الرسائل الإيرانية في الصواريخ الحوثية على السعودية

 الرسائل الإيرانية في الصواريخ الحوثية على السعودية
صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
37596
عدد القراءات

2018-03-28

نفذت جماعة أنصار الله الحوثي عملية إطلاق سبعة صواريخ ضدّ أهداف سعودية، لم يكن من بينها أي هدف عسكري، وارتباطاً بسياقات تطورات القضية اليمنية، بما فيها ارتباط المشروع الحوثي بالمشروع الإيراني، وتطورات الحرب على الأرض اليمنية، فإنّ تفكيك المشهد يفضي إلى شكوك عميقة تحيط بهذه العملية، تؤشر إلى أنّها جاءت بخدمة المشروع الإيراني، أكثر من كونها نتيجة لسياقات الحرب في اليمن، وفيما يلي قراءة لهذه العملية:

أولاً: من اللّافت للنظر أنّ العملية جاءت بالتزامن مع ما يتردد حول مفاوضات بين السعودية والحوثيين لوضع حدٍّ للحرب، تبدأ بوقف لإطلاق النار ومفاوضات سياسية بين الفرقاء اليمنيين، وصولاً لتوافقات وحكومة وحدة وطنية تنهي الصراع والانقسام، بما يعني ذلك إنهاء استيلاء الحوثي على السلطة، وانتخابات يمنية بإشراف دولي، في إطار وساطة تقودها سلطنة عمان، هذا إضافة إلى مبادرة إيرانية تم الإعلان عنها بالمضمون نفسه، فهل جاءت صواريخ الحوثي على السعودية بأوامر إيرانية، لإعادة خلط الأوراق من جديد، وإفشال جهود المصالحة، في ظلّ احتمال خروج الحوثيين على التعليمات الإيرانية؟.

هل جاءت صواريخ الحوثي على السعودية بأوامر إيرانية، لإعادة خلط الأوراق من جديد، وإفشال جهود المصالحة؟

ثانياً: توقيت إطلاق الصواريخ الحوثية، يخدم المشروع الإيراني في إرسال رسالة بقدرة إيران على التدخل في المنطقة، خاصة في ظلّ المخاوف الإيرانية العميقة بعد التغييرات في الإدارة الأمريكية، واستكمال الرئيس الأمريكي ترامب إعادة تشكيل فريقه، بضمّ المتشدد "بولتون" على رأس الأمن القومي، والمعروف عنه مواقفه المتشددة ضدّ إيران، وتقديرات خبراء بأنّ عودة طرح استخدام الخيار العسكري من قبل أمريكا، لم يعد مجرد احتمال من بين عدة احتمالات، يتم تداوله في إطار التهديد والاحتواء فقط، وأنّ التأثير والوجود العسكري للحرس الثوري في العراق وسوريا واليمن، والتدخل في لبنان والبحرين وغيرها من الدول، أصبح هدفاً للقيادة الأمريكية، بمستويات أعلى مما كانت عليه سابقاً.

العملية جاءت بالتزامن مع ما يتردد حول مفاوضات بين السعودية والحوثيين لوضع حدٍّ للحرب

ثالثاً: ربما التساؤل الأبرز حول توقيت العملية؛ هو تزامنها مع زيارة ولي العهد السعودي لأمريكا بعد بريطانيا، والشكوك التي طرحتها أوساط بريطانية وأمريكية حول عملية "عاصفة الحزم"، خاصة الآثار المترتبة على المقاطعة في أبعادها الإنسانية، والجدالات حول استيلاء الحوثيين على المساعدات الإنسانية، وربما كانت هناك شكوك دولية في "الإمساك" بإثباتات حول التدخل الإيراني ودعم الحوثيين، إلّا في الجانب المتعلق بالصواريخ؛ حيث إنّ هناك إجماعاً دولياً على أنّ الصواريخ إيرانية الصنع، وتم تهريبها إلى اليمن، فكيف للحوثي أن يقدّم دليلاً على العلاقة مع إيران، في الوقت الذي يدرك فيه حجم ردّ الفعل من قبل قوات التحالف العربي بضربات أوسع ضدهّ في اليمن، يفوق فيها حجم الخسائر تلك الفوائد التي يمكن جنيها من إطلاق الصواريخ الإيرانية على السعودية؟!

توقيت إطلاق الصواريخ الحوثية، يخدم المشروع الإيراني في إرسال رسالة بقدرة إيران على التدخل في المنطقة

ومع ذلك، فإنّ العملية غير بعيدة عن صراعات مراكز القوى داخل القيادة الإيرانية، بين تياري؛ المتشددين والإصلاحيين، خاصة بعد انتفاضة الشعب الإيراني التي انطلقت أواخر العام الماضي؛ إذ إنّ للتيار المتشدد مصلحة في التصعيد، لقطع الطريق على أية نوايا للإصلاحيين، بإمكانية استمرار التعاطي مع الاتفاق النووي، خاصّة في ظلّ تهديدات أمريكية معلنة بإعادة النظر في هذا الاتفاق، وإجراء تعديلات عليه، تسهم في تشديد الخناق على إيران، إلى جانب التوسع في قوائم العقوبات ضدّ أفراد وكيانات إيرانية مرتبطة بالحرس الثوري والتيار المتشدد.

رابعاً: صحيح أنّ هناك أبعاداً داخلية لعملية صواريخ الحوثي على السعودية، مرتبطة بتطورات المعارك على الأرض، وفي مقدمتها الخسائر المتوالية للحوثي وحلفائه في جبهات القتال، وعدم قدرته على تثبيت سلطته حتى في المناطق التي تعدّ معاقله التاريخية في اليمن، خاصة في محافظة صعدة، واستمرار نجاح خطة التحالف باستنزافه، رغم عدم تماسك جبهة خصوم الحوثي في اليمن، لا سيما في عدن ومناطق أخرى، بسبب خلافات عميقة عمرها من عمر الجمهورية اليمنية، وهو ما دفع بالحوثي لإرسال رسالة لمؤيديه باستمرار قدرته على الصمود والردّ من خلال هذه العملية، خاصة أنّها جاءت في إطار التحضير لمسيرات شهدتها صنعاء، في ذكرى دخول الحرب عامها الرابع.

العملية غير بعيدة عن صراعات داخل القيادة الإيرانية بين المتشددين والإصلاحيين خاصة بعد انتفاضة الشعب الإيراني

عملية إطلاق الصواريخ من قبل الحوثي، تذكر بعملية حزب الله اللبناني، حين نفّذ عملية اختطاف جنود إسرائيليين، بحجة مبادلتهم بأسرى لحزب الله في إسرائيل، عام 2006، في حين أنّ الهدف الحقيقي لذلك التصعيد كان خدمة لإيران، في مرحلة اشتداد الضغوط عليها، على خلفية برنامجها النووي، واحتمالات توجيه ضربة عسكرية إليها حينذاك، فشنّت إسرائيل إثر ذلك حرباً شاملة ضدّ لبنان، أقرّ زعيم حزب الله بعدها بأنّه أخطأ التقدير، وأنّه لو كان يعلم بردّ الفعل الإسرائيلي وتدمير لبنان ما أقدم على تلك العملية، التي توصف، حتى اليوم، في أدبيات وإعلام المقاومة بـ "النصر الإلهي".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هكذا تواجه غزة المحاصرة فيروس كورونا

2020-03-30

منذ الإعلان عن أول إصابتين بـفيروس كورونا في قطاع غزة، لشخصَين عائدَين من دولة باكستان، وإعلان حالة الطوارئ في كافة أرجاء القطاع، أبدى المواطن أبو محمد عبد العال قلقه الشديد على ابنه العائد من دولة الجزائر، والذي يخضع للحجر الصحي الإلزامي في مدرسة جنوب قطاع غزة، خوفاً من أن يخالط أحد المصابين بهذا الوباء، وتنتقل له العدوى.

منظمة الصحة العالمية في غزة: الوضع الصحي في القطاع يمكنه التعامل بطريقة جيدة مع أول 100 حالة

وحاول المواطن السبعيني أن يلتقي بابنه في المكان المخصص للحجر الطبي، بعد غياب طال خمسة أعوام، إلا أنّه لم يتمكن من ذلك، خوفاً من أن يكون حاملاً للمرض، وتنتقل العدوى للآخرين؛ حيث إنّه يكتفي بالاطمئنان عليه هاتفياً، إلى حين انتهاء فترة الحجر، والتأكد من أنّه غير مصاب بـفيروس كورونا.
وأعلنت وزارة الصحة التي تديرها حركة (حماس) في غزة، عن تسجيل 9 إصابات بفيروس كورونا المستجد في القطاع.
وكخطوة احترازية للحيلولة دون تفشي المرض، قرر المواطن حمادة النباهين، من سكان مدينة غزة، الالتزام بالحجر المنزلي، وعدم مغادرة المنزل نهائياً، والحرص على استخدام أدوات التعقيم، والقفازات الطبية والكمامات، وعدم السماح لأحد بأن يزوره بالمنزل.
"أبناء البلد" مبادرة شبابية انطلقت الأيام الماضية في قطاع غزة

الحجر المنزلي
ويقول النباهين، في حديثه لـ "حفريات": "هذا الفيروس الذي انتشر كالنار بالهشيم، أصبح وباءً عالمياً، وتطبيقاً لحكمة "درهم وقاية خيرٍ من قطار علاج"، اتّخذت كافة التدابير الوقائية اللازمة، فلم أغادر المنزل نهائياً، لعدم الاحتكاك بالآخرين، خاصة أنّ هذا الفيروس يصيب الإنسان عن طريق العدوى".

اقرأ أيضاً: هل ستقلب البشرية صفحة كورونا نحو مستقبل أفضل؟
ويكمل: "قبل البدء بالحجر المنزلي عملت على تأمين كافة احتياجات البيت لمدة شهر كامل، حتى لا أضطر للذهاب إلى الأسواق للتسوق، ومخالطة الناس؛ حيث إنني اعتذرت من كافة أصدقائي وأقاربي، وأبلغتهم بأنّني لا أستقبل أحداً داخل منزلي هذه الفترة، ومن يريد الاطمئنان علي، أنا وعائلتي، يتصل بي على الهاتف، أو يتواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي".
وبات التعقيم، وارتداء القفازات، والكمامات عادات جديدة أفرزها "فيروس كورونا" في قطاع غزة؛ حيث إنّه لا يخلو مكان في القطاع لا يلتزم بإجراءات الوقاية، خاصة المرافق العامة والوزارات، والبنوك، والمطاعم، والمولات، والمخابز، كإجراءات وقائية لعدم انتشار الوباء بين المواطنين".
 يرتدي كافة العاملين داخل المخبز القفازات والكمامات

عادات جديدة
ويقول باسل، الذي يعمل إدارياً في أحد المخابز وسط مدينة غزة لـ "حفريات": "بعد تسجيل إصابات بـفيروس كورونا، بدأ الخوف ينتشر في قطاع غزة؛ لذلك اتخذنا كافة تدابير السلامة داخل المخبز، نظراً لكثرة زبائنه، لذلك يرتدي كافة العاملين داخل المخبز القفازات والكمامات، ويضعون الأغطية على رؤوسهم، ويتمّ تعقيم كافة مرافق المخبز عدة مرات يومياً بأدوات التعقيم".

اقرأ أيضاً: 10 أغنيات عربية جديدة لمجابهة فيروس كورونا
ويتابع: "ومن باب الحيطة والحذر، تمّ عزل كافة زوايا المخبز بنايلون مقوى، ومنع اقتراب الزبائن من المنتجات، ومن يريد شراء منتج يصله من قِبل العامل المسؤول عن القسم، وذلك لضمان سلامته، وسلامة كافة العاملين داخل المخبز".
وانطلاقاً من المسؤولية الاجتماعية لمواجهة فيروس كورونا المستجد في قطاع غزة، بدأت المبادرات الفردية والجماعية لنشر الوعي بين المواطنين، والتضامن مع الأشخاص المحجورين العائدين في الخارج، والذين يخضعون لحجر صحي لمدة ١٤ يوماً، وتعقيم المساجد، والمرافق العامة ومخيمات اللاجئين والأسواق.
توزيع مستلزمات التعقيم

كورونا يعزز التعاضد الاجتماعي بغزة
"أبناء البلد" مبادرة شبابية انطلقت الأيام الماضية في قطاع غزة لمساندة المواطنين في مواجهة "فيروس كورونا".
ويقول أحد مؤسسي المبادرة، الناشط الشبابي سعيد الطويل، في تصريح لـ "حفريات": "بعد إعلان الحجر الصحي الإلزامي للمسافرين العائدين من الخارج، ووضعهم بالمدارس والمراكز الصحية، أطلقنا تلك الحملة، لجمع التبرعات من أجل تحسين الحياة داخل تلك الأماكن، لتوفير كلّ ما ينقص الأشخاص المحجورين، ووجهنا الدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واستجاب رجال الأعمال، وبعض المؤسسات، وقدموا لنا التبرعات".

اقرأ أيضاً: إيران وكورونا… وسلطة رجل الدين
ويضيف: "الحملة استهدفت ما يقارب ٢٦٠ شخصاً داخل الأماكن المخصصة للحجر؛ حيث قدمنا لهم الأسِرّة والأغطية، وأدوات التعقيم، والطعام المناسب بشكل يومي، وكلّ ما يلزمهم، إضافة إلى توزيع مستلزمات التعقيم على السائقين، والأشخاص غير القادرين على شرائها، والمشاركة في تعقيم المرافق العامة، والأحياء السكنية والمساجد، وهذا يعدّ واجباً إنسانياً ووطنياً ودينياً، لمساندة أبناء شعبنا في ظلّ تلك الأزمة".
ويفيد الطويل بأنّ "المبادرة ستستمر طيلة فترة الطوارئ المعلنة، وتفشي فيروس كورونا في قطاع غزة"، وبأنّ دورهم يبرز في النشر عبر صفحات النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتحفيز الجميع على التعاضد الاجتماعي، والتبرع لمساندة أبناء الشعب الفلسطيني.

اقرأ أيضاً: العراق في معركة كورونا: هل يكون الخلاص على طريقة مقتدى الصدر؟

ومن الإجراءات الرسمية لمساندة المواطنين بعد وصول فيروس كورونا إلى الضفة الغربية وقطاع غزة؛ أعلنت سلطة النقد الفلسطينية (القائمة بأعمال البنك المركزي)، رزمة إجراءات وتسهيلات وحوافز مصرفية، بهدف التخفيف من التبعات الاقتصادية لفيروس كورونا المستجد، وتمّ الإيعاز للبنوك بتأجيل أقساط المقترضين التي تستحق خلال الشهور الأربعة المقبلة، و6 شهور لمنشآت القطاع السياحي والفندقي.
وقد أعلنت الحكومة في قطاع غزة، مساء السبت ٢١ آذار (مارس)، إغلاق كافة صالات الأفراح، وصالات المطاعم والمقاهي، ومنع إقامة الحفلات، وبيوت العزاء وتعطيل صلاة الجمعة في كافة مساجد قطاع غزة، ومنع تواجد المواطنين في المرافق العامة، وإغلاق الأسواق الشعبية، وذلك للحدّ من انتشار الفيروس بين المواطنين.
الحملة استهدفت ما يقارب 260 شخصاً داخل الأماكن المخصصة للحجر

حالة طوارئ
وفي هذا السياق، يقول رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، سلامة معروف، في حديثه لـ "حفريات": "منذ اكتشاف أول إصابتَين بـفيروس كورونا في القطاع تمّ تشكيل لجنة حكومية لاتخاذ إجراءات احترازية استباقية، وإعلان حالة الطوارئ، لضمان عدم تجمّع المواطنين في الأماكن العامة والأفراح والأسواق، والتي تعمل على انتقال العدوى بشكل سريع، لذلك تمّ منعها حتى إشعار آخر، لضمان سلامة سكان القطاع".

اقرأ أيضاً: متى يكون لقاح كورونا جاهزاً؟
ويضيف: "بعد الإعلان عن حالة الطوارئ لمواجهة كورونا، تمّ تشكيل لجنة حكومية لمتابعة ومساندة المواطنين الذين تعطلت أعمالهم بفعل تلك الإجراءات، ومحاسبة التجار المحتكرين للسلع، والذين يرفعون الأسعار لاستغلال الأزمة، وسيتم اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة بحقّهم".
ويبيّن معروف؛ أنّ "من يخالف الإجراءات الحكومية، ولا يلتزم بحالة الطوارئ المعلنة، سيتم توقيفه في مراكز التوقيف، لعرضه على الجهات القانونية المختصة ممثلة بالنيابة العامة، والقضاء الفلسطيني، لاتخاذ المقتضى القانوني بحقّه، بحسب القوانين الفلسطينية المعروفة".

إجراءات وقائية

ومن جهته، يقول مدير دائرة الطب الوقائي في وزارة الصحة بغزة، مجدي ضهير، في حديثه لـ "حفريات": "بعد تفشي فيروس كورونا في العديد من دول العالم قررنا اتخاذ إجراءات وقائية مشددة في غزة؛ حيث إنّه يتم وضع كافة المسافرين العائدين من الخارج، في الحجر الصحي لمدة ١٤ يوماً، للتأكد من أنّهم غير مصابين بهذا المرض؛ حيث إنّه تمّ تخصيص ١٩ مركزاً للحجر موزعة على كافة مناطق القطاع".

بعد إعلان الطوارئ لمواجهة كورونا، تمّ تشكيل لجنة حكومية لمتابعة ومساندة المواطنين الذين تعطلت أعمالهم بفعل تلك الإجراءات

ويضيف: "غزة منطقة فقيرة، وتفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، وذلك بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض منذ عام ٢٠٠٦، والحروب الإسرائيلية المتكررة، فنحن نواجه فيروس كورونا بإمكانيات بسيطة، وفي حال تفشيه بشكل كبير، الأمر سيكون خارج سيطرتنا، وسوف نحتاج إلى تدخل دولي عاجل، لمساعدتنا في احتواء الفيروس".
ويتابع: "الإصابتان التي تمّ تسجيلها الأيام الماضية في القطاع، كانتا لشخصَين عائدَين من دولة باكستان، ولم يدخلا القطاع، وتمّ وضعهما هما وكلّ من اختلط بهما في الحجر الصحي المشدد، ويتلقيان الرعاية الصحية اللازمة، لضمان شفائهما من هذا الفيروس بشكل كامل، وعدم وصوله إلى سكان القطاع".
وبحسب مكتب منظمة الصحة العالمية في غزة؛ فإنّ "الوضع الصحي في القطاع يمكنه التعامل مع أول 100 حالة مصابة بالفيروس بطريقة جيدة، وبعد ذلك يحتاج إلى دعم خارجي".

للمشاركة:

رحيل تيريز هلسة التي أطلقت النار على نتنياهو واختطفت طائرة بلجيكية

2020-03-29

يتدثّر السبعيني عبد القادر المحاميد بأغطية عدة، فيما هومستلقٍ في بيته في جبل الجوفة، في عمّان، ويشير بيديه، اللتين تفترشهما القروح، لصورة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، المعلّقة على الجدار قبالته، ليبدأ حديثاً غير مفهوم الملامح يراوح بين الهمهمات والهتافات. تربّت تيريز هلسة على يديه وتريحهما إلى جانبه، وتلتفت شارحة: "يتحدث عن القِتال في بيروت، كان مقاتلاً في الصفوف الأولى للثورة الفلسطينية".

اقرأ أيضاً: المناضلة جميلة بوحيرد نجمة مهرجان أسوان لسينما المرأة
من جبل الجوفة إلى جبل الحسين، تمضي هلسة لتتفقد إبراهيم سلامة، الذي يرقد على أحد أسرّة مشفى جيش التحرير الفلسطيني، منذ ما يقارب ثلاثة عقود، بعد أن أصيب بالشلل الرباعي جرّاء إطلاق رصاص تعرّض له في لبنان، حين التحق بالثورة فدائياً، مودّعاً عائلته الفلسطينية في الكويت.

