
يُعَدُّ التأصيل سمةً إنسانيةً لها حضورها في التاريخ والواقع الإنسانيّين؛ فلكل علمٍ أصوله التي يتبعها ويقيم عليها نظرياته، وتتغير الأصول مع الصيرورة الدائمة للعالم، فأصول اليوم ليست هي أصول البارحة.
لذا لا تُعَدُّ مشكلةُ الإخوان، ومن على شاكلتهم من جماعات سياسية وجهادية، في تأصيلها لفكرها، ولكن في كيفية التأصيل، فالتأصيل لطرح هندسي يفترض العودة إلى أصول العلوم الهندسية، وليست العلوم الكيميائية أو الحيوية مثلًا، ويُعدُّ التأصيلُ السياسي للجماعات السياسية والجهادية ضمن هذا النوع؛ فهي تؤصل لشرعيتها السياسية بتأصيل ديني، وبهذا ينتقل طرحها السياسي من الإطار الإنساني إلى الإطار الإلهي، فتقدّم طرحها بوصفه رغبةً وغايةً إلهية ملازمة لنصرة الدين والحق. ووفق تأصيلها ينتقل الأمرُ من وضعه السياسي التنافسي ويأخذ أبعادًا إيمانيةً ويحمل مفرداتٍ إيمانيةً ذات مضامين سياسية.
جماعة الإخوان لا تُقَدِّمُ شرعيتها السياسية مقابل تحرّي أزمات الواقع وتجاوزها، ولكن تقدّمها بوصفها شرعيةً إلهيةً؛ أي أنّها الحكم الإلهيُّ الصالحُ في مقابل الحكم الإنساني القاصر الذي تطلق عليه عادة حكم الهوى. وبهذا تأخذ المعارضة صفاتٍ مختلفةً غير المعارضة أو الرؤية المختلفة، مثل: الكفر والضلال والتعدي على الحاكمية الإلهية وعدم الانصياع لأوامر الله ولرغبته في الكون.
إسقاط الشرعية الواقعية واستهلاك الدين
تنطلق عمليات التأصيل الديني للسياسة من دعوته للامتثال لحكم القرآن، والحضور الفعلي للقرآن في المجتمعات المسلمة، ويُفضي حُكم القرآن للمجتمع عادة إلى حُكم الجماعة باسمه، فالقرآن لا يخرج ليحكم ويدير شؤن الدولة، ولكنّهم يكونون نوابًا عن الله يحكمون بوساطة القرآن.
وهذا ما اعتادت عليه السلطة السياسية تاريخيًا على استنطاق القرآن بإيديولوجيتها والتخفي وراءه والتحدث به، عبر التيار الديني الرسمي الذي لا يخرج عن كونه مجموعة من الموظفين في البلاط الملكي، ويتعاملون مع القرآن على أنّهم المالكون لتأويله وقصديته، ويرفضون أيَّ مجال للحديث عن تأويل بشري للقرآن، بل يُعرض تأويلهم بوصفه مطابقًا للمراد الإلهي من القرآن، ممّا ينتجُ عملية تماهٍ مع القرآن ومن ثم الدين والله، وعليه تكون وصايتهم على البشر أمرًا بدهيًا بوصفهم متجاوزين الحد الإنساني ومتعالين عليه.
وإذا كانت جماعة الإخوان ترى أنّها تنطلق من القرآن وتعمل به، فإنّها على المستوى الواقعي تضعه موضعَ الأداة الإيديولوجية التي تمكنها من محاولات فرض رؤيتها؛ وذلك بالتماهي مع الله وأنبيائه أو مع صحابة النبي محمد ﷺ، وعرض رؤيتها، لتكون فرضًا إلهيًا أو رؤيةً نبويةً لا تنفك هي الأخرى أن تكون فرضًا إلهيًا.
ويحمل غياب الاعتراف بالرؤية الإنسانية وحدودها تعاليًا على المجتمع وامتزاجًا بالإرادة الإلهية، وهذا ما يحدث في عمليات التأصيل الديني للسياسة، إذ تُطرح المشاريعُ السياسيةُ بوصفها أوامر إلهيةً، وطوق نجاةٍ للحياة الدنيا والآخرة، ومن ثم لا تترك مساحة لرؤى أخرى، وتتعالى على الرؤى كافة، لأنّ طرحها ليس إنسانيًا يُمكن الاختلاف معه، ولعل هذا ما يدفعنا إلى القول: إنّ التيارات الأصولية تَهْدِف إلى الاستهلاك الإيديولوجي للدين أكثر ممّا تَهْدِفُ نحو تناسق اجتماعي وحضور رُوحي واجتماعي للدين.
تسييس الدين
يصنع التأصيلُ الديني للسياسة نسخةً سياسية من الدين تمتلكها الفئة التي تستهلك الدين والخطاب الإلهي لتبرير أفعالها، ووجود مشروعية سياسية واجتماعية لها، وتصفي منافسيها من الناحية الدينية والعقائدية، وتزعم أنّها تملك النسخة المطلقة والصحيحة عن الدين. وفي حال التأصيل الديني للسياسة يخرج الخطابُ عن المنافسة السياسية، وما تقدمه السلطة السياسية، وما يمكن أن تقدمه، إلى الحديث عمّا يكون أكثرُ ورعًا وتقى، ولا تحمل الوعودُ السياسية بُعدًا واقعيًا وتأخذ طابعًا أخرويًا وعظيًا يعرف الترهيبَ والتهديدَ بالنفي من الدائرة الإيمانية أكثر ممّا يعرف المنجزات الواقعية التي تعطيها شرعية سياسية فعلية.
وتُفضي عمليات التأصيل الديني للسياسة إلى صناعة نسخة سياسية من الدين، تستهلكها الجماعات الإسلامية وتستحوذ بها على العقول، وتُطالب المجتمعات بالامتثال له، ولا تقبل الاختلاف مع هذه الرؤية، وتُشهر سيف التكفير في وجوه الجميع. وتُعدّ أحد أهم آليات الاستحواذ؛ تقديس آراء السابقين والنظر إليها بوصفها هبات مخصوصة أعطاها الله لهم، وليست آراء بشرية نبعت من داخل السياق الجغرافي والاجتماعي والسياسي، ومن ثم تحمل الانحيازيات البشرية الطبيعية.
فالصحابة والتابعون جاؤوا بالمعرفة الدينية والدنيوية بشكل تام عملاً بمقولة "إنّ الحق يعرف بالرجال"، والتمسك بتلك المعرفة هو الذي يعمل على حفظ الأمة ويعصمها من الزلل، ويصرّ القرضاوي على أنّ الحل الإسلامي ليس مقصوراً على تطبيق الشريعة من قطع يد السارق ورجم الزاني وما إلى ذلك، بل أن يصبح الإسلام هو الموجه لكافة نواحي الحياة، ويكون هو الغاية أيضاً.
وإذا كان الإسلام موجهًا لكافة نواحي الحياة كما يقدّم القرضاوي، فإنّ جماعات الإسلام السياسي والجماعات الجهادية تقف من خلفه؛ فهم يُعلنون أنفسهم عارفين بالإسلام والإسلام تحت حمايتهم، ويعرضون مشروعهم السياسي بوصفه الإسلام، ويقدّمونه تحت شعار الإسلام هو الحل. وهي حيلة معهودة من الإسلام السياسي وعقوله، ليُسيّس الدين ويصنع نسخته الدينية الخاصة التي تُمكنه من تبرير أفعاله دينيًا، ومن استهلاك الدين في مشروعه السياسي.
السياسة تحكمها المصلحة وقانونها كذلك، فميكافيلي حين قال "الغاية تُبرر الوسيلة" لم يكن يضع قانونًا عمّا يجب أن يكون بقدر ما كان يصف ما هو قائم بالفعل، فقانون السياسة الرئيس هو المصلحة وامتلاك السلطة، ووجود الدين قي ميدان السياسة هو خسارة للدين ومكسب للفصيل السياسي، حيث إنّه يقدّم له شعبية وشرعية قليلة التكلفة ولها تأثير كبير وقوي.
والإسلام السياسي بتمثلاته وجماعاته وممارساته البراغماتية أظهر لنا بصورة واضحة أنّ مبدأه الرئيس هو السلطة، ولم يوفر جهدًا في هذا، واتخذ المساجد منابر لدعوته السياسية، وتلوّن بتلون كل مرحلة وطرح نسخة دينية في كل مرحلة تختلف عن الأخرى، ويكون الثابت الوحيد في مشروعه هو الوصول إلى السلطة السياسية، والمتحرك هي الرؤية الدينية التي يسوّغها كيفما تقتضي المصلحة.


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)