الشوقيون: من إمارة الكحك إلى خلافة داعش

مصر

الشوقيون: من إمارة الكحك إلى خلافة داعش

مشاهدة

18/02/2018

"من يأتيني برأس عمر عبد الرّحمن وله الجنّة"؛ عبارة قالها المهندس شوقي الشيخ بين أتباعه، منذ ثلاثين عاماً، امتدّت آثارها إلى اليوم، وإذا تتبّعنا مسارها التاريخي، تتضح لنا حقيقة الصراع القائم بين تنظيمي داعش والقاعدة، حول أحقية أحدهما -دون الآخر- بمسمّى دولة الخلافة.

حركتان جهاديتان بدأ نبتهما داخل قرى مصرية شديدة الفقر، بمحافظة الفيوم جنوب العاصمة المصرية القاهرة، تحديداً قرية كحك، التابعة لمركز يوسف الصّديق، التي شهدت نشأة جماعة الشوقيين، لأميرها المهندس شوقي الشيخ، عضو الجماعة الإسلامية المنشقّ. وقرية "فيديمين" التابعة لمركز "سنورس"، الذي عيّن مفتي جماعة الجهاد، الشيخ عمر عبد الرحمن، إماماً لأحد مساجدها، منتصف الستينيات من القرن الماضي.

أكّدت الجماعة في فتواها أنّ كلّ من يقيم سرادقاً لتلقّي العزاء، ستقوم جماعة الشيخ شوقي بحرقه

ولاية كحك

  احتكّ شوقي الشيخ، قبل دخوله السجن، بجماعات عديدة؛ بداية من جماعة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" التي انضم إليها وهو طالب في كلية الزراعة بجامعة حلوان في السبعينيات، مروراً بجماعة الجهاد، ثم الجماعة الإسلامية، ثم تنظيم الفرقة الناجية لأميرها مجدي الصفتي، وختاماً بجماعة "التوقّف والتبيّن"، المشهورة إعلامياً بجماعة "التكفير والهجرة" لمنظّرها الأول، عبد الفتاح إسماعيل، الذي حُكم عليه بالإعدام مع سيّد قطب ومحمد يوسف هوّاش، في قضية تنظيم 1965، وقد تأثّر شوقي الشيخ، بحسب دراسات منشورة للباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، ماهر فرغلي، بفكر الجماعة عقب لقائه بابن مؤسّسها، نجيب عبد الفتاح إسماعيل في السجن، فقرّر بعد خروجه المزج بين أفكار الجماعات التي احتك بها، فأسّسس جماعة "الشوقيين"، التي انتشرت دعوتها بين أبناء محافظة الفيوم، ثم محافظات مصر المختلفة كالنّار في الهشيم.

وفي بداية سيطرة الشوقيين على قرية كحك، أصدروا عدة فتاوى، منها: أنّه يجب ألّا يقيم الموسرون سرادقات ضخمة، من تلك التي يستغلها أهل الميت لإظهار ثرائهم ونفوذهم، وأكّدت الجماعة في فتواها أنّ كلّ من يقيم سرادقاً لتلقّي العزاء، ستقوم جماعة الشيخ شوقي بحرقه.

أصبح أمير الشوقيين مفتياً لداعش، وله تنسب جميع الفتاوى الوحشية الخاصة بذبح أسرى تنظيم داعش وقتلهم أمام الشاشات

في البدء، لم يصدّق الناس قدرة الشوقيين على فرض أمر واقع، إلى أن تحوّل عزاء أحد أبناء القرية الكبار إلى كتلة من النيران، بعدما تسلّق أعضاء الشوقيين الأسطح، وأضرموا النيران في صيوان العزاء، بينما الناس جلوس داخله، وقد تكرّرت الواقعة مع عائلات أخرى، حتى مع أبناء قبائل بدوية عريقة، لها من السلاح والرجال منعة ضخمة.

ومن تلك الفتاوى الغرائبية؛ كتب أحمد الدّريني في تقرير صحفي نشرته جريدة "المصري اليوم": "حين أفتى الشيخ عمر عبد الرحمن، بمنع "تزغيط الطيور"، باعتبار عملية "التزغيط" تدخّلاً بشرياً في إرادة الله، للطّير أن يأكل قدر حاجته فقط، هنا ثارت ثائرة نساء القرى والنجوع، فالتزغيط وتربية الطيور وبيعها، هو المورد الأساسي لدخلهنّ، فبعد أن أحكمت الجماعات الإسلامية سيطرتها على الشارع، ومنعت النساء من الخروج لكسب العمل في الحقول، لم يكن أمامهنّ إلّا "التزغيط"، لذلك طاردت النسوة قوافل الدعوة التي جابت القرى، لتنبّه على النسوة بعدم التزغيط".

في المقابل؛ وقف شوقي في مسجد الرحمة بأبشواى، وخطب قائلاً: "إنّ من يضيّقون ما وسّع الله من أرزاق على خلقه، هم والحاكم الكافر سواء بسواء، فيا أيّها الناس، من فتنكم في معيشتكم، وضيّق عليكم ما وسعه ربكم، وتنطّع بحقّ الطيور على حقّ بني آدم، فقاتلوه، وطاردوه، واقعدوا له كلّ مرصد"، فتناقل الناس الخطبة، وشعرت الجماعة الإسلامية بالخطر".

وينوّه الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، ماهر فرغلي، في دراساته المنشورة، إلى أنّ الدّفع بجماعة شوقي الشيخ لصدارة المشهد في الفيوم، ربما كان بدعم من الشرطة المصرية في ذلك الوقت، لتحجيم النفوذ الممتدّ للجماعة الإسلامية، ويفسّر كلام فرغلي، لماذا عدّ أبناء قرية كحك محاصرة الشرطة للقرية، وتصفية الشيخ وأتباعه، ما هي إلّا غدر من أعضاء الجماعة الإسلامية، التي سلّمت أميرهم للدولة.

أفتى الشيخ عمر عبد الرحمن، بمنع "تزغيط الطيور"، باعتبار عملية "التزغيط" تدخّلاً بشرياً في إرادة الله

المواجهة

"من والي كحك إلى والي مصر"؛ كلمات من برقية أرسلها شوقي الشيخ، أمير جماعة الشوقيين، إلى الرئيس السابق حسني مبارك، يدعوه فيها إلى الإسلام أو القتال أو الجزية!

برقية شوقي الشيخ إلى الرئيس السابق مبارك، كانت إذناً للحكومة المصرية بالفتك بذلك الخليفة الجديد، وكانت إشارة البدء في نيسان (أبريل) 1990، عندما تحرّك العميد في القوات الخاصة، خيري طلعت، قائد قوات الأمن المركز لشمال الصعيد، ضمن قوّة تكوّنت من 30 مجموعة قتالية لمحاصرة القرية.

يقول خيري طلعت، في تصريحات صحفية: "تحرّكنا إلى كحك، وكان معي 20 إلى 30 مجموعة قتالية، تضمّ كلّ مجموعة 10 أفرادٍ، لكنّ الطّريق إلى كحك لم يكن إلّا من خلال ممرٍّ زراعي وحيد، ومع أوّل ضوء نهار تحركنا للاقتحام، لكن فوجئنا بوابل من الرصاص ينهال علينا من كل جانب".

من والي كحك إلى والي مصر رسالة من أمير الشوقيين، إلى الرئيس مبارك، يدعوه فيها إلى الإسلام أو القتال أو الجزية!

حينها، وبصورة فنية لم يعد ممكناً التقدم إلّا من خلال المدرعات، لكنّ المدرعات لن تسمح لأحد برفع رأسه وتوجيه سلاحه، وإلّا سيتم قنصه، لذلك عند نقطة معينة، قررت ورجالي دخول القرية على أرجلنا، فتحرّكنا وسط الزروع الكثيفة إلى أن بدأ الاشتباك".

يتابع خيري طلعت: "كرجل عسكري أدركت على الفور أنّنا نواجه ميليشيا عسكرية مدرّبة على نحو دقيق، فقد كان التصويب احترافياً وإدارة المعركة من جانبهم تعكس وعياً تكتيكياً بأسس الاشتباك. لقد تمركزوا خلف سواتر، واحتموا بنقاط حصينة، وشيدوا أبراجاً فوق المنازل، واحتلوا نقاط تمركز مرتفعة عن الأرض، وثبّتوا قناصة مهرة، وأمطرونا بقنابل شديدة الانفجار".

ويستكمل العميد خيري طلعت سرده ليوم الحادثة، قائلاً: "أخذنا نتحرّك متراً بمتر، حتى اتّخذنا سواتر من بيوت القرية، ثمّ تمكنّا من اعتلاء أسطح بعض المنازل، وأخذنا نحكم الخناق ونقترب من بيت شوقي، شيئاً فشيئاً، وكان بيت شوقي أحصن نقطةٍ؛ حيث يعتليه فرد برشاش روسي، ملحق به شريط يتّسع لـ200 رصاصة، في حين لم يكن معنا إلّا بنادقنا، أما باقي أسلحتنا فقد تخفّفنا منها في المدرعات التي لم تتمكّن من التقدّم في الأرض الزراعية الطينية اللينة، وتحت وابل الرصاص".

يردف العميل قائلاً: "لم يعد أمامنا سوى أن نواصل باحترافٍ، بالنّظر والإشارة، حتى تمكنّا من اقتحام آخر نقطة حصينة؛ حيث يقف شوقي وسط أتباعه، ومن فوقهم أبراج التمركز، والقناصة، والسلاح الوفير والرصاص السخي.

كان الجو صيفاً ومرهقاً للجميع، ومع غروب الشّمس، سقط شوقي جثة هامدة، ومعه نحو 14 من أتباعه".

مفتي داعش

هرب المئات من أتباع شوقي الشيخ إلى محافظات مصرية مختلفة، وتمركز معظمهم في حي المطرية، في مدينة عين شمس بمحافظة القاهرة، وفي مسجد العزيز بالله بالمطرية، كان ضابط الشرطة المصري حلمي هاشم، المفصول لتطرّفه، يتلقّى العلم على يد شيوخ الدعوة السلفية، متأثراً بفكر شوقي الشيخ، ليصبح الأمير الثاني للجماعة بعد شوقي، ورغم اعتقاله عدة مرات، انتهت آخرها عام 2008، إلّا أنّه عاد للظهور مرة أخرى، في واحدة من قرى محافظة الشرقية، قائداً لإحدى خلايا داعش، ومعاوناً لخليفة آخر في الشام، أبو بكر البغدادي، ليصبح أمير الشوقيين مفتياً لداعش، وله تنسب جميع الفتاوى الوحشية الخاصة بذبح أسرى تنظيم داعش وقتلهم أمام الشاشات.

الصفحة الرئيسية