار.

أهداف العملية التركية ضبابية غايتها السيطرة على مصادر الطاقة حول المتوسط وهو ما سيؤدي إلى تدميرٍ أوسع في ليبيا

واليوم، بعد أن تمزقت أرض ليبيا، بعد 2011، ودخلها الحالمون بخطف خيراتها من كلّ حدبٍ وصوب، تأتي دولة تركيا بقرارٍ سياسيٍ جديد؛ حيث قرّر البرلمان التركي مؤخراً الموافقة على إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، فيما يسمح بإعادة استعمار ليبيا بعد ما يقارب الثلاثة قرون مرت على الاحتلال العثماني لها.
لكن، هل يعدّ القرار التركي في مصلحة ليبيا، في عالمٍ لا وجود فيه للخير في السياسة، بل للمصالح؟ وكيف يمكن فهم هذا الحدث في سياقه التاريخي؟

المختار ودرس من التاريخ
يقال إنّ التاريخ لا يعيد نفسه إلا في المنطقة العربية، كأنّ الزمان يتوقف فيها فقط، فلا غازٍ يتعلم، ولا المتناحرون على خيرات بلادهم يتعلمون، وهذا ما ينطبق على ليبيا اليوم؛ حيث تشتعل الحرب بين حكومة الوفاق الليبية، بقيادة فايز السراج، (مجموعة قوات وميليشيات بغطاء برلماني)، والجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، إضافةً إلى ميليشياتٍ أخرى مسلحة متعددة الولاءات الخارجية، وهي تدخل في خضمّ صراعٍ محليٍ معقد؛ حيث يعلن الجيش الوطني الليبي نيته فرض الاستقرار في ليبيا، بينما تتعدد أهداف حكومة الوفاق، التي يتمّ الحديث عن أنّها تمثل أجنداتٍ خارجية مختلفة.

لا يبدو أنّ تركيا تريد قراءة التاريخ الذي خطّه ليبيون بأنفسهم في صفحاته ضدّ الاستعمار بيد عمر المختار وسواه

وبينما يستمر الصراع بينهما حتى اللحظة، خصوصاً على العاصمة الليبية طرابلس، قررت تركيا إرسال قواتٍ عسكرية تابعةٍ لها إلى ليبيا، وذلك في سياق "اتفاق عسكري وقّعه كل من أردوغان والسراج، في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، يسمح للطرفين بتبادل إرسال عسكريين أو عناصر من الشرطة من أجل مهمّات تدريب وتأهيل، كما وقّع الرجلان اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية"، وفق تقرير نشرته "إندبندنت عربية" في 3 كانون الثاني (يناير) الجاري.
وحظي هذا القرار مباشرةً، بنبذٍ عربي ودولي "حيث عدت جامعة الدول العربية ومصر القرار التركي تهديداً للأمن القومي العربي، وتهديداً لأمن منطقة البحر المتوسط، والأمن القومي المصري كذلك، وذلك وسط أنباء عن وصول عدد كبير من "المرتزقة السوريين" إلى ليبيا عبر رحلات جوية غير مسجلة على متن أربع طائرات حطّت، بين يومَي الجمعة والأحد الماضيين، في مطار معيتيقة" بحسب المصدر ذاته.

الذهاب إلى ليبيا لن يكون نزهةً إلى حديقة من الورود!

ورغم التحذيرات الليبية والعربية والدولية لتركيا من أنّ ما تقوم به لا يعدّ عملاً طبيعياً بين دولتين، في ظلّ الصراع المعقد في ليبيا، ورغم ما تنطوي عليه العملية إن تمّ تنفيذها على أرض الواقع، من تهديدٍ للأمن القومي العربي، عدا كونها خطوةً غير مفهومة الأهداف إلا إذا دخلت في سياق المصالح الاقتصادية التركية فقط، فإنّ تركيا، تبدو حتى اللحظة، أنّها لا تريد قراءة التاريخ الذي خطّ ليبيون بأنفسهم صفحاته، ضدّ الاستعمار، مهما تعدّدت حججه وأساليبه، فليس أبسط من الشيخ عمر المختار، بزيّه البسيط، ووجهه الذي لوحته الشمس، وسلاحه القديم المحمول على كتفه، حين قرر مع ثلةٍ من أهل بلده، أن يقف في وجه آلة الحرب الإيطالية، فأذاقهم الويل في واحة الكفرة، امتداداً إلى طرابلس، وبقي وجهه أبياً في لوحة التاريخ، وحظي الغزاة بالإذلال.

اقرأ أيضاً: وسيلة تركيا الجديدة لنشر أفكار حزب العدالة والتنمية
ولعلّ هذه العودة للتاريخ ليست مبالغة؛ إذ إنّ "الغزو التركي، إن جربته تركيا، لن يكون نزهةً في ليبيا، وإنّ كثيراً من الليبيين على أهبة الاستعداد للدفاع عن كرامة ليبيا، التي تستلهم جهاد الآباء ونضالهم ضدّ المستعمر الإيطالي أو المحتل التركي، والأرض الليبية ستكون نيراناً تحت أقدامهم"، وفق تقارير لموقع "الساعة 24" الليبي، الذي نشر، في الرابع من كانون الثاني (يناير) الجاري، ردود أفعال مختلفة من قبائل ليبية ومواطنين ليبيين، إضافةً إلى مظاهراتٍ شعبية خرجت في مدينة طبرق، منددة بموافقة البرلمان التركي على إرسال قوات إلى ليبيا، في تحذيرٍ على تركيا تتراجع، ولا يضطر التاريخ إلى إعادة نفسه.

الدوافع وحافة الحرب
بالنسبة إلى الإعلام العربي والغربي، رأت صحف ووسائل إعلامٍ مختلفة، أنّ تركيا "تسعى جاهدة للاستفادة "قدر الإمكان" من أجواء الحرب الليبية، للخروج بحزمة مكاسب تمكّنها من رسم خريطة البلد الغني بالنفط، على نحو يخدم مصالحها، وهي إذ تعلل ذلك بحماية إرثها القديم، بينما تتزايد المخاوف من أن تشرع "الانتهازية التركية" الباب أمام حرب إقليمية، ربما تطول، سيكون الخاسر فيها الشعب الليبي بكلّ أطيافه ومناطقه"، بحسب صحيفة "الشرق الأوسط"، الأحد.

الرفض العربي والمصري والتونسي والجزائري ضدّ تركيا صلب ولا يوجد ما تعول عليه أنقرة في دعمها لوجستياً في عمليتها

ورأت الصحيفة في تقريرها؛ أنّ ما يحصل هو "محاولة جديدة من تركيا للتقارب مع حكومة الوفاق، خارقة بذلك اتفاق عدم التدخل الخارجي الذي فرضته الأمم المتحدة، ومحاولة تكرار تجربة مصر بعد 2011، والتي فشلت فيها بالاتحاد مع جماعة الإخوان من أجل مصالحها".
من ناحيةٍ أخرى، وبينما "أعلن قائد الجيش الوطني الليبي، المشير خليفة حفتر، الذي يقود هجوماً عسكرياً للسيطرة على العاصمة طرابلس؛ حيث مقرّ حكومة الوفاق الوطني، في كلمة متلفزة الجمعة الماضية "النفير" و"الجهاد"، لصدّ أيّ تدخّل عسكري تركي في بلاده، قامت كلّ من الجزائر وتونس ومصر، بشجب أيّة محاولة تركية للتدخل أمنياً وسياسياً في أرض ليبيا الشقيقة" وفق ما نقل موقع "أخبار اليوم" المصري، في 4 كانون الثاني (يناير) الجاري.

اقرأ أيضاً: تركيا عاجزة عن التدخّل جواً في ليبيا
وحتى اللحظة، لم تظهر أيّة ردود فعلٍ تركية واضحة، على الرفض الصلب، الذي يمهد لواقعٍ مر قد تواجهه قواتها إن هي دخلت ليبيا، خصوصاً أنّ أهدافها المعلنة ضبابية، وعمليتها محفوفة باللامنطق، وفي هذا السياق، قامت تركيا بعدة عمليات في الأعوام الماضية في دول مجاورة، خصوصاً في سوريا والعراق، بهدف محاربة مقاتلين أكراد وجهاديين كما تقول، لكن في الحالة الليبية؛ فإنّ تركيا لا تتقاسم حدوداً برية مع ليبيا الواقعة على مسافة 1500 كلم، ما يطرح عدة إشكالات لوجستية لبلد قد يعاني من ضعف على مستوى قدراته في توسيع نطاق الأعمال العسكرية.

وسط الرفض العربي والدولي والتبعات.. قرار البرلمان التركي يبدو متهوراً

ويعلّق على هذا الموضوع، المحلل السياسي التركي، ومدير مركز "آدام" للأبحاث في إسطنبول، سنان أولغن، في تصريحٍ نشرته "dw"، الأحد، بقوله: إنّ "التحدي الأول يتمثل في إمداد القوات"، فيما يتمثل الثاني في "تحقيق التفوق الجوي الضروري للتحكم بميادين القتال".
ويضيف التقرير: العمليات التركية المحتملة في ليبيا، ربما تعتمد حتى تنجح، على موقفَي تونس والجزائر منها، وهو ما يبدو عموماً خطوةً متهورة؛ إذ من المستبعد أن يقوم بلدان عربيان مجاوران لليبيا بالتدخل لوجستياً في معارك قد تطيل أمد الحرب وعدم الاستقرار، وربما تؤدي إلى خطرٍ على حدودهما مع ليبيا، وكلّ ذلك من أجل المصالح التركية، ربما يبدو ذلك مستحيلاً.

اقرأ أيضاً: تركيا في عهد أردوغان: من الديمقراطية إلى الحكم المطلق
وتكمن أهداف تركيا في البحث عن مساحاتٍ غنيةٍ بالطاقة في شرق المتوسط وغربه قدر المستطاع، ولا يمكن عدّها امتداداً عربياً أو شرقياً، ما دامت أطماعها لا تختلف عن أطماع غيرها من دولٍ أخرى غربية كما يرى البعض، أما الرسائل التي أرسلها ليبيون وعرب إلى تركيا، فهي تتضمن بوضوح دعوة صريحة أن تترك تركيا مغامراتها التي تتم على حساب غيرها، وإن لم تجد في هذه الرسالة عظة من أصدقائها أو ممن تختلف معهم، فليكن لها عبرة من التاريخ الذي رسمته ليبيا ضدّ الاستعمار لقرون.

الصفحة الرئيسية