رحلت تيريز هلسة أمس السبت في عمّان، 28 آذار (مارس) 2020
رحلَ عبد القادر المحاميد، ورحلَ إبراهيم سلامة، قبل بضعة أعوام، ورحلت تيريز هلسة أمس السبت في عمّان، 28 آذار (مارس) 2020.
لم يكن المحاميد وسلامة الوحيدَين اللذين تتفقدهما هلسة شهرياً، لتأمين احتياجاتهما كمقاتليْن سابقيْن في صفوف الثورة الفلسطينية؛ إذ كانت تشغل منصب رئيسة جرحى فلسطين في الأردن والشتات، تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، التي انتظمت فيها فدائية، عام 1972، حين اختطفت طائرة سابينا البلجيكية، ذات رأس المال الإسرائيلي، برفقة ريما طنوس والشهيدَين؛ علي طه وزكريا الأطرش، ولتلقى حُكمين ونيفاً بالمؤبد في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قضت منها عشرة أعوام تلتها الحرية، خلال صفقة النورس لتبادل الأسرى عام 1983.

كانت طائرة شركة "سابينا" البلجيكية في مطار بروكسل، على متنها 140 إسرائيلياً، وجرى اختطافها للمطالبة بإجراء تبادل لتحرير أسرى

كانت الطائرة التابعة لشركة "سابينا" البلجيكية في مطار بروكسل، على متنها 140 إسرائيلياً، وجرى اختطافها للمطالبة بإجراء تبادل لتحرير أسرى أردنيين وفلسطينيين لدى الاحتلال.
وحين بدا أنّ العملية قد فشلت، كما تذكر تقارير إخبارية، رفضت تيريزا ورفاقها الاستسلام حينما هاجمت الطائرة فرقة خاصة من القوات الإسرائيلية تنكرت بهيئة أفراد من الصليب الأحمر الدولي، وكان بينهم رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو.
وأثناء الاشتباك أطلقت تيريزا النار على نتنياهو فأصابته في كتفه، قبل أن تقع في الأسر عقب إصابتها، وفق مواقع إخبارية ووكالات أنباء.
أثناء الاشتباك أطلقت تيريزا النار على نتنياهو فأصابته في كتفه

في مقرّ منظمة التحرير في جبل الحسين
كانت هلسة، الأم لثلاثة أبناء، تبرع في التحليل النفسي؛ إذ يكفي أن تزورها في مكتبها، الذي يتسع بالكاد لاثنين معاً، في دائرة شؤون الوطن المحتل (منظمة التحرير الفلسطينية في جبل الحسين)، لتشهد تحليلها كلّ كلمة تتناهى لسمعها من الغرفة المجاورة.

محمد يوسف لـ"حفريات": تطوّعت تيريز هلسة لعمل نبيل، وهو تولّي مسؤولة ملف جرحى الثورة الفلسطينية في الأردن

لم تكن تلك الغرفة المجاورة عادية؛ إذ كانت تغصّ، يومياً، بثلّة من الفدائيين القدامى الذين يستحضرون الثورة الفلسطينية وزمن الكفاح المسلح.
كانت تقول إنّهم ما يزالون في حالة إنكار، ولم يهضموا بعد فكرة أنّ سامر الثورة قد انفضّ، وأنّ قعقعة السلاح التي كانوا يغرقون بها ولّت إلى غير رجعة؛ لذا، بقيت هلسة تصرّ، حتى ما قبل رحيلها بعامين تقريباً، على إبقاء هذه الغرفة مشرعة للفدائيين، قائلة: "لا ملاذ لهم ليتحدثوا عن تلك الحقبة إلا في مقر منظمة التحرير الفلسطينية، التي سعت مراراً لإغلاق دائرة شؤون الوطن المحتل في عمّان؛ تقليصاً للنفقات".
يعلّق أمين سر أقاليم فتح في الضفة الغربية، محمد يوسف، على تلك الجزئية، قائلاً: "تطوّعت تيريز هلسة لعمل نبيل، وهو تولّي مسؤولة ملف جرحى الثورة الفلسطينية في الأردن؛ جابت البلاد طولاً وعرضاً لجمع المساعدات وتقديم العون لمن تقطّعت بهم السبل، من قدامى المناضلين والجرحى والأسرى المحرّرين".

اقرأ أيضاً: عائلة فلسطينية تعيش في قفص مستوطنة إسرئيلية بالقدس
يكمل: "كانت تقوم بهذا برفقة زميلها الأسير المحرّر، نسيم عبد الجليل، الذي اشترى السيارة التي تقلّهما من ثمن ذهب والدته، وقبل مدة، وجدت تيريز وزميلها نفسيهما في مأزق حين هُدِمَت بناية دائرة شؤن الوطن المحتل في جبل الحسين"، مردفاً: "كان يمكن أن يصبحا في الشارع، لولا أن تبرّعت لهما إحدى النساء الخيّرات بأجرة عام، فاستأجرا مكاناً جديداً في جبل الحسين".

رائدة طه: "الأم تيريزا"
رائدة طه، ابنة الشهيد علي طه، المشارك الرئيس في عملية اختطاف الطائرة، والذي قضى برصاص الجيش الإسرائيلي المتنكّر بأزياء الصليب الأحمر، بعد أن طلب علي منهم تأمين الركّاب بالطعام، تقول: "كنت في صدد اكتشاف المزيد عن والدي، الذي رحل ولمّا يتجاوز عمري ثمانية أعوام، فقابلت تيريز هلسة، للمرة الأولى، حين كنت في منتصف العشرينيات، انهرت تماماً حين رأيتها".

اقرأ أيضاً: أول محجبة في الكنيست الإسرائيلي لـ "حفريات": أعتز بردائي وهويتي الفلسطينية
تكمل طه؛ بأنها عاجَلَت تيريز هلسة بسؤال: "ليش تركنا؟"، في إشارة لوالدها الذي خلّف وراءه أرملة لم تتجاوز حينها سبعة وعشرين عاماً وأربع بنات، أكبرهن تبلغ ثمانية أعوام وأصغرهن ثمانية أشهر، لتجيبها: "أعرفكن وأعرف قصصكن منه، لم يذهب والدكن ليمُت، بل ذهبَ ليرجع، كان يضحك دائماً حين يتحدث عنكن".
تشعر طه، أمام رحيل تيريز هلسة، بأنّ الخسارة باتت كاملة الآن؛ إذ كانت آخر عضو باقٍ في المجموعة التي قامت بالعملية الفدائية، تقول: "سأبقى أسمّيها، كما سمّيتها منذ عرفتها: الأم تيريزا".
مشهدان لتيريز في ذاكرة عدوان
حالة من الغضب اعترت رامي عدوان، نجل الشهيد كمال عدوان، الذي اغتيل في عملية الفردان، عام 1973؛ حين شهِدَ من يُجادِل في مدى ملاءمة العملية الفدائية، التي قامت بها تيريز هلسة ورفاقها، لمعايير عام 2020.
يقول: "تسمو تيريز هلسة ودلال المغربي وسميحة الخليل وكلّ الفدائيات الفلسطينيات، والفدائيين الفلسطينيين، فوق أي اعتبار، سواء اتفقنا مع التكنيك المتبّع في حينها أم لا؛ فجميع الفدائيات والفدائيين فوق التنظير، وفي مرتبة أسمى من تطارح الآراء حول مدى تساوُق عملياتهم مع معايير الزمن الحالي".

يستذكر عدوان الراحلة، المولودة في عكّا عام 1954، لأب كركيّ وأم من قرية الرامة الفلسطينية، بمشهدين:
يقول: "كنت صغيراً، لا أذكر عمري تحديداً، لكني أذكر جيداً تلك الجرائد التي نحتفظ بها؛ لما فيها من نعي لوالدي ولاحقاً إحياءً لذكراه، أذكر جيداً صورة تيريز في إحداها، ضمن مشهد من المحاكمة، كانت مزيجاً من الغضب والجمال والكبرياء".

اقرأ أيضاً: الفلسطينيون يتحدون تهويد مقدساتهم بـ "الفجر العظيم"
يتحدث عدوان عن لقائه للمرة الأولى بتيريز، قائلاً: "كان في أحد اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني، عام 2001، في عمّان، لم أعرفها في البدء، حين لمحتها إلى جانبي، وحين تحقّقت من هويتها، عادت بي الذاكرة لمشهدها في تلك الجرائد التي لدينا، ولم أعرف وقتذاك كيف بوسعي الاحتفاء بها".
أبو شرار: عملية تغييب جرت للكوادر الفدائية
سماء أبو شرار، ابنة الشهيد ماجد أبو شرار، الذي قضى اغتيالاً في روما، عام 1981، تشعر بالحنق، كذلك، من الجدليات المثارة حول مدى ملاءمة أنماط في العمل الفدائي لمعايير الوقت الحالي، تقول: "مقاومة الاحتلال مشروعة بالوسائل كافة، وهذا عُرف دولي وإنساني وتاريخي لا يمكن لأحد الجدال حوله"، مردفة: "حين تخلّينا عن الكفاح المسلّح وتبرّأنا منه حتى على صعيد القول بدأت هزيمتنا الحقيقية، وباتت فلسطين أبعد من أي وقت مضى".
ترى أبو شرار؛ أنّ "عملية تغييب" قد جرت للكوادر الفدائية والقيادات التي رافقت الثورة الفلسطينية؛ "ذلك أنّ استذكار هذه المرحلة المشرقة في القضية الفلسطينية من شأنه تعرية التيار المقابل، فلسطينياً وعربياً ودولياً، فمجرد الاستذكار يكشف عورات هؤلاء".

للمشاركة:

هل قضى كورونا على ابتزاز أردوغان لأوروبا بورقة اللاجئين؟

صورة حامد فتحي
باحث مصري في حقل الدراسات الإسلامية
2020-03-29

"يجب ألا نسمح أن يتم ابتزازنا من قبل رجل يقول: إذا انتقدتموني أو لم ترسلوا لي الأموال، عندها سأرسل الناس عبر البحر! هذا مثيرٌ للشفقة".."أردوغان يستخدم لاجئي الحرب ويستخدمنا كوديعة سياسية لسياساته المجنونة".

