الذاكرة المفقودة... حين تضيع الأوراق الثبوتية تحت ركام الإبادة

الذاكرة المفقودة... حين تضيع الأوراق الثبوتية تحت ركام الإبادة

الذاكرة المفقودة... حين تضيع الأوراق الثبوتية تحت ركام الإبادة


12/02/2026

يحاول الشاب يوسف حجازي (26 عاماً)، من حي الصفطاوي شمال مدينة غزة، إخراج بعض الأوراق والمقتنيات من تحت ركام منزله، الذي تحول إلى كتل إسمنتية متداخلة.

يقول حجازي الذي تخرّج في كلية إدارة الأعمال: "كنت أحتفظ بكافة أوراقي في ملف أزرق داخل خزانتي الخشبية، أمّا اليوم، فلم يبقَ من الخزانة سوى قطع متناثرة، ولم يبقَ من الملف سوى ذكرى وبعض القطع الممزقة.

ومنذ احتلال قطاع غزة عام 1967 تُمسك إسرائيل بزمام السيطرة على إصدار بطاقات الهوية للفلسطينيين، وقد جرى إخضاع السجل السكاني بالكامل للإدارة المدنية الإسرائيلية. 

ورغم توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 لم تُنقل هذه الصلاحية بشكل كامل إلى السلطة الفلسطينية، لتظل بطاقة الهوية أداة مركزية في يد الاحتلال للتحكّم في سجل السكان والمعابر، وفرض الهيمنة الإدارية على الفلسطينيين.

ويمرّ إصدار أيّ بطاقة هوية فلسطينية عبر النظام الإسرائيلي الذي يفرض إدراج البيانات باللغة العبرية إلى جانب العربية، رغم أنّ الطباعة تتم داخل مراكز وزارة الداخلية الفلسطينية.

وتُلزم هذه البطاقات بالنموذج والشكل والشفرة الإلكترونية التي يفرضها الاحتلال، وهو ما يجعل أيّ محاولة لإصدار بدائل محلية مستقلة أمراً شبه مستحيل.

لحظة الإدراك أقسى من القصف

يقول حجازي وهو يقف أمام ركام منزله: "كنت أظن أنّ أخطر ما قد أفقده هو البيت، لم أتخيل أن أفقد نفسي على الورق." 

ويروي تفاصيل اليوم الذي عاد فيه ليتفقد المنزل بعد القصف: "بحثت بين الركام عن أيّ شيء، ملابس، صور، أوراق، كنت أعرف مكان الملف بالضبط، في الرف العلوي، خلف ألبوم الصور، حفرت بيدي، حتى جرحت أصابعي، ولم أجد شيئاً." ويصمت، ثم يضيف: "في تلك اللحظة شعرت أنّ حياتي السابقة انتهت، شهادتي الجامعية، شهادة الميلاد، بطاقة الهوية القديمة، عقد عملي، شهادة ملكية الأرض والمنزل، حتى شهادة تطعيم أختي الصغيرة كلها كانت هناك." 

وبسؤاله عن أوّل ورقة خطرت بباله أجاب: "شهادتي الجامعية، تعبت أربع سنوات لأحصل عليها، وكنت أقول لأمّي هذه هي استثماري الوحيد." 

ومنذ فقد أوراقه يعيش حجازي حالة يصفها بالوجود المعلق، ويوضح: "حين تذهب لتسجيل اسمك في كشف مساعدة، يطلبون بطاقتك الشخصية، وحين تحتاج علاجاَ يطلبون أوراقاً، وحين تفكر في السفر يوماً ما، تحتاج جواز سفر وشهادات، وفجأة تكتشف أنّ حياتك كلها مربوطة بأوراق." 

الوجود المعلق

ويتابع: "أشعر أحياناً أنني شخص بلا ظل، فأنا موجود، لكن بلا إثبات، كنت أظن أنّ البيت مكان آمن، ولم يخطر ببالي أنّ أصوّر أوراقي وأن أحتفظ بها خارج المنزل." 

ويضيف: "لا تقتصر الخسارة على الأوراق الرسمية، لقد فقدت العائلة ألبومات الصور القديمة، وعقود ملكية الأرض التي ورثها والدي عن جدّي، حتى بتّ أخاف أن يأتي يوم أريد فيه أن أُثبت شيئاً، فلا أجد دليلاً، وأن تتحول قصصنا إلى روايات شفوية بلا سند." 

ويعلّق حجازي بصوت منخفض: "بدأتُ رحلة استخراج أوراق بدل فاقد، لكنّ الطريق ليس سهلاً، فالمؤسسات تعمل بقدرات محدودة، والسجلات تضررت، والطلبات بالآلاف، وذهبت أكثر من مرة، في كل مرة يطلبون أوراقاً أخرى لإثبات ما فقدته، والمفارقة أنك تحتاج أوراقاً لإثبات فقدان أوراق." 

ويضحك بمرارة، ثم يضيف: "أشعر بأنني أدور في حلقة مفرغة، فالحرب لا تسرق الحاضر فقط، بل تُعقد المستقبل، لم أعد أشعر بالأمان، بعد أن كنت أظن أنّ لديّ شيئاً أعود إليه، ملفاً يثبت مساري الدراسي والمهني، الآن أشعر أنّ أيّ خطوة مستقبلية مهددة." 

قبل الحرب كان حجازي يخطط للتقديم على منحة دراسية خارج القطاع، وكانت أوراقه جاهزة ومترجمة، ويبين: "كنت أقول لنفسي سأرتب أموري لاحقاً، الآن لا أعرف إن كنت أستطيع إعادة جمعها." 

ويؤكّد حجازي: "حين تضيع أوراقك تشعر أنّ أحدهم يحاول محو أثرك، لكننا باقون، حتى لو اضطررنا لإعادة كتابة كلّ شيء من البداية، فلم يخطر ببالي أنّ أكبر أحلامي يمكن أن تختفي في دقائق." 

هوية بلا ورق

في أحد مراكز الإيواء المكتظة بحي الشيخ رضوان بمدينة غزة، تجلس الفلسطينية كفا شاهين (42 عاماً)، أم لخمسة أبناء، تعمل معلمة في مدرسة ابتدائية، وأمامها حقيبة صغيرة تضم ملابس قليلة وبعض الأدوية، لقد فقدت ملفها الأخضر الذي كانت تحتفظ فيه بكل وثائق العائلة، تحت أنقاض منزلها المدمر.

تقول وهي تضم الحقيبة إلى صدرها: "خسرت البيت، نعم، لكنّ الذي يكسر قلبي أنني فقدت تاريخ عائلتي، حيث كنت أرتب أوراقنا كأنني أرتب حياتنا." 

وتحكي شاهين عن ذلك الملف الأخضر: "كنت أضع فيه كل شيء، شهادات ميلاد الأولاد، عقد الزواج، شهادتي الجامعية، أوراق ملكية البيت، تقارير طبية لابني المريض، وحتى شهادات التفوق المدرسية." 

وتتابع: "كنت أعتبر هذا الملف أماناً صغيراً في عالم غير آمن، وكنت أقول لزوجي دائماً، مهما حدث، أوراقنا محفوظة، ولم أكن أعلم أنّ الحائط الذي يحميها لن يبقى." 

وتوضح: "حين عدت وعائلتي لتفقد المنزل بعد القصف، لم نجد سوى الركام والأسقف المنهارة، فبحثت بين الحجارة عن أيّ ورقة، ووجدت صفحة محترقة لا يقرأ منها شيء، فشعرت وقتها بأنّ حياتنا أصبحت رماداً مثلها." 

فقدان الوثائق لم يكن مجرد خسارة عاطفية، بل تحول إلى أزمة يومية، وتوضح: "حين ذهبت لتسجيل أولادي في مدرسة مؤقتة، طلبوا شهادات الميلاد، ولكنني لا أملك شيئاً، شرحت لهم أنّ البيت دُمّر، فنظروا إليّ بحزن، لكنّ النظام يحتاج أوراقاً".

حلم مؤجل

وتضيف شاهين: "حتى الحصول على مساعدة إنسانية يتطلب رقم هوية، وعدة أوراق تثبت عدد أفراد الأسرة، وفجأة تصبحين مطالبة بإثبات وجودك، وكأنني أعيش دون جذور، أنا موجودة، لكن بلا دليل." 

وتصف شعورها بمرارة: "أكثر ما يؤلمني ليس عقد الملكية ولا الشهادات الجامعية، بل ألبومات الصور، كانت عندي صور زفافي، وصورة أبي قبل وفاته، وصور أولادي في أول يوم مدرسة، وكنت أعود إليها كلما شعرت بالتعب." 

وتسكت، ثم تتابع بصوت متهدج: "الصور ليست ورقاً، هي ذاكرة، حين تضيع، تشعر بأنّ جزءاً من روحك اختفى، أخاف من المستقبل، فماذا لو احتجنا إثبات ملكية البيت يوماً لإعادة الإعمار؟ وماذا لو ضاعت حقوقنا؟".

وتؤكّد شاهين: "أريد أن يعرف العالم أنّه تحت كلّ بيت مدمّر يوجد درج صغير كان يحفظ أحلام عائلة كاملة، فالحرب لا تقتل الناس فقط، بل تحاول أن تقتل قصصهم، والأوراق هي قصصنا الرسمية، حين تضيع نشعر أنّ أحداً يحاول محو أثرنا." 

في ختام حديثها، رفعت رأسها وقالت بثبات: "الأوراق مهمة، لكنّها لا تختصرنا، نحن بشر، لنا أسماء وتاريخ حتى لو ضاعت المستندات." 

عرقلة ممارسة الحقوق الأساسية

تقول عائشة مطر، ناشطة حقوقية وباحثة في مجال القانون الدولي الإنساني: إنّ "فقدان الوثائق الأساسية مثل شهادة الميلاد أو بطاقة الهوية لا يجعل الشخص غير موجود رسميّاً، لكنّه يعرقل ممارسة حقوقه الأساسية، فبدون أوراق ثبوتية يواجه الشخص صعوبة في تسجيل أبنائه في المدارس، والحصول على الرعاية الصحية، والتقديم على مساعدات إنسانية، ويمكن أن يعيقه عن التقدم للعمل أو السفر." 

وتضيف: "إذا فقد الشخص عقد ملكية أرض أو منزل، هناك طرق قانونية لإثبات الملكية، منها الشهود، أو السجلات العقارية في الدوائر الرسمية إذا لم تتضرر بالكامل، لكنّ فقدان الوثائق يزيد من التعقيد ويطيل الوقت، خاصة إذا تضررت سجلات الحكومة أو تم تدميرها جزئيّاً".

وتوضح: "إجراءات استخراج بدل فاقد ممكنة لكنّها تتطلب إثباتات بديلة، مثل إفادات شهود أو سجلات قديمة محفوظة في المكاتب الحكومية أو المدارس، وتتضاعف الصعوبات في مناطق الحرب بسبب الدمار ونقص الموظفين وفقدان السجلات الرقمية." 

وتشرح: "هناك اتفاقيات دولية تحمي حقوق المدنيين، مثل اتفاقيات جنيف التي تنص على حفظ الحقوق المدنية وعدم حرمان المدنيين من هويتهم أو ممتلكاتهم، وتساعد المنظمات الإنسانية في توفير أوراق بديلة أو توثيق الحقوق بعد النزاعات، لكنّها غالباً حلول مؤقتة وليست قانوناً كاملاً".

وتتابع: "فقدان الوثائق يؤثر بشكل كبير على القدرة على التعليم والعمل والسفر، وقد يؤدي إلى صعوبة الحصول على المساعدات أو القروض أو الاستفادة من برامج إعادة الإعمار على المدى الطويل، ويمكن أن يولد فقدان الأوراق نزاعات قانونية حول الملكية أو الإرث." 

قلق وخوف من المستقبل 

ترى الإخصائية النفسية بمركز العودة الصحي أماني محمود أنّ "فقدان الأوراق الرسمية مثل بطاقة الهوية أو شهادة الميلاد يحدث شعوراً بعدم الاستقرار، ويشعر الشخص أنّ جزءاً من حياته أصبح خارج نطاق سيطرته، وهذا يخلق قلقاً دائماً وخوفاً من المستقبل، حتى الأمور اليومية تصبح صعبة، مثل تسجيل الأطفال في المدرسة أو الوصول إلى الخدمات الصحية، ممّا يزيد الضغط النفسي." 

وتقول: "الوثائق تثبت وجود الشخص قانونياً واجتماعياً، وعندما يفقد مستنداً ينعكس على شعوره بالانتماء والهوية الشخصية، وفي حالات النزاع والحرائق فإنّ الشعور يزداد حدة لأنّه يترافق مع فقدان المكان والأمان." 

وتوضح: "الأطفال أكثر حساسية تجاه فقدان أوراقهم مثل شهادات الميلاد أو تقارير التطعيم، ويمكن أن يشعروا بالضياع أو بأنّ حياتهم غير موثقة، ممّا يؤثر على شعورهم بالأمان وقدرتهم على بناء الثقة بالعالم المحيط، وهذا قد يؤدي إلى توتر دائم أو مشكلات سلوكية إذا لم يتم التعامل معه." 

وتتابع: "فقدان الصور القديمة، وألبومات الأسرة، ورسائل الخط، يسبب شعوراً بالحزن العميق لأنّ هذه الوثائق تمثل ذاكرة العائلة وهويتها، فالأهل يشعرون بالفراغ العاطفي، والأطفال قد يفقدون إحساسهم بالتاريخ العائلي، وهذا يخلق نوعاً من الصدمة النفسية طويلة الأمد." 

وتؤكّد: "فقدان الوثائق في النزاعات قد يؤدي إلى قلق دائم واضطرابات نفسية مزمنة، خاصة إذا شعر الفرد بالعجز عن استعادة أوراقه أو حقوقه، وهذا القلق يؤثر على التخطيط للمستقبل واتخاذ القرارات، وقد يترك أثراً طويل المدى على شعور الفرد بالهوية والقدرة على التحكم بحياته." 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية