يا علمانيي وليبراليي العرب اتحدوا

صورة موسى برهومة
كاتب وأكاديمي أردني
2637
عدد القراءات

2017-11-12

لفرط ما أساء الليبراليون والعلمانيون العربُ إلى هذين المشروعين الفكريين التحرّريين، صار الواحدُ  يتعوّذ من الشيطان الرجيم كلما سمع هاتين المفردتين، لأنّ أثقالاً من الشكوك والعيوب رافقت المفهومين، ووسمت من يؤمن بهما ويدعو إليهما بالخروج من الدائرة الإيمانية والأخلاقية على السواء.

وقد قدّم غلاة الليبراليين والعلمانيين العربُ خدمة جليلة لأنصار معسكر الإسلام السياسي والحركات الدينية المتطرفة وقوى الظلام والتزمّت، ومنحوهم أسباباً إضافية لتشويه الليبرالية والعلمانية، وتقديمهما باعتبارهما مذهبين لنشر الكفر، وإشاعة الفوضى الاجتماعية والانحلال الأخلاقي. وقد ذهب كثير من الدعاة والناشطين، المدجّجين بترسانة الأيديولوجيا الدينية، إلى المزاودة على أنصار هذين المذهبين ووصفهم بأنهم إقصائيون، وضد الدين، ولا يُجيدون قواعد الحوار، ويصدرون عن أفكار وتصورات استئصالية تروم إلقاء مخالفيهم في البحر.
أساء هؤلاء الغلاة كثيراً عندما تجاهلوا، بنزق وخيلاء، الحساسيات الدينية، وعندما مضوا يتباهون في الإعلان عن تصوّراتهم الدينية المضادة لفكرة الدين، والمتباهية بإعلان الإفطار في رمضان، والمتغزّلة بالخمر، والمؤيدة للسلطات السياسية الغاشمة وهي تنكّل بخصومهم.. وهذه، من حيث لم يحتسب هؤلاء الغلاة، كسّرت مجاديف التيار التنويري الراشد داخل الحركتين الليبرالية والعلمانية، وحرفت بوصلة "الصراع" واختزلتها في استفزازات مجانية لحساسيات التديّن الشعبي، فخسر الليبراليون والعلمانيون، جُلّهم، الجولة، وانكفأت أحلامهم، كيلا أقول ذهبت ريحهم!

الناس بطبيعتهم متديّنون وغير مؤدلجين، واستمالتهم سهلة، إذا رأوا نماذج تنويرية تدافع عن حقوقهم وتقرّب إليهم الأفكار الدينية بطريقة لا تستفزّ مشاعرهم

وأثبتت الجولات السابقة من المناكفات بين الليبراليين والعلمانيين وخصومهم أنّ وعي التغيير لدى الطرف الآخر غيرُ ناجز، فهم لا يمتلكون مشروعاً متماسكاً؛ بل إنّهم أنفسهم غير متماسكين، ولا ينضوون في إطار متعيّن، ولا يصدرون عن موقف موحد، فقد خالط الليبراليين والعلمانيين يساريون وقوميون أصيبوا بالحَول التاريخي، فراحوا يناصرون الطغاة، ويلتقطون معهم الصور التذكارية، ويشدّون على أيدي الحكام القتلة وهم يقصفون الآمنين بالبراميل المتفجرة، ويزجّون بالأبرياء في غياهب السجون، وينكّلون بالحرية، ويهزأون بآمال البروليتاريا. بل إنّ هؤلاء القوميين واليساريين مضوا، بعد تأييدهم الديكتاتوريات الغاشمة، إلى مؤازرة الأنظمة الدينية، ووجدوا في طهران والولي الفقيه كعبتهم المقدّسة، فطافوا حولها وهم يتأتئون بتعاليم ماركس، وأقوال ميشيل عفلق!
البوصلة انحرفت، وانطفأ القنديل! فما العمل؟
الخيارات قليلة وشحيحة، فإما أن يعيد هؤلاء ترميم بنيانهم، وتوحيد جهودهم، والاتفاق على الخطوط العامة للمجابهة، أو أن يمارسوا انتحاراً جماعياً، ويتركوا الساحة لحراس العتمة كي يتمددوا ويُدعشنوا المجتمعات، ويزهقوا الأنفاس المتبقية للحياة. وأما الخيار الثالث فيتمثل، كما هو جارٍ حالياً، في أن يغني كل واحد على ليلاه، فيخيب كثيراً، ويصيب قليلاً، لكنه في هذه الحالة سيكون عرضة للانقراض، والافتراس، وصيداً سهلاً!
هل نردّد، إذاً، صرخة مشابهة لتلك التي أطلقها الزعيمان والمفكران التاريخيان كارل ماركس وفريدريك أنجلز في البيان الشيوعي سنة 1848، فننادي: "يا علمانيي وليبراليي العرب اتحدوا"؟
إنّ مثل هذا النداء أضحى أمراً عاجلاً وضرورياً إن كنا نتوخى إسناد الحياة، والدفاع عن حقنا في العيش تحت سماء الله الواسعة، وتمكين الناس والأجيال القادمة من النظر إلى الدنيا بعيون مفتوحة على الحب والخير.

قدّم غلاة الليبراليين والعلمانيين العربُ خدمة جليلة لأنصار الإسلام السياسي والحركات الدينية المتطرفة، ومنحوهم أسباباً إضافية لتشويه الليبرالية والعلمانية

اتحدوا، من أجل الكشف عن الاختطافات المستمرة للدين من قبل "فقهاء الظلام" الذين اغتصبوا سلطة الله، وجعلوا من أنفسهم ناطقين بلسان السماء، ووكلاء حصريين لما يريده الخالق. هؤلاء من يتعين مجابهتم، وبيان تهافت خطاباتهم التي هي في الأصل خطابات سياسية أيديولوجية توسلت بالدين من أجل إضفاء القداسة على مشروعها.
تحرير الدين من سطوة هذه الماكينة الفقهية والحركية، ومن بوتقة الفهم الضيق، هو المهمة الأولى والعاجلة، لكل من يعتنق أفكار التنوير، ويرغب في أن يجعل الحياة فسيحة، وليست محصورة ومتعلقة بقائمة لا تنتهي من الحلال والحرام، وهي قائمة وضعها العقل الفقهي البطريركي، بالتحالف مع العقل السياسي المستبد، للسيطرة على المجتمعات، وخنق قوى التغيير والمعارضة فيها، وبالتالي تأبيد سلطة الحاكم بأمر الله!
وبإزاء تحرير التصورات الدينية من أسر الذين يعتبرون "الدنيا نار المؤمن وجنة الكافر"، يتعيّن الدفاع المستميت عن حق النساء في النهوض والتعليم والقيادة والإبداع، وخوض معارك مستميتة من أجل إنصافهن في القوانين المدنية، ورفع أي ضيم لحق أو يلحق بهنّ. لن يتحرر أي مجتمع ما دامت فيه امرأة أسيرة أو مقموعة أو مستلبة أو خائفة. الجميع في هذه القضية شركاء؛ الرجال قبل النساء، لأنّ موضوعة المرأة هي الخاصرة الضعيفة لدى أولئك المتزمتين الذي يصدّرون كل يوم أوهامهم وأمراضهم النفسية وتخلفاتهم العقلية فيما يتصل بأحوال المرأة. ونظرة قليلة إلى معجم الفتاوى الكريهة بهذا الخصوص كافية لأن تجعل الثورة على هذا العقل، الذي يسكن في كهوف الماضي، فرضَ عين!
ولا يتصورنّ أحدٌ أنّ هذه دعوة إلى الخروج عن الدين. بل هي بخلاف ذلك تماماً، وهدفها تنقية الدين مما علق به من شوائب أساءت له، وقدّمته باعتباره منصة للعنف، ووأد النساء، وخنق أنفاس الحياة، وتدمير الأرض التي اُستخلف الإنسانُ من أجل إعمارها.
ولعلّ وعي العلمانيين والليبراليين ممن يتبنون أفكار التنوير، بهذه القضايا الملحة، يدفعهم إلى اعتماد الحكمة أسلوباً وشعاراً من أجل استيعاب خصومهم، وتفكيك خطاباتهم بالحسنى، من دون استعلاء. فالأفكار تتغذى من الاختلاف، وتنمو في فضاء السجال، فالناس بطبيعتهم متدينون، وبعضهم ذوو تديّن شعبي، بمعنى أنهم غير مسيّسين ولا مؤدلجين، ولا منتسبين لتيار ديني، ما يعني أنّ استمالتهم سهلة، إذا رأوا نماذج تنويرية تدافع عن حقوقهم، وتقرّب إليهم الأفكار الدينية بطريقة بسيطة، ولا تستفز مشاعرهم، أو تزدري معتقداتهم.
الليل يوشك أن يُرخي سدوله على كل شيء، فلتنبثق شموسُ النور من أضلاع المؤمنين بالحق والعدل، فالحياة كما قيل "وِقفة عزّ" فليكن عزاً مديداً وطويلاً وفسيحاً، وليتقاسمه كلُّ المنتسبين إلى فضاء الإنسانية التي هي دينُ كل مؤمن بالحب والخير والجمال.

اقرأ المزيد...

الوسوم: