الشيشاني ورأس معلم التاريخ المقطوع

الشيشاني ورأس معلم التاريخ المقطوع

مشاهدة

18/10/2020

إذا صحّت الأنباء بأنّ الشيشاني عبدالله أنزوروف، مرتكب جريمة باريس، مساء أول من أمس الجمعة، التي راح ضحيتها أستاذ تاريخ فرنسي، قد نشر تغريدة على حساب جرى إقفاله على موقع "تويتر"، مرفقة بصورة لرأس الضحية وبرسالة تهديد للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فإنّ ذلك يفتح باب الاحتمالات أمام ما قاله صاحب التغريدة بأنه يريد الانتقام، وأنّ الحادث مرتبط بتصريحات ماكرون عن الإسلام، أو أنّ الحادث منعزل عن تصريحات الرئيس الفرنسي، وأنّ ثمة أطرافاً تستثمر ما جرى لإذكاء النار لمعاداة المسلمين بعامة.

اقرأ أيضاً: ماكرون... قيم الجمهورية والجلبة "الإخوانية"

وفي تطور لاحق، أفاد النائب العام الفرنسي المكلّف قضايا الإرهاب، أمس السبت، أنّ أستاذ التاريخ صامويل باتي، وعمره 47 سنة، تلقى تهديدات عبر الإنترنت قبل قتله على خلفية عرضه رسوماً كاريكاتورية للنبي محمد على تلاميذه في الصف.

صامويل باتي

وقال النائب العام جان- فرانسوا ريكار في مؤتمر صحفي متلفز إنّ والد إحدى التلميذات طالب بإقالة المدرّس باتي، وأطلق دعوة عبر الإنترنت "للتحرّك" ضده بعد الحصة الدراسية التي تناولت حرية التعبير.

التحقيقات الأولية تشير إلى أنّ الحادث فردي، وهذا ما يؤكده عدم صدور تصريحات من أية جهة تتبنى الحادث، إلا إذا استفاق "داعش" فجأة، وأراد أن يجّير الحادث الإرهابي لرفع رصيده من "شعبية" آخذة في الذبول والتلاشي.

حادث الشاب الشيشاني الذي قطع رأس أستاذه مدرّس التاريخ، ينطوي على إشارة رمزية بالغة الدلالة، فقطع الرأس هنا بمثابة قطع الرسالة وذبح الأفكار في مهدها

وما يثير الألم أنّ باتي، الذي يعمل معلماً لمادتيْ التاريخ والجغرافيا في إحدى مدارس ضواحي باريس، قد ذهب ضحية ما يمكن تسميته "العنف الديني" أو "العنف باسم الدين"، حيث انقضّ التلميذ على المدرس وذبحه وقطع رأسه، وفق "العربية نت".

وحتى توضع الأمور في نصابها الحقيقي، فأغلب الظن أنّ الحادث ليس معزولاً عن حملة التحريض التي خاضتها دول وتنظيمات وحركات وناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، من أجل شيطنة الرئيس ماكرون وازدراء الديمقراطية الفرنسية، وقد تصدت لهذه "المهمة المقدسة!" تركيا وقطر وإيران وجماعة الإخوان المسلمين بأذرعها الإعلامية؛ حيث بعث نائب المرشد العام للجماعة، إبراهيم منير، رسالة إلى الرئيس الفرنسي، مستنكراً تصريحاته الأخيرة التي قالها حول الدين الإسلامي، وجماعة الإخوان.

ماذا قال نائب المرشد؟

وزعم منير في الرسالة: "نؤكد لكم وللشعب الفرنسي ولكل شعوب الأرض أنّ فكر جماعة الإخوان النابع من دينها الذي يلتزم به أصحابه قد انتصر على تجاوزات بعض الأنظمة التي تتعمد دفعهم إلى التخلي عنه بتجاوزات غير قانونية وغير إنسانية بغية تشويهه والجميع يعلمها ويتابعها".

رد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على تصريح ماكرون جاء غاضباً وشتّاماً كالعادة، حيث قال: "من الوقاحة وقلة الأدب أن يتحدث الرئيس الفرنسي عن إعادة هيكلة الإسلام"، وتابع: "الاعتداء على المسلمين بات أحد أهم الوسائل التي يستخدمها السياسيون الأوروبيون من أجل التغطية على فشلهم".

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون بين العزلة الشعورية وأرض الحياد: قراءة في خطاب ماكرون

وأشار أردوغان إلى أنّ "الذين يتهربون من مواجهة العنصرية وكراهية الإسلام، يرتكبون أكبر إساءة لمجتمعاتهم".

لماذا هاجم الأزهر ماكرون؟

أما أغرب التصريحات على خطاب الرئيس الفرنسي، فجاء من خلال مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، حيث وصف تصريحات ماكرون عن الإسلام بأنها "عنصرية" و"تدعم خطاب الكراهية".

اقرأ أيضاً: قانون ضدّ الانفصالية الإسلامية: المرشد العام للإخوان يتحدّى إيمانويل ماكرون

وقال مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، في بيان نشره في صفحته على "فيسبوك"، إنه "يستنكر التصريحات الأخيرة الصادرة عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي اتهم فيها الإسلام باتهامات باطلة لا علاقة لها بصحيح هذا الدين الذي تدعو شريعته للسماحة والسلام بين جميع البشر حتى من لا يؤمنون به".

وأكد البيان أنّ "مثل هذه التصريحات العنصرية من شأنها أن تؤجج مشاعر ملياري مسلم ممن يتبعون هذا الدين الحنيف".

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

فهل كان الشاب الشيشاني واحداً ممن أججت مشاعره تصريحات الرئيس الفرنسي، كما رغب أردوغان وجماعة الإخوان والإعلام الذي تموله قطر، وكذلك "الأزهر" الذي وصفه كثيرون بأنه يحمل الكثير من المفارقات؛ بالرغم من أنّ مؤسسة الأزهر تقف ضد جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين التي يدعمها النظام التركي، إلا أنّ الطرفين اجتمعا على انتقاد الرئيس الفرنسي، حسبما تقول الكاتبة في موقع "الحرة" نيرفانا محمود التي تتساءل عن هذا التناغم الغريب، فترى أنّ "الخلافات بين الأزهر والعثمانيين الجدد هي خلافات سياسية فقط. أما دينياً فالطرفان ينظران إلى الماضي كحل لمشاكل الحاضر، ويرفضان تجديد التراث وتنقيحه من التفاسير التي تشجع التشدد والتطرف".

الكاتبة نيرفانا محمود: الخلافات بين الأزهر والعثمانيين الجدد هي خلافات سياسية فقط. أما دينياً فالطرفان ينظران إلى الماضي كحل لمشاكل الحاضر، ويرفضان تجديد التراث وتنقيحه

يشار إلى أنّ هذا اعتداء الشاب الشيشاني يأتي بعد ثلاثة أسابيع من هجوم بآلة حادّة نفّذه شاب باكستاني يبلغ 25 عاماً أمام المقر القديم لصحيفة "شارلي إيبدو"، أسفر عن إصابة شخصين بجروح بالغة.

ومنذ موجة الاعتداءات غير المسبوقة التي شهدتها فرنسا عام 2015 وأسفرت عن مقتل 258 شخصاً، سُجّلت اعتداءات عدة بالسلاح الأبيض، خاصّة في مقر شرطة باريس في تشرين الأول (أكتوبر) 2019 وفي رومان- سور-ايزير في نيسان (أبريل).

"التصدي إلى الانعزالية الإسلامية"

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن، في الثاني من الشهر الجاري، أنّ على فرنسا "التصدي إلى الانعزالية الإسلامية" الساعية إلى "إقامة نظام موازٍ" و"إنكار الجمهورية".

وقال ماكرون "ثمة في تلك النزعة الإسلامية الراديكالية (...) عزم معلن على إحلال هيكلية منهجية للالتفاف على قوانين الجمهورية وإقامة نظام موازٍ يقوم على قيم مغايرة، وتطوير تنظيم مختلف للمجتمع" معتبراً أنّ الإسلام "ديانة تعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم".

بيد أنّ ماكرون اعتبر أيضاً أنّ السلطات تتحمل قسماً من المسؤولية في تطوير ظاهرة "تحول الأحياء إلى غيتوهات". وقال "قمنا بتجميع السكان بموجب أصولهم، لم نعمد إلى إحلال ما يكفي من الاختلاط، ولا ما يكفي من تمكينهم من التدرج الاقتصادي والاجتماعي"، مشدداً أنهم (الإسلاميين) "بنوا مشروعهم على تراجعنا وتخاذلنا".

اقرأ أيضاً: بعد خطاب ماكرون...هل هدد القائم بأعمال مرشد الإخوان فرنسا؟

وفي حملة منظمة، تولت الأذرع الإعلامية التابعة لقطر والتي تخدم أجندة "الإخوان" التحريض الممنهج والواسع النطاق ضد الرئيس ماكرون والدولة الفرنسية، فبحسب ما نقلت "بي بي سي"، كتبت صحيفة "القدس العربي" اللندنية في افتتاحيتها: "الخطورة في تصريحات ماكرون ليس في كونها نقداً للدين الإسلامي؛ فالرئيس الفرنسي ليس مفكّراً يطرح أفكاره للنقاش، بل هو المسؤول الأول في بلد يتراوح عدد المسلمين فيه بين خمسة إلى ستة ملايين، وقد جاءت تصريحاته تمهيداً لمشروع قانون ضد ما سمّاه (الانفصال الشعوري) استغرق تحضيره أشهراً ويهدف، حسب واضعيه، إلى (مواجهة التطرف الديني وحماية قِيم الجمهورية الفرنسية) وهو يهدف إلى فرض رقابة أكثر صرامة على الجمعيات الإسلامية والمساجد".

"أزمة الإسلام أم أزمة ماكرون؟"

وتحت عنوان "أزمة الإسلام أم أزمة ماكرون؟"، يقول الكاتب حسن أبو هنية في موقع "عربي 21" اللندني: "لا يكف ماكرون عن تصدير أزمات فرنسا المزمنة وفشل سياساته بتنوير بلاده والعالم، في كل مناسبة أو بدون مناسبة، بأنّ الإسلام مصدر أزمات العالم وسبب مشكلاته".

ويصف الكاتب تصريحات الرئيس الفرنسي بـ"العنصرية الفاضحة"، مؤكداً أنه "كلما اقترب ماكرون من موعد الانتخابات زادت عنصريته للاقتراب من اليمين المتطرف".

اقرأ أيضاً: صحوة الجمهورية.. خطة ماكرون لحصار "إخوان فرنسا" بالقانون

ويضيف الكاتب: "لا جدال في أن فرنسا تعدّ واحدة من أسوأ الدول الغربية في التعامل مع مواطنيها المسلمين، نتيجة تبنّي نموذج متطرف في العلمانية استُخدم كمبرر للتمييز ضد المسلمين، بدعوى الاندماج ومحاربة التطرف".

أما صحيفة "رأي اليوم" التي تتبنى آراء إيران وحزب الله، فقالت إنّ ماكرون "يدّعي أنه يفرّق بين الإسلام المعتدل والإسلام المتطرف، ولكنه في واقع الأمر يعادي الاثنين، ويتبنّى سِياسة 'تصنيع الخوف والاستثمار الانتخابي في الإسلاموفوبيا المنتشرة حالياً في أوروبا والعالم الغربي عموماً، لأسباب انتخابية صِرفة بعد تراجُع أسهُمه مقابل اليمين واليمين المتطرف اللّذين تتصاعد حظوظهما وشعبيّتهما في أوساط الرأي العام الفرنسي هذه الأيّام".

اقرأ أيضاً: هذه خطة ماكرون لمواجهة "الإسلام المتشدد"

وقبل القفز عن النتائج في حادث الشاب الشيشاني الذي قطع رأس أستاذه مدرّس التاريخ، فإنّ ما جرى ينطوي على إشارة رمزية بالغة الدلالة، فقطع الرأس هنا بمثابة قطع الرسالة وذبح الأفكار في مهدها، في تصرف يستدعي زمن الوحشية البائد الذي تستعاد لحظته التاريخية الآن، وقد ظن الكثيرون أنها اندثرت، وهذا ما يمنح تصريحات ماكرون عمقاً أكبر، بخلاف ما يزعمه إعلام الإخوان وقطر وتركيا وإيران الذين لا يريدون لعجلة التاريخ أن تتقدّم للأمام.

الصفحة الرئيسية