اقرأ أيضاً: فيروس كورونا يُضاعف أزمة اللاجئين في أوروبا..
بهذه النبرة الحادة عبرت نائبة رئيس البرلمان الألماني، كلاوديا روت، في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي لصحيفة "دي فيلت" الألمانية عن نفاد الصبر الأوروبي تجاه ابتزازات الرئيس التركي، بقضية اللاجئين. أردوغان الذي لا يكاد يتعثر اقتصادياً، أو يتلقى صفعات عسكرية في سوريا، أو يرغب بمداعبة أحلام شعبه بسفر بدون تأشيرة إلى أوروبا، إلا ويسارع بالتلويح بورقة اللاجئين في وجه بروكسل، مستغلاً الضعف السياسي لأوروبا، وضعف قوانينها تجاه اللجوء.

صفعة روسية

في 9 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي شنّ أردوغان عملية عسكرية جديدة ضد قوات سوريا الديمقراطية، بهدف خلق منطقة آمنة بين الأكراد والحدود التركية، وعُرفت باسم عملية "نبع السلام". انتهت العملية بتوقيع اتفاق سوتشي، تبع ذلك موجة جديدة من الصدام المسلح بين تركيا والجماعات السورية الموالية لها من جهة، والأسد وحلفائه وروسيا من جهة أخرى للسيطرة على محافظة إدلب، المعقل الرئيسي للمعارضة السورية بمختلف أطيافها، وإحدى مناطق النفوذ التركي.

أدى انشغال الأوروبيين بخطر كورونا إلى تراجع ضغط المنظمات الإنسانية على الحكومات للتدخل لحل أزمة اللاجئين

شهدت معركة إدلب التي بدأت مطلع كانون الأول (ديسمبر) 2019، صدامات مباشرة بين الجيش السوري والقوات التركية، نتج عنها مقتل عشرات الجنود الأتراك، واشتدت المواجهات بين الطرفين، مسببة موجة كبيرة من نزوح السكان نحو تركيا ومناطق سورية أخرى.

وجد أردوغان نفسه وحيداً في مواجهة سوريا وروسيا وحلفائهما، بعد أن تسببت سياسته في معاداة الولايات المتحدة، وشركائه في حلف الناتو، الذين باتوا يشكون في ولاء تركيا للحلف، بعد إبرامه صفقة S400 مع روسيا، رغم اعتراض شركائه في الحلف، مما عرضه لعقوبات أمريكية، طالت التعاون العسكري بين البلدين.
توالت خسائر أردوغان العسكرية في عملية إدلب، في ظل تقدم قوات الجيش السوري على حساب الجماعات الموالية لتركيا، وشهد يوم 28 شباط (فبراير) مقتل 33 جندياً تركياً في غارة جوية للجيش السوري، وتتالت الخسائر، ليهرع على إثرها أردوغان إلى الناتو لينقذه من الورطة التي أوقع نفسه فيها.

اقرأ أيضاً: هل يبقى اللاجئون بيادق في علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي؟‎
لم يجد أردوغان بداً من اللجوء إلى عادته القديمة المتمثلة بالمتاجرة بالمدنيين السوريين، فعاد أردوغان ليبتز الأوروبيين باللاجئين، ناقضاً الاتفاق الذي وقعه الطرفان في التام 2016 بهذا الشأن، ومتجاهلاً خطر كورونا على اللاجئين.

المتاجرة باللاجئين

ترافقت مع عملية "غصن الزيتون" ثم معارك إدلب موجة كبيرة نسبياً من نزوح اللاجئين إلى أوروبا، واشتدت وتيرتها بعد إعلان الرئيس التركي فتح الحدود أمامهم إلى أوروبا بشكل رسمي في نهاية شباط (فبراير)، وسبق ذلك تشجيع الأتراك للاجئين بالتوجه نحو الحدود الأوروبية-التركية مع اليونان وبلغاريا.

لم تكتف تركيا باستغلال اللاجئين للضغط على أوروبا بل وظّفت الأحداث للتخلص منهم

يرى فادي حاكورة، خبير الشؤون التركية في المعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن، أن تركيا "تبتز" أوروبا وتهدف من خلال فتح الحدود إلى "جر أوروبا إلى مستنقع الحرب السورية"، ويضيف في حديث لـDW عربية: "تركيا تريد، من جهة، أن تحصل على تأييد أوروبي لعملياتها العسكرية في شمال سوريا وخصوصاً في إدلب، كما أنها تريد، من جهة أخرى، الحصول على مزيدٍ من الأموال من أوروبا".
علاوة على ذلك يستخدم أردوغان ورقة اللاجئين للضغط على الأوروبيين للتسريع باستئناف المحادثات بشأن حرية التنقل للمواطنين الأتراك إلى أوروبا دون تأشيرة مسبقةٍ، واستئناف مباحثات الوحدة الجمركية مع الاتحاد الأوروبي.
تكشف تصريحات أردوغان بجلاءٍ عن ابتزاز واضح للأوروبيين، ففي تصريح له اتهم "الغرب" بالنفاق فيما يتعلق بأزمة اللاجئين، وقال: "حيث سارع – الغرب - لمد يد العون إلى اليونان، بينما يتجنب تقاسم الأعباء مع تركيا"، مضيفاً: "الغرب مع الأسف منافق جداً، فقد وعدوا اليونان على الفور بتقديم 700 مليون يورو"!

اقرأ أيضاً: هل يجتاح كورونا مخيمات اللاجئين في اليونان؟
بهذا المنطق يتجه أردوغان لتحميل أوروبا تبعات سياسته غير المتزنة في سوريا، والتي كانت سبباً رئيسياً في معاناة الشعب السوري، عبر دعمه للجماعات والفصائل الإرهابية، وتحويل الحراك الثوري السوري إلى فصائل مسلحة تابعة له، لتنفيذ مشروعاته التوسعية في العالم العربي.

تعريض اللاجئين لخطر الإصابة
قامت أنقرة بفتح الحدود مع اليونان، وبدأت في نقل اللاجئين إلى الحدود، عملية النقل لم تكن عفوية كما يدعي أردوغان، بل منظمةٌ من قبل حكومة العدالة والتنمية لابتزاز أوروبا، دون أدنى مراعاة لخطورة التكدس على الحدود على إصابة اللاجئين بفيروس كورونا، أو تعرضهم للإصابات جراء المواجهات مع الشرطة اليونانية.

اقرأ أيضاً: أردوغان المُقامر باللاجئين
فريق مراسلي موقع "مهاجر نيوز" المختص بشؤون اللاجئين، رصد من مناطق الحدود الدور التركي في استغلال اللاجئين، وأجرى أحاديث عديدة معهم، ومن بينهم لاجئة قالت للفريق: "السبت الماضي، رُكِّبنا في باصاتٍ تركيةٍ من أدرنة حتى نهر إيفروس (مريج). قالوا لنا بإمكانكم العبور من هنا إلى الضفة المقابلة".

أثّرت الإجراءات الاحترازية لمواجهة وباء كورونا في أوروبا على وظائف اللاجئين

كان مصير اللاجئة هو التعرض لقنابل الغاز من الشرطة اليونانية، لتعود إلى أراضي تركيا بعد رحلة من المعاناة والإهانة، بسبب تلاعب أردوغان بهم. السلطات التركية حولت محطة وقود قريبة من الحدود إلى مركز تجمع للاجئين المشحونين على باصات أعدتها، استعداداً للدفع بهم إلى الحدود، دون مراعاةٍ لخطورة انتشار فيروس كورونا بينهم.
رصد فريق "مهاجر نيوز" المأساة: في محطة الوقود التي تحولت إلى تجمع للمهاجرين، تصل حافلات بيضاء كبيرة تتسع لحوالي 60 شخصاً، تارةً ينزل منها مهاجرون، وتارةً تأخذ تلك الحافلات المهاجرين باتجاه الحدود اليونانية.
تنظم الجندرمة التركية العملية، عبر تحديد نقاط العبور عبر نهر إيفروس، بتنظيم عمليات ركوب قوارب العبور، وفق شهادة سائق تركي يقوم بنقل المهاجرين الأفغان من مخيم في مدينة أرضوم، لفريق "مهاجر نيوز".
لم تكتف تركيا باستغلال اللاجئين للضغط على أوروبا، بل استغلت الأحداث للتخلص منهم، فوقع اللاجئون بين نارين، وذلك عقب تصريحات وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، خلال زيارة المعبر والتي ذكر فيها أنّ بلاده تعمل على نشر ألف عنصر من شرطة المهام الخاصة على ضفاف النهر، لمنع عودة طالبي اللجوء من قبل الجانب اليوناني.

كورونا يغير المعادلة
تزامنت الأحداث السابقة مع تفشي وباء كورونا في إيطاليا، وتهديده لدول الاتحاد الأوروبي كافةً، مما دفع المسؤولين إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة تتعلق بالسفر والتنقل، خصوصاً عبر الحدود الدولية. أثر ذلك على مسألة اللاجئين على عدة مستويات في أوروبا، يتعلق بعضها بالتغطية الإعلامية، والموقف الشعبي، والموقف الرسمي، وفرص العمل للاجئين.
فمع تزايد تفشي كورونا تراجعت التغطية الأوروبية عن أزمة اللاجئين، لتحل محلها أخبار هذه الجائحة، وتستحوذ على منصاتها الإعلامية، مما أثر سلباً على متاجرة أردوغان بالقضية، فبات وحيداً يكرر حديثه المعهود عن خيانة الأوروبيين لبلاده.

اقرأ أيضاً: هكذا غرّر أردوغان باللاجئين وألقى بهم في وجه أوروبا
على المستوى الشعبي أدى انشغال الأوروبيين بخطر كورونا إلى تراجع دور المنظمات الإنسانية في الضغط على الحكومات للتدخل لحل أزمة اللاجئين، ولم يعد المواطن الأوروبي مستعداً لتبنّي قضايا أخرى غير وباء كورونا، الذي يهدد حياته، مما حرم أردوغان من استغلال هذا الجانب في الضغط على حكومات أوروبا.
رسمياً بدأت الدول الأوروبية في إغلاق حدودها بين بعضها البعض، في محاولةٍ لتقليل انتقال العدوى. أغلقت جمهورية التشيك وقبرص والدنمارك ولاتفيا وبولندا وسلوفاكيا وليتوانيا معابرها الحدودية بشكل كامل للحد من انتشار الفيروس، فيما أغلقت فرنسا والنمسا وهنغاريا وألمانيا وإيطاليا حدودها بشكل جزئي مع تشديد أمني مكثف.
بالإضافة إلى ذلك علقت مفوضية الأمم المتحدة للاجئين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، برامج إعادة توطين اللاجئين خاصة فيما يتعلق بسفر اللاجئين الذين ينتظرون موافقات أو تأشيرات للسفر، وذلك بهدف احتواء انتشار فيروس كورونا.

عقب حصول أردوغان على جزءٍ من مطالبه أعلن إغلاق حدود بلاده مع اليونان وبلغاريا بذريعة مواجهة تفشي الوباء

أثرت الإجراءات الاحترازية لمواجهة وباء كورونا في أوروبا على وظائف اللاجئين الذين يعملون بشكل قانوني أو غير قانوني، وهو ما بات يهدد حياة أغلبهم، ويُضعف عزيمة اللاجئين في تركيا لترك المخيمات والتوجه نحو أوروبا، في ظل انعدام الوظائف، والخطر من الإصابة بالوباء لمن يعيشون داخل مخيمات اللجوء، مما يحطم آمال أردوغان بحشد اللاجئين لابتزاز أوروبا.
شملت الإجراءات الرسمية في أوروبا تعليق استقبال اللاجئين، وتوجيه خطاباتٍ مباشرةٍ إليهم لتحذيرهم من مغبة الانجرار وراء الأوهام التي يروجها أردوغان، ومن ذلك تصريحات وزير الداخلية الألماني هورست زي هوفر، التي جاء فيها: "نحتاج إلى النظام على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، سوف ندعم اليونان بكل ما أوتينا من قوةٍ في هذا الصدد، إنّ حدود أوروبا ليست مفتوحة أمام اللاجئين من تركيا، وينطبق هذا على حدودنا أيضاً".
وكان بيان صادر عن اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي طالب المهاجرين واللاجئين الذين يحاولون مغادرة تركيا باتجاه أوروبا عدم التوجه نحو الحدود مع اليونان، لأنها لن تُفتح.

خسارة أردوغان
في 9 آذار (مارس) الجاري، وصل أردوغان إلى بروكسل لعقد مباحثات مع المسؤولين الأوروبيين حول أزمة اللاجئين على الحدود اليونانية، أو بمعنى صريح الاتفاق على الثمن الذي سيتقاضاه لإغلاق الحدود، والذي تم الاتفاق عليه لاحقاً خلال القمة الرباعية بين زعماء تركيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا عبر تقنية الفيديو كونفرانس.
تمخض عن القمة حصول تركيا على بعض مطالبها، من بينها تعهد أوروبي بتوسيع الاتحاد الجمركي مع تركيا، وتقديم مساعداتٍ ماليةٍ، وتضامن أوروبي مع الدور التركي في سوريا عقب إدانتهم لعمليات النظام السوري ضد إرهابي أردوغان في إدلب.

اقرأ أيضاً: الغازات المسيلة للدموع وسيلة تركيا واليونان في التعامل مع اللاجئين
لم تغب ليبيا عن طاولة الابتزاز التركي، إذ يسعى أردوغان بكل السبل لنيل رضا أوروبا عن تدخله في الأزمة هناك، وكشف عن ذلك مناقشة الأزمة الليبية مع الأوروبيين خلال اجتماعي بروكسل والفيديو كونفرانس.
عقب حصول أردوغان على تعهد بتحقيق جزءٍ من مطالبه أعلن إغلاق حدود بلاده مع اليونان وبلغاريا بذريعة الإجراءات المتخذة لمواجهة تفشي وباء كورونا، وذلك في مقابل تعهداتٍ شفهيةٍ، وهو الأمر الذي لم يكن ليُقدم عليه لولا تغير المعادلة بسبب وباء كورونا. بشكل عام خسر أردوغان هذه المرة، وهو المكسب الذي لن تتنازل عنه أوروبا مستقبلاً في التعامل معه، بعدما أدركت أنّ الحزم هو ما يردع أردوغان.

للمشاركة:



فرار عدد من عناصر داعش من سجن في الحسكة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

أعلن المتحدث الإعلامي باسم قوات سوريا الديمقراطية مصطفى بالي، هروب عدد من السجناء التابعين لتنظيم داعش في الحسكة، اليوم.

وأكد بالي أنّ إرهابيي داعش سيطروا على الطابق الأرضي في سجن الحسكة، وبدأوا في هدم الجدران الداخلية والأبواب، وفرّ عدد عدد منهم، وفق ما أوردت "سي إن إن".

وأوضح المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة من الولايات المتحدة، وتسيطر على مناطق عدة في شمال شرق سوريا، في تغريدة له على تويتر، اليوم؛ أنّ "قوات مكافحة الإرهاب تتعامل مع الوضع لإعادة السيطرة على الطابق الأرضي في السجن و إعادة الهدوء للسجن عموماً".

مصطفى بالي: إرهابيو داعش سيطروا على الطابق الأرضي بالسجن وبدأوا في هدم الجدران الداخلية والأبواب

وقال مأمور سجن غويران في شمال شرق سوريا؛ إنّ بعض سجناء داعش هربوا بـ "اختراق جدار"، مشيراً إلى أنّ "الوضع ما يزال مستمراً".

وأكد مصدر عسكري أمريكي مسؤول، أنّ قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة تعمل على "مراقبة جوية" على المنطقة، التي يتواجد فيها هذا السجن، شمال شرق سوريا.

وشاركت قوات سوريا الديمقراطية الكردية، قسد، المدعومة من الولايات المتحدة، في محاربة تنظيم داعش، والذي كان يسيطر على مناطق واسعة في شمال سوريا والعراق، فيما تشرف قسد على احتجاز عناصر تنظيم داعش في شمال سوريا.

 

للمشاركة:

مرتزقة أردوغان في ليبيا نادمون.. تركيا تخلفت عن وعودها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

قال المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس، إنّ استياءً كبيراً يخيم على أوساط المقاتلين السوريين الذين أرسلهم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى ليبيا، بسبب تخلف تركيا عن الوفاء بوعودها، فيما يعيش المرتزقة حالة مزرية في معسكرات طرابلس.

ونقل المرصد تسجيلاً صوتياً لأحد المقاتلين تحدث فيه عن ندم جميع المقاتلين بشأن القدوم إلى ليبيا، مشيراً إلى تورطهم بذلك، وفق ما ورد عبر موقعه الإلكتروني.

ونقل المقاتل دعوة جميع العناصر السورية المقاتلة في طرابلس للراغبين بالذهاب إلى ليبيا بأن يتراجعوا عن قرارهم، لسوء الوضع، مؤكداً أنّ "الأتراك تخلفوا عن دفع مستحقات المقاتلين البالغة 2000 دولار أمريكي للشهر الواحد".

المرصد السوري: استياء كبير يخيّم على أوساط المرتزقة الذين أرسلهم الرئيس أردوغان إلى ليبيا 

وأضاف المقاتل: "تركيا دفعت راتب شهر واحد فقط، ثم لم تقدم لنا أيّ شيء، نحن نقيم في المنزل وحتى السجائر لا نحصل عليها في غالب الأوقات، ولا نستطيع الخروج من المنزل لأنّ المنطقة ممتئلة بخلايا تابعة لقوات الجيش الوطني".

وتابع: "الجميع يريدون العودة إلى سوريا وهناك دفعات تتحضر للعودة عبر فيلق الشام".

 وكان المرصد قد رصد في الأيام القليلة الماضية مقتل المزيد من مرتزقة أردوغان  الذي أرسلتهم أنقرة للقتال في ّصف الميليشيات الموالية لحكومة الوفاق الليبية، بقيادة فايز السراج.

ووصل قبل نحو عشرة أيام ما لا يقل عن 14 جثة جديدة من مرتزقة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في ليبيا إلى مناطق نفوذ الأتراك في ريف حلب شمال سوريا.

وبلغت حصيلة القتلى في صفوف الفصائل السورية 143 عنصراً تابعين إلى "لواء المعتصم وفرقة السلطان مراد ولواء صقور الشمال والحمزات وسليمان شاه"، وفق المرصد، الذي أكّد أنّ القتلى سقطوا خلال مواجهات دامية على محاور حي صلاح الدين جنوب طرابلس، ومحور الرملة قرب مطار طرابلس، ومحور مشروع الهضبة، وفي معارك مصراتة، ومناطق أخرى في ليبيا.

وينحدر القتلى الجدد، بحسب المرصد،  من مدن تدمر وسلقين والبوكمال والباب السورية، ما يعمق أزمة النظام التركي العالق في تدخله العسكري في الحرب الليبية.

أحد المقاتلين يعبّر عن ندم الجميع ويؤكد أنّ تركيا دفعت راتب شهر واحد فقط ثم لم تقدم لهم شيئاً

وذكر المرصد أنّ تركيا خفضت رواتب المقاتلين السوريين الذين جرى إرسالهم للقتال في ليبيا، مشيراً  إلى أنّ ذلك جرى "بعد أن فاق تعداد المجندين الحدّ الذي وضعته تركيا وهو ستة آلاف مقاتل".

وكشف المرصد مؤخراً؛ ارتفاع عدد الفصائل السورية المسلحة الذين وصلوا إلى العاصمة طرابلس إلى نحو 4750 مقاتلاً، فيما بلغت حصيلة المجندين بمعسكرات التدريب التركية 1900 مجند.

وتعكس هذه المستجدات مدى تورط أنقرة في تدخلها العسكري في ليبيا، لا سيما بعد الخسائر البشرية التي تكبدها الجيش التركي في معركة طرابلس، حيث أعلن الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، مقتل 4 عسكريين أتراك واحتجاز قيادي في الميليشيات السورية المرتزقة، بعد استهداف مدرعة تركية حديثة من طراز "ACV- 15"، ليرتفع عدد القتلى من الجنود الأتراك في ليبيا إلى 16 جندياً.

للمشاركة:

انتحار وزير ألماني.. هل للكورونا علاقة بالحادثة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-29

استيقظت ألمانيا، صباح اليوم، على نبأ وفاة وزير المالية بولاية هيسن، توماس شيفر.

 وأكّد الادعاء العام ورئاسة الشرطة؛ أنّ ملابسات الوفاة تشير إلى انتحار، وفق المحققين، بينما ذكرت وسائل إعلام ألمانية؛ أنّ جثة شيفر (54 عاماً)، وُجدت على سكة قطار سريع بمدينة فيسبادن عاصمة ولاية هيسن في جنوب غرب ألمانيا.

وأثارت الوفاة المفاجئة للوزير شيفر، المنتمي لحزب المستشارة أنجيلا ميركل "المسيحي الديمقراطي"، صدمة في الأوساط السياسية والشعبية بألمانيا، خاصة أنّ البلاد تجتاز أزمة انتشار فيروس كورونا.

ويعدّ شيفر أبرز خليفة لرئيس وزراء الولاية الحالي فولكر بوفييه، الذي قال إنّه كان يعتزم لقاءه ظهر اليوم الأحد لبحث سبل مواجهة أزمة انتشار فيروس كورونا في الولاية، وفق ما نقلت "دويتشه فيله".

 وأعرب بوفييه عن صدمته الشديدة وقال: "نحن جميعاً مصدومون ومن الصعب تصديق أنّ توماس شيفر فجأة وبشكل غير متوقع أخذه الموت"، وتوجه رئيس وزراء الولاية بعبارات المواساة والنعي لأسرة شيفر.

ومن جهتها؛ غرّدت وزيرة الدفاع، ورئيسة الحزب المسيحي الديمقراطي، أنغريت كرامب – كارنباور، على حسابها في تويتر: "لقد صدمنا كلنا في الحزب المسيحي الديمقراطي بخبر الوفاة المفاجئة لتوماس شيفر، يضربنا ويجعلنا حزينين ومذهولين، الآن كلّ أفكارنا وصلواتنا مع عائلته".

وأعرب ممثلون لأحزاب سياسية في ولاية هيسن عن صدمتهم بـ "فاجعة" وفاة وزير مالية الولاية، التي يرجح المحققون أنّها كانت انتحاراً، وسط غموض حول الأسباب.

وزير مالية ولاية هيسني توماس شيفر يقدم على الانتحار وسط غموض حول الأسباب

وبينما التزمت عائلته الصمت، كشفت صحيفة "فراكففورته ألغماينه" أنّه "ترك رسالة وداع لزوجته وابنته وابنه".

توماس شيفر ترك زوجته وطفلين، وأمضى أكثر من عقدين من عمره مساهماً في السياسة العامة لبلاده على المستوى المحلي والوطني، حيث يعدّ واحداً من ذوي الخبرة الكبيرة في الأمور المالية.

وذكرت تقارير محلية أنّ شيفر كان نشيطاً جداً في عمله خلال الفترة الأخيرة في مواجهة أزمة كورونا.

على صعيد آخر؛ أظهرت بيانات لمعهد "روبرت كوخ" للأمراض المعدية، اليوم؛ أنّ عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا في ألمانيا ارتفع إلى 52547، وأنّ 389 شخصاً توفوا جراء الإصابة بالمرض.

وأوضحت البيانات أنّ حالات الإصابة ارتفعت بواقع 3965 حالة، مقارنة باليوم السابق، في حين قفز عدد الوفيات بواقع 64 حالة.

 

 

 

للمشاركة:



القضاء على الميليشيات الإيرانية حاجة عراقية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

ماجد السامرائي

لا يُتَوقع أن يتم القضاء على الميليشيات المسلحة الموالية لإيران في العراق بضربة أو ضربات عسكرية أميركية تجري حولها استعدادات، وفق التقرير الصحافي الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الجمعة، لاستهداف مقراتها وبعض قادتها، رغم أن أغلبها حاليًّا في طهران والبعض الآخر قد انتقل إلى مواضع بديلة.

الصحيفة أنهت التقرير بعبارة ملفتة هي أن “الرئيس لم يقرر خلال اجتماع جرى في البيت الأبيض توجيه ضربة لكنه سمح باستمرار التخطيط”.

ويكشف ذلك حالة الانقسام داخل مؤسسات البنتاغون ووزارة الخارجية والبيت الأبيض بشأن ما تقدمه هذه الضربات من أهداف مثل إزاحة تلك الميليشيات أو انفتاح ظروف عسكرية ضد إيران لا يمكن السيطرة عليها.

لم تعد سرًّا المكانة التي تحتلها الميليشيات المسلحة في العراق لدى نظام خامنئي، باعتبارها النموذج الحيوي الذي لا يمكن تعويضه للمحافظة على نفوذه في العراق والمنطقة، قد يمكن التضحية بسياسيين أصبحوا قادة وزعماء في حكم العراق، وبعضهم سبب وجع رأس للنظام الإيراني بسبب فضائح سرقاتهم، لكن تلك المكانة تبقى مرتبطة بمدى تسهيل مهمتهم لتلك الميليشيات.

ولعل الخلاف على المكلف الحالي لرئاسة الوزارة عدنان الزرفي يقع داخل هذه التقديرات والاعتبارات في دائرة الملف العراقي في طهران التي خلفت مقتل قاسم سليماني.

مثلاً هادي العامري ومقتدى الصدر اللذان يتزعمان أكبر قوتين ميليشياويتين وبرلمانيتين ما زالا يحتلان مكان الصدارة في الرعاية لدى خامنئي لاعتبارات سياسية، رغم مزاحمتهما من قبل جيل جديد كأدوات أكثر حيوية في تنفيذ رغبات الحرس الثوري مثل العصائب وحزب الله والنجباء وأبوالفضل العباس.

مراكز الزعامة الميليشياوية تأثرت بظروف الاحتلال العسكري الأميركي لحد عام 2011 حيث كان مقتدى الصدر يعتبر نفسه رمزا شيعيا وحيدا لمقاومته، في حين انغمرت منظمة بدر وزعماؤها في إغراءات السلطة التي أصبحت زعامات جديدة تتنافس على مغانمها وقد تتقاتل إن لزم الأمر على تلك المغانم بعد انفتاح خزائن العراق وفق معتقد خرافي يقول إن هذه الأموال هي “مغانم شرعية” ومكاسب تنزلت عليهم وحدهم بسبب نضالاتهم ضد نظام صدام، وليست ثروات شعب يستحق الحياة في ظل دولة ونظام جديد، وواقعهم الحقيقي يقول إنهم مجموعة لصوص ذوي مهارات خاصة تابعين لمافيات النهب والفساد في إيران.

ظلت الأحزاب الشيعية واجهات سياسية لتلك الميليشيات المسلحة، تتفاوت درجة الثقة برئيس الوزراء كحاكم أول بمدى قربه وتسهيله لمهمات تلك الميليشيات رغم الفجوة الكبيرة التي أحدثها خلاف رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي مع مقتدى الصدر، حيث حاول إشعار طهران بأن مؤهلاته السياسية تتفوق على رجل دين شاب لا يمتلك، في نظره، سوى تاريخ عائلته في المرجعية الشيعية، وعبّر عن دعمه للميليشيات لدرجة اعتبر نفسه أباها الروحي.

حين حاول رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي وضع مسافة بينه وبين تلك الميليشيات وتقنينها داخل مؤسسة رسمية عام 2016 عجز عن تحقيق مهمة حصر السلاح بيد الدولة بسبب انشغاله بالحرب على داعش، ثم التداخل المدبر الذي مرره قاسم سليماني لتعزيز مكانة تلك الميليشيات في الحكومة والبرلمان. ونزل الغضب الإيراني عليه وتم وصفه بالأميركي رغم أنه ليس كذلك، بل يوصف بأنه من تركيبة فكرية وسياسية شيعية تؤمن بوحدة المصير الشيعي، واحتدم الخلاف بينه وبين أبي مهدي المهندس الذي أصبح قبل مقتله ركنا أساسيا في الشبكة العراقية الواسعة من الميليشيات الإيرانية والجهات الوكيلة لإيران. والذي وضع موته تلك الشبكة في حالة صراع على الزعامة فيما بينها من جهة، وبين الزعامات السياسية القلقة على مصيرها السياسي بعد انتفاضة أكتوبر 2019 من جهة ثانية.

زعامات الميليشيات الموالية لإيران تحاول عبثا في هذه الأيام العصيبة التي تواجهها وتهدد بانهيارها الإيحاء للأوساط السياسية بأنها صمام الأمان لبقاء تلك الأحزاب في السلطة، فتقيم الاستعراضات العسكرية الشكلية في شوارع بغداد للتعبير عن ذلك، وإن عجزت تلك الأحزاب عن منع تمرير عدنان الزرفي فإن تلك الميليشيات ستحضّر لانقلاب سياسي وعسكري في القصر يستبدل رئيس الجمهورية ويزيح رئيس الوزراء. لكن هذه الميليشيات تعلم جيدا أن شباب العراق بانتفاضتهم قد أعلنوا رفض وجودهم والترحيب بأية محاولة لإنهاء هذا الوجود الخطير.

إيران عاجزة في الظروف العصيبة التي تمر بها على تغطية متطلبات شبكة ميليشياتها في العراق ولبنان وسوريا واليمن بعد انهيار نظامها العام بسبب كورونا والعقوبات الأميركية، يرافق ذلك عجز الميزانية العراقية التي سيتعذر عليها تقديم ذلك المستوى من الدعم، رغم أنه لن يوقف النهب بل ستكون أساليبهم في السرقة أكثر مكرا لتغطية متطلباتهم وتقديم العون للنظام الإيراني أيضا، ولا يتوقع لقادة الأحزاب الفاسدة في العراق تقديم جزء مما يمتلكونه من مليارات مسروقة كمعونات مالية لتلك الميليشيات، فلا وجود لمنطق العون في نظام المافيات حين يحاصرها الهلع والخوف على المصير.

الضربات العسكرية الأميركية قد تقوّي الميليشيات الإيرانية إن لم تكن ضمن برنامج متكامل لإخراجها من المعادلة العسكرية، مع أن تلك الضربات ستضع تلك الميليشيات في حالة من الخوف والإرباك، وقد تضطر إلى إخفاء مواقع صواريخها الإيرانية في أماكن أقل خطورة على القواعد العسكرية الأميركية التي تقلصت أخيرا، أو على مقربة من حدود جيران العراق العرب، أو قد يقودها ذلك إلى ردود فعل عسكرية هستيرية ضد الشباب الشيعي المنتفض. مشكلة واشنطن هي عدم قدرتها على نزع النفوذ السياسي للميليشيات بعد أن كرست وضعها في البرلمان في السنوات الأخيرة.

يمكن أن يحدث السيناريو الذي يتحدث عن دعم توجه رئيس الوزراء المنتظر عدنان الزرفي لتغيير جدي في بنية الحكم السياسية عن طريق الانتخابات المبكرة بعد نزع أسلحة الأحزاب وميليشياتها، وهذا هو الميدان الحقيقي لكسب المعركة ضد الميليشيات الإيرانية في العراق.

إيران بارعة في إخفاء سياساتها الماكرة، عبر وكلائها، ضد شعب العراق الذي بحاجة إلى عون أصدقائه وأشقائه لاستعادة استقلاله وسيادته، ولا يهم العراقيين أن تفتح واشنطن حربا مع إيران إن كان ذلك بابا لاستقلال بلدهم إن كانت صادقة في ذلك.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

سليمان القانوني.. قاتل ابنه وألعوبة زوجته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

وليد فكري

يبالغ العثمانيون الجدد وأتباعهم في تعظيم "رموز" التاريخ العثماني إلى حد عصمهم من الخطا وتحصينهم من النقد، ولكأنما يغفل هؤلاء أن الشخص التاريخي ما هو إلا "إنسان" يخطيء ويصيب فله ما له وعليه ما عليه فلا هو بالشيطان المريد ولا هو بالمَلَك المعصوم..

يتجاهلون حقيقة أن لكل شخص تاريخي جوانب عدة، فيقرأون التاريخ بانتقائية بحيث يغفلون ما يدين هذا الشخص ويقتصرون في دعايتهم لتاريخهم على الترويج لما يعظم سلاطينهم ويصورهم كنماذج خارقة للطبيعة أو كأمثلة للكمال البشري.. فيتحول الشخص التاريخي إلى صنم كأصنام الأولين التي كان العابد لها يصفها بأنها "الآلهة الشُم العوالي"

من الشخصيات التاريخية التي أضفى عليها هؤلاء هالات القداسة وأردية الكمال السلطان العثماني سليمان الأول المشهور ب"القانوني"

الصورة النمطية لسليمان القانوني:
الشائع عن السلطان سليمان القانوني أنه من أعظم سلاطين العثمانيين، أمسك بالحكم بقبضة من حديد وكان نشيطًا في الغزو والدبلوماسية والتقنين، غزا المجر والنمسا وأدب المتمردين عليه في كل مكان، وطد حكم العثمانيين في العراق واليمن وردع الصفويين، مُد في عهده النفوذ العثماني إلى الجزائر وتونس، وناطح إمبراطورية الهابسبورج الشامخة سواء في شرق أوروبا أو في البحر المتوسط.. ووُصِفَ بأنه "ظل الله في الأرضين مجدد دين الأمة المحمدية"

من زاوية القراءة العثمانية للتاريخ فهذا الكلام صحيح وإن أضيفت له بعض المبالغات الخبيثة.. فالدور الأكبر في مواجهة الإسبان في غرب المتوسط كان للمتطوعين من الأجناس المتفرقة بين أروام وأتراك ومغاربة بقيادة الأخوان بارباروسا الذان وإن منحهما العثمانيون صفة عثمانية رسمية إلا أن ذلك كان بعد كفاح وجهاد وبلاء كلا منهما في سبيل حماية شماليّ أفريقيا ومناصر مسلمو الأندلس بينما كان التدخُل العثماني رمزي واستمالة الدولة العثمانية لهما مجرد محاولة للاستيلاء على مجدهما والاستفادة منه لتأكيد الدعاية العثمانية بأن السلطان العثماني هو حامي المسلمين

والحرب بين آل عثمان وآل هابسبورج وإن أخذت شكل "الحرب الدينية" في دعاية الطرفين إلا أنها كانت في حقيقة الأمر مجرد حرب مصالح بحكم توسع العثمانيون في شرق أوروبا التي دخلت في حيازة الهابسبورج بسبب سلسلة من زيجات ومصاهرات المصالح مع الأسر الحاكمة الأوروبية.. فكان اصطدام العملاقان العثماني والهابسبورجي حتميًا بغض النظر عن قضية الدين!

وإن كان هذان التحليلان محل نقاش وجدل وأخذ ورد-بطبيعة الحال-إلا أن ثمة واقعتان مثببتان في كتب التاريخ العثماني-من المدافعين عن الدولة العثمانية قبل أن يكون من أعداءها-تقدمان جانبًا سلبيًا من هذا السلطان بلغ من الخطورة أن قال بعض المؤرخون-ومنهم المتعاطف مع العثمانيين-بأنه أسهم في دخول الدولة العثمانية في طور الانحطاط..

روكسلان الخبيثة ومقتلة ولي العهد وأبناءه:
بطلة هذه الواقعة هي إمرأة اسمها "روكسلان".. إمرأة روسية اشتهرت بالجمال وأنها دائمًا تحمل ابتسامة فاتنة، ضمها السلطان سليمان لحريمه وسماها "خوروم" أي "الباسمة" وتعلق بها إلى حد أنه عاملها كأنها زوجته الوحيدة..

كان ولي عهد السلطنة هو شاه زاده مصطفى، ابن سليمان القانوني من زوجته ماه دوران خاصكي، وكانت روكسلان/خوروم تنظر لهذا الأمر بعين السخط طامعةً في أن يكون وريث العرش من أبناء السلطان منها-وقد كانت أمًا لكل أبناءه الذكور عدا مصطفى-ولما كانت إمرأة قاسية متوحشة لا ينم جمال وجهها عن قبح سريرتها فقد راحت تدبر بهدوء وخبث للإطاحة بشاه زاده مصطفى ليخلو وجس وراثة العرش لابنها الأكبر "محمد"
وما زاد من إصرارها على ذلك حقيقة وجود مادة "قتل الإخوة الذكور" في قانون نامه محمد الفاتح سيفًا معلقًا على عنق إخوة ولي العهد إذا ما تربع يومًا على العرش.

تلفتت روكسلان حولها تبحث عن حليف قوي تتخذه أداة لمؤامرتها فوجدت أمامها "رستم باشا".. فسعت لأن يصل إلى أعلى مرتبة تحت السلطان وهي "الصدارة العُظمى"(رئاسة الوزراء)، والتي كان يحتلها الوزير العتيد صعب المراس إبراهيم باشا والذي كان رجلًا قديرًا ذو نفوذ واسع.. فسعت الخبيثة لتدبير وقيعة بينه وبين السلطان أدت في النهاية إلى قيام هذا الأخير بإعدامه.

ثم توالى على المنصب رجال ضعاف لم يسد أحدهم الفراغ التي تركه غياب إبراهيم باشا، حتى وقعت الكرة في حجر رستم باشا صنيعة روكسلان، والذي استطاع أن يكسب ثقة ومحبة السلطان إلى حد أنه قد صاهره، فتزوج رستم من "مهرماه سلطان" ابنة سليمان المفضلة، وتولى منصب "الصدر الأعظم"..
خلال هذا التدبير كانت روكسلان قد فقدت ابنها محمد بوفاته أثناء توليه ولاية صاروخان، فلم يثنها هذا عن خطتها، ووضعت أملها في ابنها سليم,

كانت الضربة القاضية لتلك المرأة وحليفها رستم باشا هي الوقيعة بين السلطان وولي عهده.. كان شاه زاده مصطفى في سن الثامنة والثلاثين، وقد نُصِب وليًا للعهد منذ كان في السادسة من العمر، وكان عاقلًا منضبطًا مثقفًا ومحبوبًا من العامة والجيش بشكل يبشر بأنه سيكون يومًا ما سلطانًا عظيمًا.

استغل رستم تحرُك السلطان مع ولي العهد على رأس الجيش العثماني لمحاربة الشاه الصفوي "طهمسب"، وأبلغ مولاه أن ابنه مصطفى يراسل قادة الإنكشارية ويحرضهم على الانقلاب على والده، وقدم-رستم-أوراقًا مزورة رتبها مسبقًا مع روكسلان تفيد بوجود مراسلات بين شاه زاده مصطفى والشاه الصفوي، يعد فيها مصطفى الشاه بالمصاهرة والتحالف لو ساعده على التخلص من أبيه السلطان سليمان!

ولما كانت الحليفان روكسلان ورستم قد تمكنا من ثقة وعقل سليمان القانوني، فقد صدق الادعاء بسرعة ويسر، ودون تدبُر سارع باستدعاء ابنه وولي عهده إلى خيمته.. وفي الخيمة تم إعدام الابن خنقًا أمام أبيه ثم نُقِلَت جثته لتُدفَن في مدينة بورصه.. وإمعانًا في التنكيل بضحيتها، سارعت روكسلان بإرسال من يخنق الطفل الرضيع لولي العهد المقتول!

لم يمر مقتل مصطفى مر الكِرام، فقد ثار غضب الجند لما جرى له، فحاول السلطان تهدئتهم بعزل رستم باشا وتعيين أحمد باشا للصدارة العُظمى، فسعت المرأة الدموية للوقيعة بينه وبين السلطان الذي عزله وأعدمه واعاد رستم باشا لمنصبه، ثم فقد السلطان وركسلان ابنًا آخر هو الأصغر "جهانكير" الذي كان شديد التعلق بأخيه الأكبر فمات كمدًا.

فصار الآن للعرش وريثان هما على التوالي سليم وبايزيد.. وأخيرًا توفيت روكسلان/خوروم قبل أن تشهد حسم ذلك الصراع العائلي الدامي

مزيدًا من قتل الأبناء بموافقة السلطان:
لم ينقطع خيط الدم في بيت سليمان القانوني بموت زوجته الأثيرة المتوحشة.. فقد وقعت الوحشة بين ابنيها سليم وبايزيد.. وكان هذا الأخير أميرًا قديرًا مشهورًا بالفضائل والثقافة فضلًا عن خبرته العسكرية من خلال مشاركته في حملات أبيه، وطوافه بولايات السلطنة سواء في بلاد العرب أو غيرها.

ومال السلطان لابنه سليم على حساب بايزيد الذي حاول أن يحارب أخيه لكنه هُزِمَ في المعركة، فهرب بايزيد إلى بلاط الشاه الفارسي لاجئًا إليه..

فأرسل السلطان سفارة للشاه الفارسي-وكانت بينهما معاهدة سلام-يرشوه بمبلغ كبير من المال مقابل أن يتخلص من ابنه بايزيد.

وبالفعل قام الشاه الصفوي بالغدر بضيفه، وقُتِلَ بايزيد وأبناءه الأربعة وبُعِثَت جثامينهم إلى سليمان القانوني الذي بعث إلى مدينة بورصه من يقتل الابن الخامس لبايزيد! وهكذا استقرت ولاية العهد لسليم الثاني..

وأما الوزير الداهية رستم فكان قد وافاه أجله بعد حياة حافلة بالمؤامرات، وقد اشتهر بالارتشاء وبيع المناصب وجمع الثروة من مصادر غير شرعية إلى حد أن المؤرخ العثماني بجوي إبراهيم أفندي يعدد في تركته نحو 100 حِمل من النقود والسبائك الفضية و1000 مزرعة في الأناضول وولايات الرومللي و170 مملوكًا و2900 فرسًا و1160 جملًا و600 سرج فضي و500 سرج مرصع بالذهب و1100 عمامة موشاة بالذهب و860 سيفًا مرصعًا و1500 خوذة فضية، هذا بخلاف المجوهرات والأواني والتحف وما إلى ذلك!
وكل ذلك تحت أنف "ظل الله في الأرضين مجدد الملة المحمدية" السلطان سليمان القانوني!

بمقتل كلا من مصطفى ثم بايزيد خلا العرش لسليم الثاني الذي يذكر المؤرخون أنه كان بداية دخول الدولة العثمانية في مرحلة "الاضمحلال".. حيث لم يكن بكفاءة أخويه القتيلين بل كان خاليًا من مؤهلات الحكم والقيادة
أي أن سليمان القانوني كان قد قضى عمره يوطد أركان إمبراطورية واسعة قوية، ثم أنهى مسيرته بأن أسلم نفسه لألاعيب إمرأة دموية، وتدابير وزير فاسد مرتشي، وتهافت ولي عهد غير كفء.. وقضى بنفسه على من كان كلًا منهما أهلًا لخلافته، ولوث عهده بدماء ابنيه وأحفاده..

ورغم ذلك يجد من يحصنه من كل نقد ويقذف ناقده بالاتهامات في خلقه ودينه، ومن يرفعونه لمصاف العظماء من القادة والملوك والسلاطين المسلمين إلى حد وصفه بأنه "مجدد الأمة المحمدية"!
لا أنكر أن لفترة حكمه جوانب أخرى قد يكون بعضها إيجابيًا (من الزاوية العثمانية بالطبع لأنه من الزاوية العربية مجرد محتل) وبطبيعة الحال فإن من الإساءة للموضوعية التاريخية تناول جانب واحد من شخصية تاريخية..
ولكني أقدمه نموذجًا للتناول أحادث الجانب للتاريخ من قِبَل هؤلاء العثمانيون الجدد الذين ينتقون من سير "رموزهم" فقط ما يخدم دعايتهم للدولة العثمانية وللدعاوى المتهافتة لإحيائها.

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:

الإمارات تكافح فيروس كورونا في سوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

بسام بلان

كصحفي مقيم في دولة الإمارات منذ سنين طويلة، ومواكب لتوجهاتها كافة، لم أتفاجأ أبداً بمبادرة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بالاتصال بالرئيس السوري بشار الأسد وإعلان تضامنه مع سوريا المصابة، ككل دول العالم على اختلاف تصنيفاتها، بوباء فيروس كورونا وإبداء سموه كامل الاستعداد لتقديم الدعم والمساندة لإيقاف انتشار هذا الفيروس القاتل ومنع تفشيه بين السوريين، بعدما عجزت معظم الدول الموبوءة به عن احتوائه والقضاء عليه حتى الآن.

وأزيد على ذلك بالقول: كنت على ثقة تامة بأنني سأسمع مثل هذا الخبر وسأرى بأم العين قوافل المساعدات الطبية والإنسانية الإماراتية تحط رحالها في سوريا وهي محملة بكل ما من شأنه مؤازرة الشعب السوري، الذي دمرت الحرب المتواصلة عليه منذ أكثر من تسع سنوات معظم البنى التحتية لنظامه الصحي والاقتصادي، وبات في مهب رياح لعبة أمم قذرة تتقاذفه بحسب المصالح والأهواء والطموحات الشخصية.

فالإمارات التي غلّبت، على الدوام منذ نشأتها، الجانب الأخلاقي والإنساني على أي حسابات سياسية، لم تتأخر أبداً عن إرسال المساعدات الطبية والغذائية للشعب الإيراني لمواجهة محنة كورونا الصعبة رغم خلافها العميق والجوهري في أكثر من ملف مع النظام الإيراني، فكيف ستتأخر إذًا عن إغاثة سوريا الشقيقة في مثل هذه الظروف؟.

ومن هنا كان رهاني، ومثل كل مرة جعلتني دولة الإمارات وقيادتها الرشيدة أكسب الرهان.

أنا متيقن من أن هناك أصواتا ناشزة كثيرة ستخرج للتشويش والتشكيك ومحاولة تسييس هذه الخطوة المحض إنسانية، ولكن دولة الإمارات وقادتها لم يكترثوا يوماً لمثل هذه الأصوات، وبوصلتهم على الدوام تعميق وتجذير إرث الوالد المؤسس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، الذي لم يتأخر يوما عن إغاثة ملهوف أو محتاج في طول كوكب الأرض وعرضه، وهو صاحب الكلمة الفصل المضيئة في وجدان كل عربي عندما قال يوما: "البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي".

وها هو الشيخ محمد بن زايد يؤكد بمبادرته تجاه سوريا أن الشقيق سند الشقيق مهما حصل بينهما من تباعد، وأن السياسة عمل يومي يحتمل الخلاف والاختلاف والمخاصمة، فيما مبدأ الأخوة لا يخضع لمعطيات أو تقلبات العمل السياسي، لأنه من الأصول الثابتة للشعوب الحيّة التي تبني عليها وتورثها لأجيالها.

وليس بخافٍ على أحد أن دولة الإمارات حافظت خلال العام 2018، وللعام الخامس على التوالي على مكانتها ضمن أكبر المانحين الدوليين في مجال المساعدات التنموية الرسمية قياسا لدخلها القومي بنسبة 1.31%، وبما يقرب من ضعف النسبة التي حددتها الأمم المتحدة مقياسا عالميا لقياس جهود الدول المانحة والبالغ 0.7 في المئة.

كما احتلت دولة الإمارات المركز الأول عالميا بوصفها أكبر جهة مانحة للمساعدات الخارجية في العالم عام 2017، وفقا للبيانات التي أعلنتها لجنة المساعدات الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وقد حددت قيادة الإمارات الرشيدة نهجا واضحا يقوم على قطع أي صلة بين المساعدات الإنسانية التي تقدمها وبين التوجهات السياسية للدول المستفيدة منها، وإنما تراعي في المقام الأول الجانب الإنساني الذي يتمثل في احتياجات الشعوب، ما جعلها تحظى باحترام وتقدير بالغيْن في كل المحافل الدولية. والمتابع لهذه الجهود العملاقة يتأكد له بالدليل القاطع أن الذراع الإنسانية لدولة الإمارات يقف خلفها جيش من الكفاءات البشرية المدربة على العمل والبناء وتنفيذ المشاريع وإغاثة الفئات الاجتماعية الأكثر ضعفا على اختلافها، دون تمييز بين دين أو مذهب أو قومية أو عرق.

كما يقف خلفها أيضا قناعة راسخة بأن الإمارات، بجوهرها، أكبر من دولة.. فهي رسالة إنسانية قبل كل شيء؛ مفرداتها العطاء والتسامح والتسامي فوق أي خلافات أو اختلافات أو مصالح ما دامت هذه المساعدات ستصل إلى مستحقيها.. قناعة قامت على فلسفة مستوحاة من فطرة إنسانية خالصة عبر عنها المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيّب الله ثراه بقوله: "الأرض أرض الله والخير خير الله"، وفي ذلك تلخيص مُحكم لجوهر كل ما قيل وكُتب في هذا الشأن، فضلاً عن كونها تختصر بحكمة بالغة وصايا الرسل والأنبياء.

لا أجد أي موجب للقول إن دولة الإمارات وقيادتها لم تكن يوما ولن تكون بحاجة لمن يتحدث عنها، وهي التي أفعالها تسبق على الدوام أقوالها، ولكن الواجب الأخلاقي أيضا يملي علينا الإضاءة على كل فعل أو مبادرة أو خطوة هدفها إنقاذ حياة ولو إنسان واحد أينما كان على سطح هذه المعمورة، أو ستسهم في تغيير حياة إنسان واحد نحو الأفضل. ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.

أنا على ثقة تامة بأن الشعب السوري بكل فئاته وعلى اختلافه وتنوعه، لن ينسى لدولة الإمارات ورجالاتها الأوفياء لعهود الأخوة والإنسانية هذا الموقف الأخلاقي المؤثر، وسيتوارثه السوريون بكل حب وامتنان من جيل إلى جيل، لأن العطاء في وقته ومكانه لا يوازيه عطاء مهما كان حجمه ومهما جزلت الأيادي فيه.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية