الدخول إلى التيه: الإسلاموية كإخفاق تاريخي

الدخول إلى التيه: الإسلاموية كإخفاق تاريخي
4680
عدد القراءات

2020-02-16

ولما تَكلّم موسى بهذا الكلامِ إلى جميعِ بنِي إسرائيل بكَى الشعبُ جداً. ثم بَكَّرُوا صباحاً وصعدُوا إلى رأسِ الجبلِ قائلين: "هُوذَاَ نحن نصعدُ إلى الموضعِ الذي قال الرَّب عنهُ، فإننا قد أخطأْنا" فقال موسى: "لماذا تتجاوزون قولَ الرَّب؟ فهذا لا ينجح. لا تصعدوا، لأنَّ الرَّب ليس في وَسَطِكُمْ لئلاَّ تنْهزِموا أمامَ أعدائكُم.
(سفر العدد 14: 36-38)

شعبياً؛ اهتزت بعمق العلاقة (غير المُفكّر فيها) بين الدين والسياسة، ولم يعد لدى الإسلاموية جديد تقدّمه في هذا السياق

إخفاق الإسلاموية في مصر كان إخفاقاً فكرياً بالأساس؛ فالفكر الإسلامي، الذي توقف جدياً عن الإنتاج منذ أربعة عقود، على الأقل، لم ينتج نظرية في الدولة، بل، على العكس سعى إلى الاستيلاء على الدولة الحديثة، أو وراثتها، بغرض أسلمتها، ولم ينتج نظرية في الممارسة السياسية، ولم يميّز نصاباً للسياسي (بما هو منفصل عن الدين والحياة الشخصية)؛ بل ربط السياسي بالتبشير الأخلاقي، ومن ثَمّ تحولت الرطانة الإسلاموية حول "المجتمع المسلم الفاضل والمتجانس" إلى ما يشبه التميمة، التي لا يفهمها سوى صانعها وحاملها.
فكان الموضوع الأكثر تواتراً في الأدبيات الإسلامية، وخطاباتهم اليومية أيضاً، هو التأكيد على عدم الفصل بين النطاقات الاجتماعية (السياسة، الدين، الاقتصاد، الأخلاق، الحياة الشخصية)، ومن هنا جرت مَرْكزة الشريعة وتأويلها كنظرية في السياسة، ومصدر للقانون وللسلوك الفردي، بحسب الباحث الفرنسي، أوليفه روا؛ فإنّ هذا الامتناع عن تحديد نطاق سياسي مستقل له قوانينه الخاصة؛ هو آفة الإسلاموية المهلكة.

قبل المعمعة
قبل أن يخضع الخطاب الإسلامي للاختبار، كانت الإسلاموية ظاهرة اجتماعية (تدين + إفقار + محدثين تمدن (وفق تحليل جيل كيبل))، تحركها نواة تنظيمية ممثلة في جماعة الإخوان؛ لذلك، وعلى الرغم من هشاشة تركيبة السلطة الأوتوقراطية، بعد تمحورها المتدرّج حول المكوّن الأمني، دون أيّ غطاء أيديولوجي من أيّ نوع، ودون مؤسسات سياسية، وتشتُّت الطبقة الوسطى وتقهقرها، وعدم وجود بديل سياسي علماني، لم يتمكن الإخوان من صياغة حلّ أو جواب على مشكلات المجتمع المستعصية؛ إذ تنازعت الإسلاموية قبل الثورة إستراتيجيتان: النضالية السياسية بغرض الوصول إلى السلطة، والإصلاحية التي رأت في النشاط الاجتماعي طريقاً لإعادة أسلمة المجتمع (تعبيده لله) من أسفل، إلا أنّ كلا الاتجاهين أخفقا في التعامل مع الحداثة فكرياً، واكتفيا بالاستثمار في المشاعر الدينية الجارفة التي تنامت عقب فشل دولة التحرر الوطني الناصرية، وكلاهما لم يعتبرا أنّ القومية والعلمانية هما التحديث (الذي تمّ اختصاره في البعد التقني)، وقفزا على شرعية الدولة القائمة باسم الأمة الإسلامية ودولتها الجامعة.

اقرأ أيضاً: من ضيق الأيديولوجية الإسلاموية إلى رحابة المشترك الإنساني
في خضم هذا الأفق، الذي لا يمتّ للسياسة بصلة، حتى مع تعاطي بعض الإجراءات السياسية؛ كإقامة تحالفات سياسية والمشاركة في الانتخابات، جرى التركيز على الغاية الكبرى: "إعادة الإسلام إلى العالم"، أو "إعادة الله إلى التاريخ" (وفق توصيف الباحث المصري مصطفى عبد الظاهر)، وهو ما تطلب هيمنة ثقافية (يمكن النظر إلى كمّ الكتب والمجلات ذات الصبغة الأيديولوجية الإسلامية التي صدرت منذ 50 عاماً لفهم سعيهم نحو الهيمنة الثقافية على المجال العام)، واختراق للمجتمع المدني (النقابات، الجمعيات الأهلية)، وصولاً إلى الأداة الحاسمة: السيطرة على الدولة، وقد تخلّت الجماعة، في آخر عشرين عاماً، عن كلّ السبل الموصلة إلى هدفها سوى سبيل الدولة.

حدود التذاكي
هذا المنطق الناصري/ الدولتي (القائم على اعتبار أنّ الدولة هي الأداة الوحيدة للتغيير، وأنّها تعلو على المجتمع وتعيد تشكيله، وتقهر الخصوم السياسيين، وتنهي الصراع السياسي لصالح الإجماع الوطني) جعل الإخوان عاجزين عن فهم المشهد السياسي، خلال العقد الأول من القرن الواحد العشرين؛ لذلك حينما فاجأتهم الثورة، وجاءت من خارج مجال توقعاتهم تماماً، لم يجدوا سوى طرائقهم القديمة في التعامل معها، وهي المناورة بين السلطة والمعارضة في وقت واحد، وتبني خطاب سياسي مراوغ، والسعي المحموم نحو إحداث تحوّل ثقافي سريع وخاطف في المجتمع.

اقرأ أيضاً: الإسلاموية كخطاب احتجاجي
حين رفع الإخوان شعار "مشاركة لا مغالبة" لم يكونوا يخادعون القوى السياسية، كانوا صادقين جزئياً ومرحلياً (بالطبع حاولوا جني أكبر قدر من المكاسب السياسية في البرلمان والجمعية التأسيسية)؛ إذ أدركوا أنّ الثورة (الهِبة الإلهية كما اعتقدوا) جاءت قبل الأوان، أوان الأسلمة التي تسمح لهم بالسيطرة الكلية على الدولة والمجتمع دون منغصات علمانية، وأنّ عليهم استغلال الفرصة في تسريع عمليات هندسة المجتمع ثقافياً، وحين دفعوا بمرشحهم خيرت الشاطر، وبديله محمد مرسي، إلى انتخابات الرئاسة، كان دافعهم الخوف من انسداد سبل الأسلمة (عبر الدستور والتعليم والثقافة) بعد حلّ المحكمة الدستورية العليا للبرلمان الذي حازوا الأغلبية فيه.
هذا الفهم البدائي للسياسية وافتراض ضرورة تحويل المجتمع إلى الإسلام، وإلا امتنع تطبيق الشريعة (كمشروع سياسي شمولي)، وأسفر فرضها بقوة الدولة وسطوتها عن نفاق اجتماعي، سرعان ما ينقلب إلى ثورة علمانية مضادّة، هذا الفهم هو ما جعلهم عاجزين عن التعامل مع القلب الصلب للدولة (الجيش والشرطة).

اقرأ أيضاً: "الإسلاموية".. من التكيف مع الحداثة إلى أسلمتها
وهو القلب الذي لن يقبل بتغيير طبيعة الدولة من قِبل جماعة غامضة من جهة، أو بتهديده وجودياً عبر الاختراق من أعلى أو عزله عن ثمار الإطاحة بالنظام من جهة أخرى، خصوصاً أنّ الجماعة بدت في الحقبة الأخيرة من عمرها "دولة بديلة" مستعدة للحلول محلّ الدولة القائمة، وملء هيكلها البيروقراطي، وقد أعجزهم فهم من هذا النوع أيضاً عن التعامل مع التيارات السياسية جميعها، وكان عاملاً مضافاً إلى افتقارهم لبرنامج سياسي (لا انتخابي)، في ارتباكهم القاتل.

الدخول إلى التيه
بتضعضع التنظيم، عام 2013، فقد الإسلامويون القدرة على إنتاج ممارسة سياسية مستقرة وذات معنى، وتحولوا إلى جمهور متشظٍّ، لا تجمعه سوى منطلقات بالغة العمومية وذكريات عن زمن المجد والنكبة.
يعود هذا إلى أنّ النضالية الإسلامية أعطت الأولوية القصوى للسياسي في أدنى مستوياته: التنظيم على حساب الفكري (والمجموعة التي طرحت خطاباً فكرياً، مهما كانت مشكلاته النظرية، كانت على هامش الظاهرة الإسلامية، من أمثال طارق البشري وسليم العوا وعبد الوهاب المسيري)، وعلى حساب الديني العلمي.

اقرأ أيضاً: بماذا تخبرنا "نهاية الأيديولوجيا" عن أفول نجم الإسلاموية؟
ففي القلب من التصور الإسلامي للسياسة، يكمن حزب من النمط اللينيني، الذي يقدّم نفسه كطليعة للتيار الإسلامي وتعبير عنه في آن (هناك تحليل طريف يرى أنّ دفع الجماعة بمحمد مرسي لانتخابات الرئاسة، عام 2012، كان وراءه خشيتها من فوز مرشح إسلامي ليس من صلبها، فتفقد مكانتها كقائد للتيار الإسلامي)، والفرق بين الرؤية اللينينية الأصيلة للسياسة والاستعارة الإسلامية لها؛ أنّ الأولى ترى في التنظيم ممثلاً للطبقة العاملة، وليس هو هي، فيما يرى الإخوان أنّ تنظيمهم ممثل سياسي ومجتمعي في الوقت نفسه، وهذا المجتمع المغلق والمضاد هو نواة المجتمع الإسلامي الأكبر والمأمول.
كان تهشُّم التنظيم في خضم الصراعات السياسية التي عصفت بمصر خلال الأعوام التسعة الأخيرة بمثابة تحويل كوادر التيار إلى "يتامى سياسيين" بالمعنى الواقعي للكلمة "ضائعون"، وفي حاجة إلى أبٍ وراعٍ وشرنقة تحميهم من تقلُّب الأيام.

الانتحار التاريخي
انتحار تاريخي ألّا يعيد الإسلاميون التفكير في هويتهم وإستراتيجيتهم وأهدافهم ذاتها في مثل هذه الأجواء الاستثنائية التي تعيشها مصر، والاكتفاء بالتعالي على "شرطهم البشري" بتصدير خطاب عاطفي حول قدرة الإسلاميين على العمل في جميع الظروف الاستثنائية، والعودة الأكيدة بعد كلّ النكسات، لن يصمد أمام القدرة المحدودة للقواعد على الانتظار.

اقرأ أيضاً: لماذا لن تصلح الصوفية بديلاً للجماعات الإسلاموية؟
ولا يتطلب التشكيك في إمكانية تأسيس دولة إسلامية بالمطلق (حتى عتاة الأيديولوجيين الإيرانيين اكتشفوا بعد مرور أقل من عقد على ثورتهم أنّ الدولة الإسلامية ليست أكثر من وهم سيطاردونه إلى الأبد) حصافةً سياسية؛ بل يتعلق الأمر بأبسط مستويات الإدراك السياسي في ظلّ تداعي كافة الأشكال الأيديولوجية للدول، بما في ذلك أيديولوجيات بالغة التطور كالاشتراكية، أو الليبرالية مؤخراً.
مؤكد أنهّ ليس على غير الإسلاميين تقديم النصيحة للإسلام السياسي، هذا أكثر شيء عبثي يتداوله العلمانيون دون تبصُّر، فلو قدّم جناح ما، أو مجموعة إسلامية ما، أيّة مراجعة أيديولوجية، سيتم طرده خارج "الجيتوهات الإسلامية"، وإلحاقه بالعلمانيين فوراً (حزب التيار المصري مثال نموذجي)، لكن الأكثر تأكيداً؛ أنّه لا يعقل أن يخرج إسلاميو المهجر من حين لآخر بمبادرات من قبيل "لم شمل القوى السياسية"، و"تصحيح المسار "بهدف معارضة الاستبداد مع إبقاء ثوابت/ كوارث الإسلاموية دون مساس!".

اقرأ أيضاً: حكيم القروي: يجب على المسلمين أن ينتظموا ضدّ الإسلاموية
تراجع الزخم الإسلامي في مصر بفعل المشهد السياسي المشحون ضدّ "ثوابت الإسلام السياسي" بالذات (بما في ذلك العلاقة الإشكالية بين الدين والسياسة)، وهو ما يفرض على أيّة حركة، مجموعة، مبادرة أن تتخلى عن اعتبار الإسلام برنامجاً سياسياً، أو تصوُّر إمكانية "خلق مجتمع نقي"، أو نفي الحريات باسم الهوية، أو إمكانية نجاح أيّة "مجتمعات بديلة"، وهو التخلي الذي لا بوادر له بين الإسلاميين حتى اللحظة، وإن كانت هناك بوادر لرغبة انتهازية وميل لإعادة إنتاج الاستبداد مغطاة بادّعاء المظلومية.

لا يمكن الجدل بشأن ضعف وذيلية القوى العلمانية في مصر، وهذا ما يعطي للرهان الإسلامي العودة إلى صدارة المشهد

شعبياً؛ اهتزت بعمق العلاقة (غير المُفكّر فيها) بين الدين والسياسة، ولم يعد لدى الإسلاموية جديد تقدّمه في هذا السياق، بعد أن تآكلت مصداقية "السياسية الأخلاقية"، سوى الانسياق في رِهان ملء الفراغ السياسي/ الأيديولوجي، الحاصل باستجابات وخطابات ثورية/ دينية، في واقعٍ أصبح فيه التوجس من تسييس الدين سيد الموقف في مصر.
لا يمكن الجدل بشأن ضعف وذيلية القوى العلمانية في البلاد، وهذا ما يعطي للرهان الإسلامي في العودة إلى صدارة المشهد معناه، غير أنّ العنصر الحاسم في الرهان مفقود، وهو أنّ القاعدة الاجتماعية التقليدية للإسلام السياسي (الطلبة، صغار الموظفين، صغار العاملين بالقطاع الخاص، حديثو التمدّن) أصبحت على قناعة أكيدة بأنّ تأسيس نظام يوتوبي مسألة مُكلفة ومُهلكة دون جدوى، وقد دفعت هذه القاعدة بالذات أثماناً باهظة في خضم التحولات الراديكالية التي طالت البلاد؛ فتكيفت مع الواقع الجديد، وهو تكيُّف متوقع سوسيولوجياً.

اقرأ أيضاً: لماذا تتعثر مواجهة أفكار الجماعات الإسلاموية؟
أخفقت وانتهت إلى غير رجعة (ضمن لحظتنا التاريخية هذه)، كلّ مساعي الإسلاموية لفرض نظام شمولي (يبشر باستبداد هوياتي أعمق وأشد بأساً من أيّ استبداد عرفه العالم)، وعلى العكس؛ أسفرت هذه المساعي بالذات عن تأكيد تهميش الإسلاميين أكثر من أيّ وقت مضى، وتعدّى الأمر تحطُّمهم السياسي إلى اندلاع مواجهات أيديولوجية وثقافية شعبية مع خطابهم، وهو ما يعرّضهم لنبذ اجتماعي أشدّ وقعاً من عزلهم السياسي بقانونٍ ما مفروض من أعلى.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



بماذا أوصى تونسي نجا من كورورنا؟

2020-04-07

هو وحده يدرك كيف يبدو الشعور بالموت، فهو العائد إلى الحياة من جديد، بعد أن منحته العناية الإلهية والأطباء، أو كما يحلو له أن يسميهم "ملائكة الرحمة" حياةً جديدةً، إثر شفائه كأوّل حالةٍ أُصيبت بفيروس كورونا المستجد في تونس، رغم قلة التجهيزات والإمكانيات الطبية.

اقرأ أيضاً: مليونية "كورونا" والسقوط الإنساني
محمد الغزال (43 عاماً)، أصيل محافظة قفصة (جنوب تونس)، الذي عاد من إيطاليا (أكثر البلدان التي سجلت وفيات وإصاباتٍ بفيروس كورونا)، يوم 27 شباط (فبراير) 2020، وأُعلنت إصابته بالفيروس في 2 آذار (مارس) 2020، بدا أكثر قوّةً وتماسكاً، وهو يدعو التونسيين إلى ضرورة تنفيذ قرارات السلطات، والالتزام بالعزل الصحي للمحافظة على حياة من نحبهم والعودة إليهم، وفق ما قاله لـ "حفريات".

 تونس توقف جميع الرحلات الجوية والبحرية في إطار حربها على الكورونا
وكانت محافظة قفصة قد سجلت حالةً وحيدةً من إجمالي 75 حالة إصابة و3 حالات وفيات في تونس، إلى حدود 22 آذار (مارس) 2020، ويتوقع المسؤولون بقطاع الصحة، ألّا تصل تونس إلى مراحل خطيرة في مواجهة هذا الوباء، في حال التزم الشعب بالتعليمات التي أعلنها رئيس الدولة، ورئيس الحكومة.

الناجي محمد الغزال: يجب اتباع الإجراءات التي أقرتها وزارة الصحة، خاصةً العزل الصحي من أجل الشفاء

وبحسب آخر الإحصائيات المسجلة، حتى أول من أمس الأحد، بلغ عدد إصابات فيروس كورونا في تونس 574 حالة و22 وفاة، بحسب وزارة الصحة.
يقول محمد غزال لـ "حفريات"؛ إنّه مقيم في الخارج وتعوّد على قضاء عطلته الشتوية في تونس، وأنّه عاد إلى تونس من إيطاليا عبر باخرةٍ، حيث انتقلت إليه العدوى، مشيراً إلى أنّ الأعراض المعروفة عن الفيروس لم تظهر عليه خلال الأيام الأولى من عودته، لكنّه شكّ في إمكانية إصابته، خاصةً أنّ إيطاليا باتت تعدّ بؤرة لهذا الوباء، ولدى إجرائه تحاليل للاطمئنان على سلامته الصحية، تبيّن أنّه حامل للفيروس.
المتعافي الأوّل من كورونا أكد أنّه نُقل إلى أحد مستشفيات محافظة سوسة (ساحلية)، وخضع لعلاج عادي؛ لأنّه لم تظهر عليه أيّة أعراض (سعال، حرارة، ضيق في التنفس) طيلة إقامته بالمستشفى، داعياً العائدين من الخارج إلى ضرورة الالتزام بالحجر الصحي من أجل أحبائهم وبلادهم.
كابوس أسود
هذا "الطاعون الأسود" فتح قوساً مؤلماً ومثيراً للقلق؛ إذ أحدث هزّة قوية بعثرت نمط حياة الشعب التونسي، وأدخلتهم في دوامة من الخوف والرعب؛ إذ باتوا يتبعون إجراءاتٍ وقائية مشدّدة بوجه هذا الفيروس، ما ألزمهم البقاء في المنزل، وأجبرهم على اتّباع قواعد صحية قائمة بالأساس على التنظيف المستمر، كما غيّر عاداتهم الاستهلاكية اليومية.

اقرأ أيضاً: فيروس كورونا يفجر العنصرية ضد الأفارقة.. ما القصة؟
وخلت الشوارع من السياح ثم من التونسيين أنفسهم، بعد أن فرض عليهم حظر التجول جزئياً، ثم الحظر الصحي الشامل في مرحلة ثانية، على أن يلزموا بيوتهم ولا يغادروها إلا للضرورة القصوى، قبل أن تغلق المدارس والجامعات، وكذلك المطاعم والمقاهي، وتأجلت كل الأنشطة الثقافية والرياضية، ولم تبقَ غير محلات بيع المواد الغذائية والصيدليات مفتوحة.

الرئيس التونسي يدعو التونسيين إلى ملازمة بيوتهم وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى
تقول في هذا الشأن، حياة زيتوني (29 عاماً)، مواطنة تونسية عادت من تركيا مؤخراً، إنّها التزمت الحجر الصحي الذاتي فور عودتها، دون أن تشعر بأيّة أعراضٍ، كي تجنب عائلتها وأصدقاءها خطر العدوى، خاصّةً أنّها تعلم أنّ بداية هذا الفيروس تكون صامتة عادةً، ولا يمكن الجزم أو التنبؤ بالإصابة به أو معرفة أعراضه مبكراً.
الزيتوني تشير في حديثها لـ "حفريات"، إلى أنّها تحاول ملء فراغها بتصفح الإنترنت، والطبخ ومتابعة أفلامي المفضلة، بعد أن تغيّر سير حياتها اليومي، وتنصح "الجميع بالالتزام به لحماية البلاد، لأنّها مجرّد أيامٍ وستمر، ولأنّ تفشي الفيروس لا تمكن محاصرته إلا بهذه الطريقة".

اقرأ أيضاً: مخاوف من قنبلة موقوتة تتعلق بفيروس كورونا.. ما هي؟
من جانبه، أشار رئيس قسم لجنة الصحة بالبرلمان التونسي، خالد الكريشي، في تصريحه لـ "حفريات"، إلى أنّ اللجنة ظلّت في حالة انعقاد دائمٍ منذ تمّ تسجيل حالات إصابات بهذا الفيروس، وإنّها راقبت التعاطي الحكومي مع الأزمة، اقترحت جملةً من الإجراءات.
ونبّه الكريشي المسؤولين في القطاع الصحي إلى ضرورة اتّخاذ قرارات جريئة لمقاومة هذا الفيروس، وحماية التونسيين، وفي حال لم تتخّذ الإجراءات اللازمة فإنّ اللجنة ستستدعي كلاً من وزير الصحة، ووزير الداخلية، والدفاع لمساءلتهم حول الوضع الذي تمرّ به البلاد، وحول جهودهم في حماية التونسيين.
سخرية ولامبالاة
وواجه البعض الآخر من التونسيين الوضع بالتهكم والسخرية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وغاب الوعي عن جزءٍ منهم لم يتقيّد بالإجراءات الحكومية التي أقرّتها السلطات، حتى إنّ بعضهم أحدث مجموعةً على موقع فيسبوك باسم "مصابي فيروس كورونا في تونس"، يتبادلون فيها التعليقات الفكاهية والسخرية من الفيروس ومن الإجراءات التي تقوم بها السلطات التونسية لمواجهة تفشي الوباء.
ويرى الباحث في علم الاجتماع، معاذ بن نصير، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ الكورونا تسبب بظهور ما يُعرف بالخوف الاجتماعي لدى التونسيين، وهي حالة نفسية تسبّب القلق المفرط لدرجة الهوس عند التعرض لمواقف اجتماعية معينة مرتبطة بمعيشنا اليومي.

تونس تتخذ إجراءات وقائية هامة لمقاومة كورونا
ويؤكّد بن نصير؛ أنّ هذا الشعور بالخوف عادي أمام المخاطر والكوارث؛ حيث يعتمد الفرد إستراتيجيته الخاصة لتجنب المصيبة أو لخلق وسيلة دفاعٍ ذاتية؛ كالهروب، أو الابتعاد عن مكان الحادثة، أو في بعض الأحيان صنع سيناريوهات خيالية كوسيلة نفسية لتحقيق نوع من التوازن النفسي وإشباع الذات الخائفة، فتكثر بذلك الخرافات أو الشائعات عموماً، وهو ما يفسّر الكمّ الهائل من الإشاعات والأكاذيب الملقاة على قارعة الفيسبوك.

الكورونا تسبب بظهور ما يُعرف بالخوف الاجتماعي لدى التونسيين وهي حالة نفسية تسبب القلق المفرط لدرجة الهوس

الباحث في علم الاجتماع لفت أيضاً إلى وجود نوعٍ من الاستخفاف بهذا الوباء؛ إذ وصل الحدّ ببعض التونسيين إلى الضحك والتندر عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وهو سلوك طبيعي بالنسبة إلى الأفراد الذين يشعرون بأنّ الخطر بعيد عنهم، ولا يقلق وجودهم أو راحتهم، فيتعايشون مع الأمر كأنّه لم يكن.
وفسّر بن نصير لامبالاة بعض التونسيين أمام وقع الكارثة، بأنّه إستراتيجية يستعملها البعض للتخفيف من حدة المصيبة على نفسيته، ولمساعدته في تجاوز الألم، وتعدّ ردّة فعلٍ عكسيةٍ كي يتعايش مع الواقع المتأزم، فيلجأ إلى خلق الهزل والتندر داخل الفضاء الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي.
الطواقم الطبية على أشدّ استعدادها
هذا الفيروس لم يغيّر فقط نمط حياة الشعوب، ولم يشتّت فقط المجهودات الحكومية، بل غيّر أيضاً بوصلة حياة الطواقم الطبية، والممرضين بتونس، الذين كانوا أبطال هذه المعركة منذ بدايتها دون منازعٍ، ومحاربيها المجهولين، بعد أن غامروا بأنفسهم لإنقاذ من هاجمهم المرض، باعتبارهم الوحيدين الذين يتواصلون بشكلٍ مباشر مع المصابين.

اقرأ أيضاً: هل يمهد وباء كورونا لأفول نجم الولايات المتحدة؟
صعوبة عملهم تشتدّ بتدهور المنظومة الصحية بتونس، وظروف العمل في المستشفيات العمومية؛ بسبب النقص الفادح في أعداد المستشفيات الحكومية خصوصاً بالمحافظات الداخلية، فضلاً عن النقص الفادح في العنصر البشري، إلى جانب النقص الكبير في الفريق الطبي وشبه الطبي، بسبب ما تعانيه البلاد من هجرة الأدمغة، ورغم ذلك فقد تضافرت الجهود لإنقاذ حياة المصابين وذويهم.

تونس تخلو من كل مظاهر الحياة بسبب فيروس كورونا
ويرى رئيس قسم الاستعجالي بمستشفى سيدي بوزيد، واصل مكني، أنّ هذه الأزمة أدخلت عدّة تغييرات على العمل بالمستشفى؛ إذ تمّ تركيز وحدةٍ خاصّةٍ لمرضى نزلات البرد دون غيرهم، لتجنّب العدوى، كما تمّ تشديد المراقبة على حاملي أعراض الكورونا، لحماية أعوان المستشفى والأطباء والممرضين والمرضى.
وأفاد المكني في تصريحه لـ "حفريات"؛ بأنّ عدّة أطباء وممرضين بالقطاع الخاص، أو بالطبّ الشرعي قدموا إلى المستشفى وعبّروا عن استعدادهم للعمل طوعاً في حال اقتضت الحاجة، لافتاً إلى أنّ أغلب أعوان الصحة بالمستشفى الذي يشرف عليه لم يعودوا إلى منازلهم منذ أيام لتأدية واجبهم الوطني، في محاربة هذا "الطاعون".
رئيس قسم الاستعجالي قال أيضاً إنّهم تلقوا كميات مهمة من المساعدات من قبل بعض رجال أعمال الجهة والبرلمانيين، وتمثلت المساعدات في تقديم كميات من التجهيزات الطبية، ومواد التنظيف، ومواد للتعقيم.

للمشاركة:

ما جدية الانقلاب الأمريكي الإسرائيلي على النظام العراقي؟

2020-04-07

بين فترة وأخرى، تعمل قوى الإسلام السياسي الحاكمة في العراق، على ترويج فكرة الانقلاب العسكري على النظام من قبل الأطراف المعارضة البعثية أو الجانب الأمريكي، بغية كسب التعاطف الشعبي (الشيعي تحديداً)، الذي يخشى من العودة إلى الماضي، بعد فضاء الحرية الذي عاشته البلاد، رغم "مساوئ" النظام الحالي و"فساده غير المنقطع النظير".

اقرأ أيضاً: أمريكا تتخذ إجراءات دفاعية في قواعدها بالعراق

وسائل إعلام عراقية روجت في الأيام الماضية لإمكانية حدوث انقلاب عسكري، تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، بالتضافر مع جهود ضباط عراقيين لردع المحور الإيراني النافذ داخل السلطة في العراق، في حين تفاعلت وسائل التواصل الاجتماعي مع الفكرة، وفق ثنائية الأمنيات والسخرية بزوال "النظام الطائفي" من جهة، والتحذير من مخاطر المجهول من جهة أخرى.

وتعود فكرة الترويج للانقلاب العسكري، بعد عام 2003، إلى الحقبة الثانية لحكومة نوري المالكي (2010-2014)، الحكومة التي عمل إعلامها وفق منهجية وثقافة المؤامرة، والتغطية على أسئلة الشارع المحلي المطالب بالأمن والخدمات، في حين عادت لاحقاً مع انطلاق الاحتجاجات الأخيرة، لتعاود الظهور مجدداً في ظلّ الصراع الأمريكي الإيراني داخل العراق.

ماذا يقول تحالف الفتح؟
يذهب تحالف الفتح (بزعامة هادي العامري المقرب من إيران)، بقوة، إلى إمكانية حدوث انقلاب على النظام الديمقراطي القائم في العراق، وذلك بعد انحسار تأثيرات المحور الأمريكي على مراكز سلطة القرار في بغداد.

مواقع التواصل الاجتماعي تستقبل فكرة الانقلاب العسكري في العراق بروح النكتة والفكاهة والخلاص من الحاضر، ومراقبون يستبعدون

محمد الخضري، نائب عن الفتح، أكّد لـ "حفريات" "وجود مؤامرة كبيرة تصاغ ضدّ العراق بالكامل، بتخطيط أمريكي – إسرائيلي، ومؤسسات المجتمع المدني، والبعثيين والناس المغرضين، ومخابرات دول الجوار، بتأجيج الوضع الطائفي والمظاهرات، بتسييرها لجهة إسقاط النظام".
وأشار إلى أنّ "القوات الأمنية بأكملها تديرها العمليات المشتركة، ولن يتحرك جندي من مكان إلى آخر إلا بموافقة العمليات، ولا يمكن لوزير الداخلية أو الدفاع أن ينقل فوجاً من بغداد إلى ميسان، إلا بموافقة العمليات المشتركة"، مؤكداً أنّ "الأمريكيين وحلفاءهم يقفون وراء أيّ محاولة للانقلاب، نتيجة انحسار دورهم وتأثيرهم على الحكومة الحالية".
وعن الضمانة السياسية للنظام الحالي، بيّن الخضري؛ أنّ "وجود الكتل السياسية يمثل شراكة بين كلّ أطياف الشعب، السنّي والشيعي والصابئي والمسيحي، والأمن مشترك وكلّ شيء مشترك".

جدلية الانقلاب في السوشيال ميديا
واجتاحت فكرة حدوث انقلاب على النظام الحالي، مختلف مواقع التواصل الاجتماعي داخل العراق؛ حيث رحّب كثيرون بها، في حين استهزأ الآخرون بالساسة الحاكمين والقادمين أيضاً.
محمد لطيف، مدون في الفيسبوك، علّق على الفكرة قائلاً: "الوضع بائس، من يأتي سيكون أكثر بؤساً، رحل صدام حسين الفاسد، وجاء من هم أفسد منه"، مضيفاً "لا تتأملوا شيئاً في ظلّ بلاد تعيش أزمة وطن وأزمة مجتمع"، موضحاً: "المشكلة ليست في هذا النظام أو ذاك، بين المشكلة هي في مجتمعنا المنتج لساسة وقادة وجنرالات فاسدين موالين لدول الجوار والولايات المتحدة الأمريكية".

اقرأ أيضاً: القضاء على الميليشيات الإيرانية حاجة عراقية
وعلى النقيض من تشاؤم لطيف، يرحّب أحمد الموسوي بأية محاولة للخلاص من الطبقة الحاكمة التي وصفها بأنّها "أوغلت كثيراً في دماء العراقيين".
وأكّد، على صفحتهِ بالفيسبوك، أنّ "الدماء التي سالت تتحملها السلطة القائمة منذ 16 عاماً، ولا سيما الدماء التي سالت في ساحات الاحتجاج"، مبيناً أنّ "الساسة بعد 2003 لم يقدموا نموذجاً مختلفاً عن نموذج النظام السابق، لا سيما أنّهم جاؤوا بآليات ديمقراطية وليست ديكتاتورية"، وتابع "مرحباً بأيّ انقلاب، لعلنا نعيش مستقبلاً أفضل".

محللون "الانقلاب أكذوبة لا أكثر"
من جهتهم، رأى محللون سياسيون عراقيون، أنّ إمكانية إحداث انقلاب سياسي "غير الممكن" في الظرف الاجتماعي والسياسي العراقي.

باحثون اجتماعيون لـ "حفريات": الذهنية العراقية قابلة لنظرية المؤامرة، لذا هي تصدق أيّ ترويج لفكرة الانقلاب

ويقول الدكتور خالد العبيدي، محلل سياسي، لـ "حفريات": "زمن الانقلابات العسكرية، والتغيير من الخارج، ولّى، نحن اليوم نعيش عصر التأثير في القرار السياسي من قبل فاعلين دوليين يعملون في الخفاء"، لافتاً إلى أنّ "الواقع الاجتماعي المنقسم في العراق لا يسمح بقيام أيّ انقلاب، لا سيما أنّ التركيبة الحالية للنظام العراقي، هي تركيبة طائفية قومية".
وأكّد "محاولة الانقلاب في الظرف الراهن، أكذوبة لا أكثر، وإن وجدت، ستعمل على شقّ الهوية الوطنية ووحدة البلاد، من خلال إعلان الكرد استقلالهم، ومقاومة الميليشيات الشيعية لأيّ طارئ جديد على السلطةِ غيرهم، وهم ما يعدّ تغييراً سنياً، يفضي بالنهاية إلى قتال طائفي بين السنّة والشيعة".
وأشار العبيدي إلى أنّ "القوى الدولية الممتعضة من التدخلات الإيرانية داخل العراق، لا تريد زعزعة الاستقرار النسبي للأخير، والذي جاء بعد قتال مرير مع الإرهاب، وبدعم أمريكي وإيراني للحكومة العراقية على حدٍّ سواء".

الذهنية العراقية وثقافة المؤامرة
لا يختلف العراقيون عن غيرهم من الشرقيين في اعتناق ثقافة ونظرية المؤامرة، التي يعدّها باحثون في علم النفس الاجتماعي "طبيعة شرقية" تساهم الأنظمة الحاكمة في ترسيخها.

اقرأ أيضاً: سياسيون عراقيون ينددون بجعل بلادهم حلبة صراع إيراني- أمريكي
أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة ميسان، عباس الساعدي، يؤكد أنّ "الطابع الفكري للفرد العراقي يقوم على ثقافة التلقي والتصديق في كلّ شيء مثير، دون العودة للتفكير والتمحيص والتدقيق"، عازياً ذلك إلى "ثقافة البيئة الشرقية عموماً والعراقية تحديداً، التي تؤمن بالثأر والغنيمة والتسقيط والانقلاب على الآخر".

ويضيف لـ "حفريات": "العقل المرن، لا يسمح بثقافة كهذه، تخترق عقله، وتسيّر واقعه، وفق إشاعات تطلق من هذا المحور أو ما يناقضه، بل سيروم إثارة الأسئلة حول الموضوع المثار، للوصول إلى حقيقة وجوده من عدمه، ويتخذ حينها قراره النهائي".
وأكد الساعدي؛ أنّ "الأنظمة السياسية الحاكمة هي من تفاقم نظرية المؤامرة في الذات العربية، عبر زجّها بالمناهج الدراسية وتناول مفاهيمها من خلال وسائل الإعلام ومحتويات التواصل الاجتماعي في المجمل العام"، متسائلاً: "كيف سيخرج الفرد في ظلّ هكذا فضاء ثقافي ملغوم؟!".
الانسحاب الأمريكي من قواعده العسكرية
وفي ظلّ تطورات الأوضاع في العراق، أعلنت قوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، انسحابها من القواعد العسكرية التابعة لها في العراق.
بيان لقيادة العمليات المشتركة العراقية قال إنّه "بناء على نتائج الحوارات المثمرة بين الحكومة العراقية، والتحالف الدولي، جرت إعادة الموقع الذي كانت تشغله بعثة التحالف داخل معسكر "k1"،  في محافظة كركوك، شمال البلاد، إلى القوات العراقية"، وأضاف: "تسليم المعسكر تمّ بعد انسحاب التحالف الدولي منه وفق التزامه بإعادة المواقع التي كان يشغلها ضمن القواعد والمعسكرات العسكرية العراقية".

اقرأ أيضاً: العراق في النفق الأمريكي الإيراني
وبدأت قوات التحالف الدولي ضدّ الإرهاب بتقليص قواعدها في العراق، بتسليم أول قاعدة عسكرية لها، للجيش العراقي، بعد أيام من تقديم الحكومة العراقية شكوى دولية ضدّ الانتهاكات الأمريكية، التي تسببت بمقتل 6 وإصابة 12 من أفراد الأمن، بدايات الشهر الجاري.
وأعلنت خلية الإعلام الأمني العراقي، الخميس الماضي، أنّ القوات الأمنية العراقية، تسلمت قاعدة القائم العسكرية في محافظة الأنبار، غرب البلاد، بعد انسحاب قوات التحالف الدولي منها مع تجهيزاتها العسكرية كافة.

للمشاركة:

لماذا قتل المنصور أبا مسلم الخراساني؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2020-04-07

في عقده الثالث، مات "أبو مسلم الخُراساني"، مقتولاً على يد الخليفة العباسي الثاني "أبو جعفر المنصور"، بعد أن حمل لواء الدعوة العباسية، ومكّن بني العباس من مقاليد الحكم، لكنّه ظلّ حياً في الوجدان الشعبي الفارسي، الذي وصل به الأمر إلى اعتباره المهدي المنتظر الذي سيعود في آخر الزمان فيرسي في الأرض عدلاً ورحمة، لكنّه لم يعد، بل تجسد في شخصيات أخرى، كان أهمّها بابك الخرمي ودعوته التي كانت أهم معوّل هدم لحكم بني العباس.

حمل لواء الدعوة العباسية ومكّن بني العباس من مقاليد الحكم

الرضى من آل محمد
لأكثر من ثلاثة عقود، انتشر العباسيون في ربوع البقاع الإسلامية، بدعوتهم التي في ظاهرها تحالف مع أبناء عمومتهم من العلويين، إلى جانب عنصر الموالي الذي كان الأكثر حقداً على حكم بني أميّة، وتحت شعار "الرضى من آل محمد"، اجتذبوا خصوم السلطة لصفوفهم، ونظموا أنفسهم بشكل غير مسبوق لانتزاع الحكم من أبناء معاوية.

كان أبو مسلم الخراساني أبرز ما أنتج الصراع الاجتماعي الاقتصادي، الذي أجّجه الأمويون من سيادة النفوذ العربي

ولكن كان سبب النجاح عاملاً اجتماعياً مهماً، وهو ما يسمى في الاصطلاح الحديث "الصراع الطبقي"، الناجم عن صراع الموالي "وهم من أسلم من غير العرب: أي الفرس والسريان وغيرهم"، الذين عوملوا من قبل الدولة كمواطنين من الدرجة الثانية، وكانت الصراعات القبلية العمياء بين المضرية واليمنية بشكل خاص تلعب دوراً في هذا الضعف الأموي؛ إذ إنّ خطاب الدولة الأموية كان أشبه بما نعرفه اليوم بخطاب اليمين المتطرف، فهو يسعى لسيادة الجنس العربي على غيره، حتى وهم من دينه نفسه، وهو عكس ما أتى به الإسلام ونبيه، فكان الموالي يعاملون بشيء من التعالي، ولا يتقلّدون المناصب الإدارية العليا، وغير مسموح لهم بالتجنيد في الجيش، وهو ما زاد حنق الموالي عليهم، خاصة الفرس الذين دخلوا الإسلام جموعاً في بداياته، ورغم ذلك فرضت عليهم الجزية!

مقتل الخُراساني كان سبباً أولياً أدّى إلى تراكم هزّ وزعزعة نفوذ العباسيين

ويرى أستاذ التاريخ بجامعة الإسكندرية، أحمد مختار العبّادي، في كتابه "في التاريخ العباسي والأندلسي"؛ أنّ "تذمّر الموالي من سوء المعاملة والتفرقة العنصرية بينهم وبين العرب، كان من أهم عوامل سقوط الأمويين، وانتصار دعوة العباسيين، الذين استغلوا هذا الحنق بجانب الحقد التاريخي من العلويين الذين انتزع حقهم في الخلافة انتزاعاً، لذا فإنّ ثورات الفرس، خاصة في خراسان، هي ما أرهق خلفاء بني أميّة، الذين لم يكفوا عن إخماد ثورة تقوم تلو الأخرى، وكانت في الأساس ثورات مطلبية، بحثاً عن مساواتهم بالمسلمين العرب، ورفع الجزيات والضرائب التي أرهقت العامة، خاصة الفلاحين منهم، لذلك فإنّ دعوة العباسيين التي كانت الأكثر تنظيماً عما قبلها من ثورات، وبفضل "أبو مسلم الخراساني"، الذي تولى زمام تلك الدعوة وهو في العشرينيات من عمره، ونجح في تنظيم الجماهير، حتى أنّه بات رمزاً لتلك الثورة، التي ستُعلي من شأن الموالي، خاصة الفرس منهم، وبحسب كتاب "مروج الذهب ومعادن الجوهر"، للمؤرخ المُعتزلي "أبو الحسن المسعودي"؛ فإنّ نسَب أبو مسلم متنازعٌ عليه، فمنهم من يرى أنّه من العرب، لكن رجّح المسعودي، أنّه كان عبداً فارسياً ثُمّ اعتنق الإسلام، واتصل بإبراهيم بن محمد حامل لواء الثورة على بني أمية، وأوكلت إليه القيادة لما رأى فيه من الذكاء والقوة وقدرة على التأثير في الجموع.
اللمسة الفارسية
ربما أكثر ما أكد عليه المؤرخون من مختلف المدارس؛ أنّ النفوذ الفارسي في الدولة العباسية، كان الأكثر حضوراً، حتى في ظلّ تواجد العنصر التركي، لكنّه لم يكن بالأثر نفسه الذي تركه الفرس على تلك الحقبة، يتجلى هذا في أبهى صوره من خلال تتبع المنتج الثقافي والعلمي والاجتماعي، الذي كان الفرس يتصدر مشاهده المهمة، حتّى إنّ المؤرخ المصري، عبد الحميد العبادي، يجزم بأنّ معظم العلوم والفنون التي ترجمت وألفت في تلك الحقبة، كانت بفضل الفرس، الذين عدّهم وقود الثورة، واصفاً تلك الحقبة بأنها "نهاية السيادة العربية"، حتى في المراحل اللاحقة للخلافة، لم يعد العنصر العربي مهماً كما كان في عصرالأمويين، وكان الفضل الأول في هذا يرجع لقيادة قائد محنك وذكي، وله من الحضور ما جعل كلمته مسموعة في الأمصار، حتّى إنّ الخليفة الأول للعباسيين، كان يستعين به في التفاهم مع المعارضة بالشكل السياسي أحياناً، والحرب غالباً، لإخماد أيّ تمرّد يلوح في الأفق، وهو ما استفزّ "أبو جعفر المنصور"، ثاني الخلفاء، الذي أدرك في قرارة نفسه أنّ السلطة لا تقتسم، وأنّ المنافس الوحيد له على كرسيّ الخلافة كان الخراساني، فكان من اللازم التخلص منه.

كتاب "مروج الذهب ومعادن الجوهر"، للمؤرخ المُعتزلي "أبو الحسن المسعودي"

غير أنّ هذا الخوف بدأ منذ حكم "أبو العباس السفاح"، الذي حاول الحدّ من نفوذ الخراساني، الذي بعد أن أرسى قواعد حكم العباسيين (132هـ)، ظلّ يقود جيوشه لقيود الثورات التي انطلقت عامين متواصلين حتى 134هـ، حتى وصل إلى أواسط آسيا، وهزم جيوش الصينين، التي دخلت للمرة الأولى حروباً مع المسلمين، وهو ما جعل نفوذه وحضوره يطغى بين الجماهير، فلمّا طلب الحج، عام 135هـ، بحراسة عشر آلاف جندي، رفض الخليفة وأمره بأخذ ألف فقط، وأمر أخاه المنصور بأن يحجّ في العام نفسه، وهنا بدأ "أبو مسلم" يشعر بالخطر، وأنّ العباسيين يحاولون تقويض نفوذه، بل كان نذيراً بأنّ نهايته قد اقتربت، كما يروي المسعودي، ولكن سرعان ما مات "أبو العباس"، وتولى "المنصور"، الذي كان حريصاً على نهاية هذا النفوذ، وهو ما يؤكّده أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة طنطا، الدكتور محمد  فياض، في حديثه لـ "حفريات" قائلاً: "كان تخلص "أبو جعفر المنصور" من الخُراساني، أمراً طبيعاً، يدخل في إطار تصفية الخصوم السياسيين؛ لأنّه أدرك أنّ نفوذ هذا الرجل مُهدّد لنفوذ دولتهم التي سارعت لترسيخ قواعد حكمها بنسب ظلّ الألوهية لخلفائها، ولفقت العشرات من الأحاديث المنسوبة زوراً للنبي تتحدث عن مشروعية حكمهم".
الأفكار لا تموت
وأردف قائلاً: "لكنّ هذا الاغتيال لم يمنع من حضور "أبو مسلم الخراساني" في الذهنية الفارسية، التي ظلّ حنقها مستمراً، وسيكون هو سبب انهيار تلك الدولة كما كان سبب بنائها"، وبناء على  ما خطّ المؤرخ الفارسي، وأحد أشهر وزراء السلاجقة "نظام الملك"، في كتابه "سير الملوك"؛ فإنّه لما قُتل مزدك قبل الإسلام، وكان أول من حثّ في تلك المناطق على شيوعية الأراضي والمال بين الناس كطريقة للعدالة، خرجت زوجته تبشر سراً بأفكار زوجها، وانتشرت أفكاره في تلك الحقبة، حتى بدأت تتجلى من جديد، في الصراع الطبقي بين الموالي والعرب، فاتخذ "أبو مسلم" من هؤلاء الناس أتباعاً له، وبشرهم بعدالة جديدة تنتظرهم إذا ما أسقط الأمويين، لذلك فجّر قتله غضب هؤلاء الطامحين إلى العدالة، بعد أن قتله المنصور في قصره، عام 137هـ، وعليه خرجت جماعات وفرق انتشرت في خراسان والعراق، تسمي نفسها "المسلمية"، نسبة إليه، ومنهم من آمن بأنّه المهدي المنتظر، منتظرين عودته في آخر الزمان؛ إذ تزعّم تلك الحركة رجل من نيسابور، يدعى سنباذ، ودعا للثورة ضدّ المنصور، واستطاع الخليفة قتله بعد 70 يوماً من الجهر بدعوته في طبرستان.

بنى الخراساني نفوذه على حبّ الناس وتعلقهم بفكرة العدالة التي سيحققها، وهو ما سيتبلور في الثورات التي قامت لاحقاً

يزعم الباحث في التاريخ الإسلامي ممدوح مكرم، في حديثه لـ "حفريات": أنّ "مقتل الخُراساني كان سبباً أولياً أدّى إلى تراكم هزّ وزعزعة نفوذ العباسيين؛ إذ بنى الرجل نفوذه على حبّ الناس وتعلقهم بفكرة العدالة التي سيحققها، وهو ما سنجده في الثورات التي قامت لاحقاً، خاصة القاضية الناهية على نفوذ بنو العباس، وهي ثورة بابك الخرمي، التي صدّعت دعائم هذا الحكم، وكان السقوط مرحلة وقت ليس أكثر"، لم يمضِ على هذا الصراع الذي سرعان ما أخمده المنصور سوى خمسة عقود، حتى استعادت الجماهير روحها الثورية، ومنحها حرب الخصوم الآخرين وقتاً إضافياً؛ إذ انصرف المنصور إلى قمع ثورات العلويين الذين زاد حنقهم على أبناء عمومتهم الذين أخذوا الخلافة بعد أن أيّدهم العلويون واتفقوا على اقتسامها، وانصرف الرشيد، بعد المنصور وابنه، إلى حرب الخوارج الذين استطاع القضاء عليهم، ثم تركوا المأمون ابن الرشيد وحيداً أمام نفوذ بابك الخرمي، الذي ظهر كبطلٍ للخراسانيين، الذين عدّوه إحياءً لأفكار سلفه، بينما رآه آخرون إحياء لأفكار مزدك الاجتماعية، على الأقل؛ إذ اعتمدت دعوته على مشاعية الموارد، ومنع اكتناز الثروة، وتقسيم الإنتاج حسبما يحتاج كلّ فرد.

ربما كان "أبو مسلم الخراساني" حلقة الوصل بين المزدكية والخرمية، لكنّه كان أبرز ما أنتج الصراع الاجتماعي الاقتصادي، الذي أجّجه الأمويون من سيادة النفوذ العربي، واستغلال الموالي باعتبار الجنس، غير مبالين بالمساواة الدينية، لكن ما أكده المؤرخون، أنّه أنشأ الدولة العباسية، وقتله كان أول معاول هدمها، الذي لم يستلزم سوى الوقت والثورات التي أضعفت الخلفاء واحداً تلو الآخر.

للمشاركة:



الكورونا يعصف بإيران.. ورئيس السلطة القضائية يرد على روحاني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

أعلن المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية، كيانوش جهان بور، أمس، عن أحدث الإحصائيات الرسمية حول عدد المرضى وضحايا فيروس كورونا؛ حيث تم تسجيل 2274 حالة إصابة جديدة، فيما توفي 136 شخصاً في إيران، خلال الأربع وعشرين ساعة الماضية. وهكذا يكون العدد الإجمالي للأشخاص المصابين بفيروس كوفيد-19 في إيران 60500، فيما بلغ عدد الوفيات 3739.

العدد الإجمالي للأشخاص المصابين بفيروس كورونا في إيران 60500، وعدد الوفيات 3739

وقال المتحدث باسم مركز مكافحة كورونا بوزارة الصحة الإيرانية إنّ 4083 مريضًا في حالة حرجة ويخضعون للعناية، وإنّ إجمالي عدد الأشخاص الذين تماثلوا للشفاء 24236 شخصًا، وفق ما أوردت وكالة "ايران انترناشونال".

وذكر المسؤول عن مكافحة  كورونا في طهران، علي رضا زالي، أمس: "لم نصل بعد إلى مرحلة السيطرة على هذا المرض، ولكنه في ازدياد"، مضيفًا: "وصلت كورونا إلى مرحلة الوباء في طهران، كما أنّ التقلبات في طهران ترجع إلى التحذيرات التي وجهناها في الأيام السابقة".

ومن جهته، قال رئيس السلطة القضائية الإيرانية، إبراهيم رئيسي، في اجتماع لكبار المسؤولين القضائيين، إنّ "الإجراء الاحتياطي هو إعطاء الأولوية لحماية حياة الناس، في الخيار بين الصحة العامة وبدء النشاط الاقتصادي".

ويمكن تفسير تصريحات رئيسي على أنّها رد فعل على تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني، أول من أمس، التي قال فيها إنّه اعتبارًا من يوم 11 نيسان (أبريل) الحالي، يمكن للقطاعات الاقتصادية في إيران أن تبدأ أنشطتها بشكل "محدود".

وأضاف رئيس السلطة القضائية الإيرانية أيضًا: "يجب أن لا يكون هناك أي تناقض في الأخبار المنشورة حول القرارات التنفيذية حتى لا يصبح الناس في حيرة من أمرهم".

رئيسي: إنّ الإجراء الاحتياطي هو إعطاء الأولوية لحماية حياة الناس في الخيار بين الصحة والاقتصاد

هذا وأظهرت نتائج استطلاع رأي تم إجراؤه على الإنترنت في إيران أنّ ثقة الشعب في أداء المسؤولين الإيرانيين وتصريحاتهم حول أزمة فيروس كورونا "أقل من المتوسط"، كما تظهر النتائج أنّ الثقة في تصريحات المسؤولين أقل من ذلك بكثير بين الشرائح الضعيفة في المجتمع.

وبناءً على هذا الاستطلاع الذي تم نشر نتائجه وتفاصيله أمس على قناة "مراقبة السياسة الإيرانية" التلغرامية، فقد منح المشاركون 3.3 درجة من 10 درجات على الأسئلة الخاصة بتصريحات المسؤولين وأدائهم حول فيروس كورونا.

وأشارت التحليلات الجارية على نتائج استطلاع الرأي، إلى أنّ النتائج تظهر مستوى "أقل من المتوسط" من الثقة العامة في تصريحات مسؤولي النظام الإيراني حول فيروس كورونا

للمشاركة:

التحالف العربي يكبد الحوثيين خسائر كبيرة.. تطورات المعارك في اليمن

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

كثّفت مقاتلات التحالف العربي، اليوم، قصفها لمواقع وتجمعات حوثية في محافظة البيضاء وسط اليمن.

وقالت مصادر ميدانية نقلت عنهم صحيفة "اليمن العربي"، إنّ المقاتلات الحربية شنّت، اليوم، سلسلة غارات على مواقع وتجمعات الميليشيات في مديرية ناطع، والتي تشهد منذ منتصف ليل أمس، مواجهات عنيفة بين قوات الجيش والميليشيات المدعومة من إيران.

مقاتلات التحالف العربي تشن سلسلة غارات على مواقع وتجمعات ميليشيات الحوثيين في البيضاء

وأكدت المصادر أنّ الغارات أسفرت عن مقتل وإصابة عدد من مسلّحي ميليشيات الحوثي، إضافة إلى تدمير آليات وأسلحة وذخائر متنوعة.

في سياق متصل، أحبطت القوات المشتركة  هجومين لميليشيات الحوثي الانقلابية في محافظة الحديدة، غربي البلاد.

وقالت ألوية العمالقة المشاركة ضمن القوات المشتركة على حسابها في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، إنّ القوات تصدت لهجومين منفصلين شنتهما ميليشيات الحوثي على مواقعها شرق الدريهمي وشارع الخمسين شرق مدينة الحديدة.

وأفاد مصدر عسكري بأنّ القوات المشتركة أوقعت عدداً من القتلى والجرحى في صفوف الميليشيات، وألحقت بها خسائر فادحة في العتاد.

هذا وأقدمت ميليشيات الحوثي على استحداث مواقع عسكرية جديدة في منازل ومزارع المواطنين شمال غرب مركز مدينة حيس جنوب الحديدة.

القوات اليمنية تصدت لهجومين منفصلين شنتهما ميليشيات الحوثيين على مواقعها شرق الحديدة

ويظهر تصوير للقوات المشتركة قيام الحوثيين بنصب مربض لمدفع هاون بالقرب من منازل المواطنين، واستحداث متارس قتالية داخل المزارع ونشر قناصة في المنازل وبناء خيمة لتسهيل عملية تموين الميليشيات.

وتوزعت مواقع ميليشيات الحوثي المستحدثة في مناطق بيت بيش وبني قوبع ومثلث العدين من جهة الشمال، وفي مناطق الحلة والحمينية وشعب بني زهير شمال غرب حيس.

هذا وقامت الميليشيات مؤخراً بتهجير المواطنين قسراً لتحول منازلهم ومزارعهم إلى ثكنات ومتارس عسكرية لها في ظل تصعيدها العسكري للهدنة الأممية بمحافظة الحديدة.

وتواصل القوات المشتركة اليمنية توجيه ضربات موجعة للحوثيين جراء خروقاتهم المتكررة للهدنة الأممية في مختلف جبهات القتال بالحديدة.

للمشاركة:

فيروس كورونا يفجر العنصرية ضد الأفارقة.. ما القصة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

وصف المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبرسوس، تصريحات طبيبين فرنسيين حول ضرورة تجربة علاج ولقاح فيروس كورونا في أفريقيا، بـ "العنصرية المخزية والمرعبة"، وهي من بقايا عهد الاستعمار.

وأضاف أنّ "أفريقيا لن تكون ساحة اختبار لأي لقاح"، وأردف "إذا كانت هناك حاجة للاختبار في مكان ما، فيجب معاملة الناس على قدم المساواة. لقد آن لبقايا العقلية الاستعمارية أن تتوقف، لن تسمح منظمة الصحة العالمية بحدوث ذلك. إنّه لأمر مخز أن نسمع مثل هذه التصريحات من العلماء في القرن الحادي والعشرين. نحن ندين بشدة هذه التصريحات".

غيبرسوس: تصريحات الفرنسيين حول تجربة لقاح كورونا في أفريقيا عنصرية ومخزية ومرعبة

وكان الطبيب الفرنسي، جان بول ميران، دعا في برنامج تلفزيوني، إلى تجريب لقاح لعلاج فيروس كورونا المستجد على سكان أفريقيا.

وأثار برنامج، بثته قناة LCI الفرنسية، غضب ناشطين أفارقة، بعدما عرض أحد ضيوفه تجريب لقاح مفترض ضد كورونا في أفريقيا، على غرار تجربة أدوية للإيدز.

وكان الطبيب جون بول، رئيس قسم الإنعاش بمستشفى "كوشان" في باريس قد طرح سؤالاً على كاميل لوشت، مدير الأبحاث في مؤسسة "باستور" في مدينة ليل، بخصوص تجريب لقاح "بي سي جي"، المحارب للسل، ومدى فاعليته في مقاومة فيروس كورونا المستجد باعتبار أنّ المرضين يهاجمان الجهاز التنفسي.

وبدأ موران حديثه: "إذا كان بإمكاني أن أكون مستفزاً، أليس علينا إجراء هذه الدراسة في أفريقيا، حيث لا توجد أقنعة طبية، ولا علاج، ولا أسرة إنعاش، كما فعلنا من قبل في موجة الإيدز، عندما جربنا الأدوية على المومسات، لأننا نعلم أنهن أكثر عرضة، ولا يستعملن وسائل وقاية"، ورد عليه لوشت: "أنت محق ونحن نفكر بالموازاة بدراسة في أفريقيا، ويجري، حالياً، تقديم عرض، لكن هذا لا يمنع من التفكير في إجراء تجارب في أوروبا، وأستراليا أيضاً".

وأثار الحوار المذكور بين الطبيبين موجة من الغضب بين ناشطين من القارة الأفريقية، إذ اعتبروا ما جاء على لسانيهما غاية في العنصرية.

مجلس الأمن الدولي يعقد بعد غد أول اجتماع له حول فيروس كورونا المستجد

وفي سياق متصل بالوباء العالمي، يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس أول اجتماع له حول فيروس كورونا المستجد، الوباء الذي أثار على مدى الأسابيع الماضية انقسامات شديدة في صفوف الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس.

وكان تسعة من الأعضاء العشرة غير الدائمي العضوية في المجلس طلبوا الأسبوع الماضي، عندما سئموا من النزاعات الدائرة حول كوفيد-19 بين الأعضاء دائمي العضوية، ولا سيّما بين الولايات المتحدة والصين، عقد اجتماع حول الوباء، تتخلّله إحاطة من الأمين العام للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش.

وبحسب مصادر دبلوماسية، فإنّ الغموض ما زال يكتنف ما ستؤول إليه هذه الجلسة وما إذا كانت ستكرّس الانقسامات التي تباعد بين أعضاء المجلس بشأن الوباء، أو ستمثّل مناسبة يبدي خلالها أعضاؤه رغبة في الوحدة والتعاون، على غرار ما حصل في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أصدرت الخميس الماضي قراراً بإجماع أعضائها الـ193 على الرّغم من محاولة روسيا عرقلته.

ويكمن أحد أسباب الخلاف في إصرار واشنطن على تضمين أيّ بيان أو قرار يصدر عن مجلس الأمن، فقرة تشير إلى الأصل الصيني للوباء، وهو ما ترفضه بكين بشدة.

للمشاركة:



دولة الولي الفقيه.. هل تختفي بعد العاصفة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

فاروق يوسف

بعد أن سقط أكثر من ستين ألفا من البشر موتى لا يمكن الاستهانة بالحرب الدفاعية التي تقاوم البشرية من خلالها فايروسا، لا تزال إمكانية القضاء عليه مرهونة بتجارب وبحوث مختبرية لن تعلن نتائجها في وقت قريب.

حرب غير مسبوقة سواء من جهة نوعها أو من جهة رقعتها الجغرافية كشفت عن عيوب خطيرة في تقنيات دفاع الإنسان عن نفسه. لم يكن الاطمئنان القديم في محله. لقد تبين أن جبهة الإنسان بكل تحصيناتها كانت ممكنة الاختراق.

ذلك ما يجعلنا نعيد النظر في مسألة وجودنا على مستويات متعددة.

فإذا كانت القطاعات الصحية في دول متطورة كإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة، تسعى إلى إبعاد شبح الانهيار عنها بصعوبة، فهل يمكن التعويل على دول، قطاعاتها الصحية منهارة ولا تؤدي واجبها اليومي في علاج الأفراد بشكل صحيح؟

إيران تقف في مقدمة تلك الدول، وتليها دول عربية عديدة تعاني أصلا من تخلف وفقر قطاعاتها الصحية. وإذا كان كذب إيران في إحصاءاتها قد صار مفضوحا بالنسبة للعالم بسبب كونها بؤرة وباء، فإن دولة كالعراق تم تطبيع الموت فيها لا يمكن أن تكون أرقامها مصدر ثقة.

فالقطاع الصحي في العراق وفق المعطيات المعروفة لا يمكنه أن يتصدى لأمراض البرد العادية، فكيف به وهو يواجه مرضا يضرب الرئة ويقضي على فريسته في وقت قصير؟

عمليا فإن القطاع الصحي تهاوى في العديد من الدول ولم يعد قادرا على تقديم أقل الخدمات نفعا للمرضى. ليست هناك أسرّة كافية. كما أن غرف الإنعاش تكاد تكون مفقودة. أما أجهزة التنفس فلا يمكن التفكير بوجودها.

لم تكن تلك الدول مستعدة لحماية الأفراد وعلاجهم لذلك اكتفت بالاستعراض الإعلامي وهي تقف مكتوفة الأيدي أمام وباء جعل المجتمع كله مريضا.

ما صار جليا بعد مرور حوالي ثلاثة أشهر على ظهور الوباء العالمي أن المجتمعات تحتاج إلى وجود الدولة القوية بمفهومها الجذري الحقيقي، لا لأن تلك الدولة تدرأ الأخطار الصحية فحسب، بل وأيضا لأنها تكون مستعدة للتعامل مع تداعيات ما بعد الأزمة والتي تتعلق بالاقتصاد بشكل خاص.

ذلك امتحان حقيقي ستجتازه الدول الحقيقية بصعوبة، أما الدول الزائفة وقد سلمت شعوبها للموت المجاني فإنها ستتشبث برجاء الاعتراف الدولي بها باعتبارها دولا على الورق. أما واقعيا فإنها لا تستحق حتى ذلك الاعتراف الذي لا يقدم ولا يؤخر.

أكثر من 190 دولة لها سفراء في الجمعية العامة للأمم المتحدة. ذلك الرقم يجعل اجتماعات تلك المنظمة أشبه بالحفلة التنكرية. أعتقد أن هناك حاجة إلى أن يكون الرقم كبيرا من أجل تسويغ رعاية المنظمة لمشروع السلم العالمي الذي لا تعترف به دول عديدة.

السلم هو آخر ما تفكر فيه دولة مثل إيران.

إيران دولة معترف بها دوليا وهي عضو في الجمعية العامة للأمم المتحدة، غير أنها لا تعترف عمليا بميثاق تلك المنظمة الدولية، كما أن طريقتها في التصدي لوباء كورونا كشفت عن أنها الدولة الأقل شعورا بالمسؤولية. لقد صدّرت إيران الفايروس إلى الدول المجاورة لها مستغلة سطوة ميليشياتها على تلك الدول.

ولكن إيران، بالفايروس أو من غيره، ليست دولة حقيقية ولا تستحق أن تكون عضوا في الأمم المتحدة. فهي أولا دولة حرب ولا تحافظ على السلام الدولي، وهي ثانيا تعرض أمن وسلامة مواطنيها لمختلف أنواع الأخطار بحثا عن منافع سياسية. ناهيك عن أنها لا تحترم الأعراف الدبلوماسية.

وفي مواجهة وباء كورونا لا تملك إيران سوى الحرس الثوري.

قد ينقذها العالم من خلال مدّ يد المساعدة إليها ولكن الحقيقة تظل شاخصة. تلك دولة يمكن أن تختفي في سنوات ما بعد العاصفة.

هناك شعوب في إيران تناضل من أجل تقرير المصير. عرب وأكراد وأذريون يجمعون على زوال سلطة الفرس.

من المتوقع أن يؤدي فشل النظام الإيراني في مواجهة الوباء العالمي إلى تفكيك دولة الولي الفقيه وهو ما يعني عمليا نهاية الدولة الزائفة في إيران.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

مليونية "كورونا" والسقوط الإنساني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

جبريل العبيدي

«أنا لست فيروساً» الهاشتاغ الذي انتشر على شبكات التواصل بعد رصد حالات تمييز عنصري بسبب انتشار فيروس «كوفيد - 19»، نوع من التمييز ضد الآسيويين عامة والصينيين خاصة في أوروبا، بعد أن نشرت صحيفة «Le Courrier Picard» الفرنسية على صفحتها الأولى صورة لامرأة آسيوية ترتدي قناعاً تحت عنوان «الإنذار الأصفر»، ما أغضب الجاليتين الصينية والآسيوية.
مشاهد تمييز عنصرية انتشرت في ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا، وحتى اليابان البلد الآسيوي تصدر الهاشتاغ ChineseDon›tComeToJapan# (أيها الصينيون لا تقدموا إلى اليابان)، حتى أصبح يكتب على أبواب أغلب المحلات والمطاعم «غير مسموح للصينيين»، في موجة بل تسونامي من النعرات العنصرية والتمييز، التي حاول البعض ربطها بالعقاب الإلهي للصين، بل ومحاولات تأويل وتفسير النص الديني بالأهواء من قبل أنصاف المتعلمين.

في ظل هوجة جائحة «كورونا» والإعلان عن تخطي عدد الإصابات المليون، ظهرت معها أنانية عالمية أشبه بحالات النهب العالمي، حيث يتم الاستيلاء على شحنات للمطهرات متجهة إلى بلدان معينة فتحول إلى دول أخرى، صاحَبها تحويلُ شحنة أخرى من الكمامات ومستلزمات الوقاية والسلامة الطبية من فرنسا إلى أميركا بعد أن دفعت أميركا ثلاثة أضعاف ثمنها للمصنع الصيني. كما أكد رينو موسيل رئيس مجلس مدينة بروفانس الفرنسية أن «شركات في الولايات المتحدة اشترت حمولة طائرة من الكمامات الصينية مباشرة على المدرج، كانت معدّة لفرنسا»، مؤكداً أنها كانت عبارة عن 60 مليون كمامة، وقال أيضاً: «إنهم (الأميركيين) يدفعون ضعفاً ونقداً، حتى قبل رؤية البضائع».
أيضاً يشاهد المرء ترحيلاً جماعياً للمقيمين والأجانب ونعرات عنصرية يطلقها البعض لطرد الأجانب في بلدانهم، لكن أن يمارس التمييز السياسي بين أبناء البلد الواحد، فإن هذا لأمر عجاب، فسياسة العقاب الجماعي فعلتها حكومة الوفاق الليبية مع البلديات الموالية للجيش الوطني الليبي، حيث منعت عنها الأموال المخصصة من الميزانية الليبية لمكافحة وباء «كورونا»، في سابقة؛ حيث تقدم مسؤول إخواني الهوى والانتماء في مجلس دعم القرار التابع لحكومة الوفاق بطلب منع وحرمان البلديات المعارضة لحكومة الوفاق في سياسة عقاب جماعي ممنهج، وبعد إعلان نحو 30 بلدية ليبية بياناً أوضحت فيه إمهال حكومة الوفاق لعدم توفير استحقاقات مالية ودعم مكافحة انتشار الفيروس الشرس، في ظل تخبط وضعف ملحوظ في أداء وزارة الصحة وشكوك محلية في أعداد حالات الإصابة المعلن عنها، مع تعتيم المركز الوطني عن ذكر البؤرة الموبوءة في البلاد، وذلك لوقوع المركز تحت سلطة الميليشيات.
ما فعلته الحكومة التي يسيطر عليها الإخوان، من تمييز وعقاب جماعي، لا يختلف عما يفعله النظام الإيراني من تجاهل للوضع الصحي في ظل جائحة «كورونا» مع سكان الأحواز المنطقة العربية المحتلة والمغيبة، وإن اختلفت الأسباب المتمثلة في العرق والمذهب في الحالة الإيرانية على عكسها في الحالة الليبية، حيث هم إخوة وطن فرقتهم آيديولوجيا «الإخوان» الوافدة التي أفسدت حياتهم السياسية والاجتماعية وارتهنت البلاد للمستعمر العثماني.
في ظل هذا المناخ المشبع باللاإنسانية والسقوط الأخلاقي والأنانية العالمية، نرى ونشاهد إنسانية وأخلاق الفرسان التي تمثلت في قرارات شجاعة أصدرها الملك سلمان بن عبد العزيز بعلاج ومداواة كل الناس؛ مواطن ومقيم، وحتى المخالف، مجاناً وتقديم كل الاحتياجات من مأكل ومشرب عبر سلات غذائية للمحتاجين كافة من دون تمييز، بل ودفع رواتب للمتضررين من الحجر الصحي وحظر التجول؛ لمسة ورسالة إنسانية في حرب عالمية ضد فيروس «كورونا» مسترشدة فيها بأخلاق العرب والإسلام والبادية، قبل أن يكون التزاماً بالمواثيق الصحية العالمية، كما جاء في مبادئ المادة 3 من اللوائح الصحية العالمية، فالصحة للجميع سياسة في السعودية التي أثبتت بجهودها وقدراتها على مواجهة جائحة عالمية كفاءة عالية أمام انهيار منظومة صحية عالمية كان يشار إليها بالانبهار، واتضح بعد «كورونا» أن الصحة لديها لمن يدفع فقط.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

أطماع أردوغان توقظ الأوروبيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

عبدالحميد توفيق

‫‫القرار الأوروبي بالمباشرة بتنفيذ مهمة بحرية عسكرية في البحر المتوسط ابتداء من هذا الشهر -أبريل- تحت اسم "إيرين" لمنع وصول المزيد من الأسلحة إلى ليبيا، جاء بعد تردد وتلكؤ بين أوساط القيادات الأوروبية، حتى إن البعض منهم وصفه بالمتأخر؛ لأن أردوغان تمكّن من تمرير الكثير من السلاح والعتاد والمرتزقة إلى طرابلس، وتحوّل إلى أمر واقع لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه في أي مسعى دولي أو حتى أوروبي أو إقليمي يتعلق بحل مشكلة ليبيا، ومع ذلك شكّل القرار الأوروبي استجابة لصرخة تحذيرية أطلقها مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل حين قال: "إن الاتحاد الأوروبي مهدد بفقدان أهميته إذا لم يكن قادرا على التصرف تاركا مصير ليبيا بين تركيا وروسيا".‬

يبدو أن كيل الأوروبيين قد طفح جراء السياسة التوسعية التي تنتهجها تركيا - أردوغان، ولم تعد أمامهم من خيارات لدرء الخطر التركي المتنامي ضدهم وضد بلادهم ومصالحهم إلا مقارعة أردوغان بالأداة ذاتها التي يلوح بها لهم في ليبيا؛ أي الأسلوب العسكري لردعه، مستثمرين بذلك قرارا أمميا بضرورة وقف تدفق السلاح إلى أطراف الصراع الليبي، وبعد أن اقتربت أنقرة بسلاحها ومرتزقتها بقواعدها العسكرية التي أقامتها على الأرض الليبية من محيط الحدائق الخلفية للقارة الأوروبية تنبه سياسيوها إلى حجم الأخطار المترتبة على استمرار السكوت وعدم الاكتراث إزاء سياسة التوسع التي تسم نهج تركيا – أردوغان منذ وصوله وحزبه العدالة والتنمية إلى سدة السلطة قبل نحو عشرين عاما.

‫القرار الأوروبي يطرح الكثير من الأسئلة حول دوافعه وأبعاده الاستراتيجية وحول جدواه وحتى حول توقيته، كما يرسم إشارات استفهام عديدة بشأن إمكانية تطبيقه، وهل يمكن تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية محتملة إذا ما أصر الرئيس التركي على الذهاب بعيدا في تحدي الإرادة الدولية، وكون المهمة الأوروبية عسكرية الطابع ووظيفتها منع وصول السلاح إلى ليبيا؛ هل يمكن توفير غطاء دولي لها إذا اقتضت الضرورة؟‬

‫الملامح الأولية التي عكستها مواقف أنقرة وحكومة السراج وحلفائها الرافضة للتوجه الأوروبي توحي بأن المهمة لن تكون سهلة على الأوروبيين، لكن الأوروبيين متمسكون بقناعاتهم أنهم ينفذون قرار الأمم المتحدة القاضي بفرض حظر على إدخال السلاح إلى ليبيا وبأن مهمتهم ستخضع للتقييم كل أربعة أشهر وهذا يعني أنه وبقدر ما تنطوي عليه الخطوة الأوروبية من إرادة سياسية وإدراك لحجم تحديات المهمة، فإنها تنمّ في المقابل عن قناعة لدى عواصم الغرب بأن الضرر المترتب على مهمتهم الآن، أيّا يكن نوع هذا الضرر وحجمه ومداه، سيكون أقل بكثير من ضرر التزام الصمت وتجاهل دوافع وغايات سياسة أردوغان على المستوى الاستراتيجي وأطماعه بجميع الاتجاهات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تستهدف القارة العجوز بطريقة غير مباشرة خصوصا أن جغرافية ليبيا السياسية في واقعها تشكل في مفردات السياسة الأوروبية ركنا أساسيا من أركان الأمن القومي الأوروبي لعوامل تاريخية وجغرافية واقتصادية وسياسية، ولعل تجربة الأوروبيين مع الابتزاز التركي في قضية اللاجئين وتصديهم لها بعملية بحرية أطلق عليها حينها اسم "صوفيا" وما ترتب عليها من تبعات إنسانية واقتصادية وأمنية على بلدانهم، لعل ذلك شكّل حافزا ومحرضا لهم؛ فالأمر لم يعد مجرد حفنة من الأموال تُرضي وتُسكت العثماني الجديد بل يتعداه إلى تهديد استراتيجي لمصالحهم في ليبيا ومحيطها والبحر المتوسط برمته بعد الخطوات التي اتخذتها تركيا بشأن موضوع التنقيب عن النفط البحري واستثمار الغاز قرب شواطئ قبرص واتفاقياته مع حكومة طرابلس بهذا الخصوص.. وإذا كان السؤال المطروح يتمحور حول ماذا يمكن للأوروبيين أن يفعلوه بعد تمادي تركيا في عدم احترام القرارات الدولية من جهة، ولماذا الصمت الدولي تجاه خرقها للقرارات الدولية المتعلقة بهذا الأمر من جهة ثانية، فإن السؤال المواجه يتعلق بالبحث عن طبيعة وأسلوب الرد التركي على الخطوة الأوروبية في حال حدوث مواجهة مباشرة بين الجانبين، وهو احتمال قائم مرتبط بجوهر المهمة الأوروبية والقرار الأممي القاضي بتفتيش سفن يشتبه بنقلها الأسلحة؟‬

‫لم يتردد أردوغان في الإفصاح عن نواياه وخططه الرامية إلى الانخراط عسكريا وبالتالي سياسيا في الصراع الليبي تحت ذرائع متعددة، غير أن محرك ودافع أنقرة مكشوف للعيان ويتلخص باقتناص فرصة وجود حكومة السراج الإخوانية في طرابلس والتسلل إلى تلك المنطقة نظرا لحيويتها الاستراتيجية، والهيمنة عليها وعلى قرارها السيادي، السياسي والاقتصادي، وتحويلها لاحقا إلى ورقة ضمن حزمة أوراقه التي كدسها من أزمات معظم المناطق المضطربة في الإقليم وتوظيفها في مقايضاته على طاولة الأوروبيين وغيرهم من اللاعبين الذين تتقاطع مصالحه معهم أو تتعارض وتتصادم، وبعد أن راكم أردوغان الكثير من مواقف اللامبالاة والاستهتار بقرارات دولية بشأن ليبيا وغيرها في مناطق أخرى فإن المهمة الأوروبية لا يبدو أنها ستكون استثناء من فرضية العبث التركي أو بمنأى عن سيناريوهات كثيرة من بينها تهور أردوغان ودفعه بالأمور إلى ممرات ضيقة قد يصعب الخروج منها دون خسائر، ومن الطبيعي أن يكون الاتحاد الأوروبي قد أخذ بالحسبان جميع السيناريوهات المحتملة وهو يواجه سياسة قائمة على ردود الفعل والانفعال والابتزاز من قبل الرئيس التركي ومنها استغلال أردوغان لموضوع اللاجئين مرة أخرى وإطلاق العنان لهم عبر البحار نحو أوروبا، لكنهم أيضا، الأوروبيين، لا يخفون خشيتهم من أن الخطر الأكبر القادم من تركيا يكمن في آلاف المسلحين المرتزقة الذين يتوافدون برعاية وحماية تركيا إلى الأراضي الليبية وعلى مرأى أعينهم، والذين قد يشكلون يوما ما خطرا يهدد بلدانهم؛ ما جعل الأوروبيين أكثر استعدادا وإقداما للقيام بخطوات احترازية مسبقة مهما كانت نتائجها المرحلية قبل أن تستفحل وتخرج عن نطاق سيطرتها بفعل ألاعيب ومناورات أردوغان.. الموقف اليوم مختلف عما سبق، فأكثر من سبع وعشرين دولة أوروبية وافقت على المشاركة في المهمة، والقرار الأممي يشكل رافعة للمهمة الأوروبية وغطاء لها، أردوغان سيجد نفسه وسياسته أمام امتحان وتحدٍّ أوروبي ودولي كبير، وخياراته المعهودة دونها الكثير من الصعوبات.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية