الدخول إلى التيه: الإسلاموية كإخفاق تاريخي

الإسلام السياسي

الدخول إلى التيه: الإسلاموية كإخفاق تاريخي

مشاهدة

16/02/2020

ولما تَكلّم موسى بهذا الكلامِ إلى جميعِ بنِي إسرائيل بكَى الشعبُ جداً. ثم بَكَّرُوا صباحاً وصعدُوا إلى رأسِ الجبلِ قائلين: "هُوذَاَ نحن نصعدُ إلى الموضعِ الذي قال الرَّب عنهُ، فإننا قد أخطأْنا" فقال موسى: "لماذا تتجاوزون قولَ الرَّب؟ فهذا لا ينجح. لا تصعدوا، لأنَّ الرَّب ليس في وَسَطِكُمْ لئلاَّ تنْهزِموا أمامَ أعدائكُم.
(سفر العدد 14: 36-38)

شعبياً؛ اهتزت بعمق العلاقة (غير المُفكّر فيها) بين الدين والسياسة، ولم يعد لدى الإسلاموية جديد تقدّمه في هذا السياق

إخفاق الإسلاموية في مصر كان إخفاقاً فكرياً بالأساس؛ فالفكر الإسلامي، الذي توقف جدياً عن الإنتاج منذ أربعة عقود، على الأقل، لم ينتج نظرية في الدولة، بل، على العكس سعى إلى الاستيلاء على الدولة الحديثة، أو وراثتها، بغرض أسلمتها، ولم ينتج نظرية في الممارسة السياسية، ولم يميّز نصاباً للسياسي (بما هو منفصل عن الدين والحياة الشخصية)؛ بل ربط السياسي بالتبشير الأخلاقي، ومن ثَمّ تحولت الرطانة الإسلاموية حول "المجتمع المسلم الفاضل والمتجانس" إلى ما يشبه التميمة، التي لا يفهمها سوى صانعها وحاملها.
فكان الموضوع الأكثر تواتراً في الأدبيات الإسلامية، وخطاباتهم اليومية أيضاً، هو التأكيد على عدم الفصل بين النطاقات الاجتماعية (السياسة، الدين، الاقتصاد، الأخلاق، الحياة الشخصية)، ومن هنا جرت مَرْكزة الشريعة وتأويلها كنظرية في السياسة، ومصدر للقانون وللسلوك الفردي، بحسب الباحث الفرنسي، أوليفه روا؛ فإنّ هذا الامتناع عن تحديد نطاق سياسي مستقل له قوانينه الخاصة؛ هو آفة الإسلاموية المهلكة.

قبل المعمعة
قبل أن يخضع الخطاب الإسلامي للاختبار، كانت الإسلاموية ظاهرة اجتماعية (تدين + إفقار + محدثين تمدن (وفق تحليل جيل كيبل))، تحركها نواة تنظيمية ممثلة في جماعة الإخوان؛ لذلك، وعلى الرغم من هشاشة تركيبة السلطة الأوتوقراطية، بعد تمحورها المتدرّج حول المكوّن الأمني، دون أيّ غطاء أيديولوجي من أيّ نوع، ودون مؤسسات سياسية، وتشتُّت الطبقة الوسطى وتقهقرها، وعدم وجود بديل سياسي علماني، لم يتمكن الإخوان من صياغة حلّ أو جواب على مشكلات المجتمع المستعصية؛ إذ تنازعت الإسلاموية قبل الثورة إستراتيجيتان: النضالية السياسية بغرض الوصول إلى السلطة، والإصلاحية التي رأت في النشاط الاجتماعي طريقاً لإعادة أسلمة المجتمع (تعبيده لله) من أسفل، إلا أنّ كلا الاتجاهين أخفقا في التعامل مع الحداثة فكرياً، واكتفيا بالاستثمار في المشاعر الدينية الجارفة التي تنامت عقب فشل دولة التحرر الوطني الناصرية، وكلاهما لم يعتبرا أنّ القومية والعلمانية هما التحديث (الذي تمّ اختصاره في البعد التقني)، وقفزا على شرعية الدولة القائمة باسم الأمة الإسلامية ودولتها الجامعة.

اقرأ أيضاً: من ضيق الأيديولوجية الإسلاموية إلى رحابة المشترك الإنساني
في خضم هذا الأفق، الذي لا يمتّ للسياسة بصلة، حتى مع تعاطي بعض الإجراءات السياسية؛ كإقامة تحالفات سياسية والمشاركة في الانتخابات، جرى التركيز على الغاية الكبرى: "إعادة الإسلام إلى العالم"، أو "إعادة الله إلى التاريخ" (وفق توصيف الباحث المصري مصطفى عبد الظاهر)، وهو ما تطلب هيمنة ثقافية (يمكن النظر إلى كمّ الكتب والمجلات ذات الصبغة الأيديولوجية الإسلامية التي صدرت منذ 50 عاماً لفهم سعيهم نحو الهيمنة الثقافية على المجال العام)، واختراق للمجتمع المدني (النقابات، الجمعيات الأهلية)، وصولاً إلى الأداة الحاسمة: السيطرة على الدولة، وقد تخلّت الجماعة، في آخر عشرين عاماً، عن كلّ السبل الموصلة إلى هدفها سوى سبيل الدولة.

حدود التذاكي
هذا المنطق الناصري/ الدولتي (القائم على اعتبار أنّ الدولة هي الأداة الوحيدة للتغيير، وأنّها تعلو على المجتمع وتعيد تشكيله، وتقهر الخصوم السياسيين، وتنهي الصراع السياسي لصالح الإجماع الوطني) جعل الإخوان عاجزين عن فهم المشهد السياسي، خلال العقد الأول من القرن الواحد العشرين؛ لذلك حينما فاجأتهم الثورة، وجاءت من خارج مجال توقعاتهم تماماً، لم يجدوا سوى طرائقهم القديمة في التعامل معها، وهي المناورة بين السلطة والمعارضة في وقت واحد، وتبني خطاب سياسي مراوغ، والسعي المحموم نحو إحداث تحوّل ثقافي سريع وخاطف في المجتمع.

اقرأ أيضاً: الإسلاموية كخطاب احتجاجي
حين رفع الإخوان شعار "مشاركة لا مغالبة" لم يكونوا يخادعون القوى السياسية، كانوا صادقين جزئياً ومرحلياً (بالطبع حاولوا جني أكبر قدر من المكاسب السياسية في البرلمان والجمعية التأسيسية)؛ إذ أدركوا أنّ الثورة (الهِبة الإلهية كما اعتقدوا) جاءت قبل الأوان، أوان الأسلمة التي تسمح لهم بالسيطرة الكلية على الدولة والمجتمع دون منغصات علمانية، وأنّ عليهم استغلال الفرصة في تسريع عمليات هندسة المجتمع ثقافياً، وحين دفعوا بمرشحهم خيرت الشاطر، وبديله محمد مرسي، إلى انتخابات الرئاسة، كان دافعهم الخوف من انسداد سبل الأسلمة (عبر الدستور والتعليم والثقافة) بعد حلّ المحكمة الدستورية العليا للبرلمان الذي حازوا الأغلبية فيه.
هذا الفهم البدائي للسياسية وافتراض ضرورة تحويل المجتمع إلى الإسلام، وإلا امتنع تطبيق الشريعة (كمشروع سياسي شمولي)، وأسفر فرضها بقوة الدولة وسطوتها عن نفاق اجتماعي، سرعان ما ينقلب إلى ثورة علمانية مضادّة، هذا الفهم هو ما جعلهم عاجزين عن التعامل مع القلب الصلب للدولة (الجيش والشرطة).

اقرأ أيضاً: "الإسلاموية".. من التكيف مع الحداثة إلى أسلمتها
وهو القلب الذي لن يقبل بتغيير طبيعة الدولة من قِبل جماعة غامضة من جهة، أو بتهديده وجودياً عبر الاختراق من أعلى أو عزله عن ثمار الإطاحة بالنظام من جهة أخرى، خصوصاً أنّ الجماعة بدت في الحقبة الأخيرة من عمرها "دولة بديلة" مستعدة للحلول محلّ الدولة القائمة، وملء هيكلها البيروقراطي، وقد أعجزهم فهم من هذا النوع أيضاً عن التعامل مع التيارات السياسية جميعها، وكان عاملاً مضافاً إلى افتقارهم لبرنامج سياسي (لا انتخابي)، في ارتباكهم القاتل.

الدخول إلى التيه
بتضعضع التنظيم، عام 2013، فقد الإسلامويون القدرة على إنتاج ممارسة سياسية مستقرة وذات معنى، وتحولوا إلى جمهور متشظٍّ، لا تجمعه سوى منطلقات بالغة العمومية وذكريات عن زمن المجد والنكبة.
يعود هذا إلى أنّ النضالية الإسلامية أعطت الأولوية القصوى للسياسي في أدنى مستوياته: التنظيم على حساب الفكري (والمجموعة التي طرحت خطاباً فكرياً، مهما كانت مشكلاته النظرية، كانت على هامش الظاهرة الإسلامية، من أمثال طارق البشري وسليم العوا وعبد الوهاب المسيري)، وعلى حساب الديني العلمي.

اقرأ أيضاً: بماذا تخبرنا "نهاية الأيديولوجيا" عن أفول نجم الإسلاموية؟
ففي القلب من التصور الإسلامي للسياسة، يكمن حزب من النمط اللينيني، الذي يقدّم نفسه كطليعة للتيار الإسلامي وتعبير عنه في آن (هناك تحليل طريف يرى أنّ دفع الجماعة بمحمد مرسي لانتخابات الرئاسة، عام 2012، كان وراءه خشيتها من فوز مرشح إسلامي ليس من صلبها، فتفقد مكانتها كقائد للتيار الإسلامي)، والفرق بين الرؤية اللينينية الأصيلة للسياسة والاستعارة الإسلامية لها؛ أنّ الأولى ترى في التنظيم ممثلاً للطبقة العاملة، وليس هو هي، فيما يرى الإخوان أنّ تنظيمهم ممثل سياسي ومجتمعي في الوقت نفسه، وهذا المجتمع المغلق والمضاد هو نواة المجتمع الإسلامي الأكبر والمأمول.
كان تهشُّم التنظيم في خضم الصراعات السياسية التي عصفت بمصر خلال الأعوام التسعة الأخيرة بمثابة تحويل كوادر التيار إلى "يتامى سياسيين" بالمعنى الواقعي للكلمة "ضائعون"، وفي حاجة إلى أبٍ وراعٍ وشرنقة تحميهم من تقلُّب الأيام.

الانتحار التاريخي
انتحار تاريخي ألّا يعيد الإسلاميون التفكير في هويتهم وإستراتيجيتهم وأهدافهم ذاتها في مثل هذه الأجواء الاستثنائية التي تعيشها مصر، والاكتفاء بالتعالي على "شرطهم البشري" بتصدير خطاب عاطفي حول قدرة الإسلاميين على العمل في جميع الظروف الاستثنائية، والعودة الأكيدة بعد كلّ النكسات، لن يصمد أمام القدرة المحدودة للقواعد على الانتظار.

اقرأ أيضاً: لماذا لن تصلح الصوفية بديلاً للجماعات الإسلاموية؟
ولا يتطلب التشكيك في إمكانية تأسيس دولة إسلامية بالمطلق (حتى عتاة الأيديولوجيين الإيرانيين اكتشفوا بعد مرور أقل من عقد على ثورتهم أنّ الدولة الإسلامية ليست أكثر من وهم سيطاردونه إلى الأبد) حصافةً سياسية؛ بل يتعلق الأمر بأبسط مستويات الإدراك السياسي في ظلّ تداعي كافة الأشكال الأيديولوجية للدول، بما في ذلك أيديولوجيات بالغة التطور كالاشتراكية، أو الليبرالية مؤخراً.
مؤكد أنهّ ليس على غير الإسلاميين تقديم النصيحة للإسلام السياسي، هذا أكثر شيء عبثي يتداوله العلمانيون دون تبصُّر، فلو قدّم جناح ما، أو مجموعة إسلامية ما، أيّة مراجعة أيديولوجية، سيتم طرده خارج "الجيتوهات الإسلامية"، وإلحاقه بالعلمانيين فوراً (حزب التيار المصري مثال نموذجي)، لكن الأكثر تأكيداً؛ أنّه لا يعقل أن يخرج إسلاميو المهجر من حين لآخر بمبادرات من قبيل "لم شمل القوى السياسية"، و"تصحيح المسار "بهدف معارضة الاستبداد مع إبقاء ثوابت/ كوارث الإسلاموية دون مساس!".

اقرأ أيضاً: حكيم القروي: يجب على المسلمين أن ينتظموا ضدّ الإسلاموية
تراجع الزخم الإسلامي في مصر بفعل المشهد السياسي المشحون ضدّ "ثوابت الإسلام السياسي" بالذات (بما في ذلك العلاقة الإشكالية بين الدين والسياسة)، وهو ما يفرض على أيّة حركة، مجموعة، مبادرة أن تتخلى عن اعتبار الإسلام برنامجاً سياسياً، أو تصوُّر إمكانية "خلق مجتمع نقي"، أو نفي الحريات باسم الهوية، أو إمكانية نجاح أيّة "مجتمعات بديلة"، وهو التخلي الذي لا بوادر له بين الإسلاميين حتى اللحظة، وإن كانت هناك بوادر لرغبة انتهازية وميل لإعادة إنتاج الاستبداد مغطاة بادّعاء المظلومية.

لا يمكن الجدل بشأن ضعف وذيلية القوى العلمانية في مصر، وهذا ما يعطي للرهان الإسلامي العودة إلى صدارة المشهد

شعبياً؛ اهتزت بعمق العلاقة (غير المُفكّر فيها) بين الدين والسياسة، ولم يعد لدى الإسلاموية جديد تقدّمه في هذا السياق، بعد أن تآكلت مصداقية "السياسية الأخلاقية"، سوى الانسياق في رِهان ملء الفراغ السياسي/ الأيديولوجي، الحاصل باستجابات وخطابات ثورية/ دينية، في واقعٍ أصبح فيه التوجس من تسييس الدين سيد الموقف في مصر.
لا يمكن الجدل بشأن ضعف وذيلية القوى العلمانية في البلاد، وهذا ما يعطي للرهان الإسلامي في العودة إلى صدارة المشهد معناه، غير أنّ العنصر الحاسم في الرهان مفقود، وهو أنّ القاعدة الاجتماعية التقليدية للإسلام السياسي (الطلبة، صغار الموظفين، صغار العاملين بالقطاع الخاص، حديثو التمدّن) أصبحت على قناعة أكيدة بأنّ تأسيس نظام يوتوبي مسألة مُكلفة ومُهلكة دون جدوى، وقد دفعت هذه القاعدة بالذات أثماناً باهظة في خضم التحولات الراديكالية التي طالت البلاد؛ فتكيفت مع الواقع الجديد، وهو تكيُّف متوقع سوسيولوجياً.

اقرأ أيضاً: لماذا تتعثر مواجهة أفكار الجماعات الإسلاموية؟
أخفقت وانتهت إلى غير رجعة (ضمن لحظتنا التاريخية هذه)، كلّ مساعي الإسلاموية لفرض نظام شمولي (يبشر باستبداد هوياتي أعمق وأشد بأساً من أيّ استبداد عرفه العالم)، وعلى العكس؛ أسفرت هذه المساعي بالذات عن تأكيد تهميش الإسلاميين أكثر من أيّ وقت مضى، وتعدّى الأمر تحطُّمهم السياسي إلى اندلاع مواجهات أيديولوجية وثقافية شعبية مع خطابهم، وهو ما يعرّضهم لنبذ اجتماعي أشدّ وقعاً من عزلهم السياسي بقانونٍ ما مفروض من أعلى.

الصفحة الرئيسية