من ضيق الأيديولوجية الإسلاموية إلى رحابة المشترك الإنساني

من ضيق الأيديولوجية الإسلاموية إلى رحابة المشترك الإنساني

مشاهدة

03/11/2019

كتاب "لماذا انفصلت عن جماعة الإخوان المسلمين؟"، ألفه الباحث والمهندس المغربي محمد لويزي (يقيم في فرنسا)، والكتاب، وإن جاء في خطاب بحثي، إلا إنه يكشف فيه المؤلف عن مساره أو تجربته مع العمل الإسلامي الحركي، هنا في المغرب وفرنسا، حيث سبق له الانضمام لحركة التوحيد والإصلاح ذات المرجعية الإخوانية، قبل أخذه مسافة نظرية وتنظيمية من المَجَرة الإسلامية الحركية بشكل عام، أو قل أخذ مسافة من المشروع الإسلامي الحركي.

اقرأ أيضاً: "لوك" الإسلاموي الجديد... جِلّ وتقليعات وقلق جماليّ
رواية "كنت إسلامياً" تعود للكاتب والإعلامي المغربي عمر العمري، والعمل وإن جاء في صيغة عمل إبداعي روائي، إلا أنّ من التقى بالمؤلف وحاوره، سيكتشف ويتأكد بأنّ الرواية عبارة عن سيرة ذاتية لمؤلفها، مع الحركة الإسلامية ذاتها، أي حركة التوحيد والإصلاح هنا في المغرب، حتى إنّ بعض الشخوص التي جاءت في الرواية بأسماء مستعارة، تحيل في الواقع المادي على القيادي السابق في الحركة، عبد الإله بنكيران، وعلى وزير الداخلية الأسبق، الراحل إدريس البصري، وأسماء أخرى بالطبع، ولكن من باب عدم إثارة القلاقل وسحب البساط عن حملات الشيطنة التي تطال أغلب من ينتقد التجربة الإسلامية من الداخل، ضمن أسباب أخرى، يقف وراء تبني المؤلف خيار إصدار العمل في صيغة روائي، عِوض أن يصدر في صيغة سيرة ذاتية.

من نتائج تجربة لمحمد لوزيري، وعمر العمري، أنهما سينخرطان معاً لاحقاً، في الدعوة إلى تجاوز أعطاب المدونة الدينية الإسلاموية

نتحدث عن نموذجين اثنين ضمن نماذج أخرى أخذت مسافة نظرية وتنظيمية نهائية من الخطاب الإسلامي الحركي، ولكنها نماذج تجمع بينها عدة القواسم المشتركة، ومنها جملة تكاد تكرر بنفس المضمون ولكن بصيغة مختلفة، في العملين سالفي الذكر، أي كتاب "لماذا انفصلت عن جماعة الإخوان المسلمين؟" ورواية "كنت إسلامياً"، وتفيد هذه الجملة أنّ لويزي والعمري اكتشفا أنّ التحرر من التجربة الإسلامية الحركية، كان أشبه بإعادة اكتشاف الإسلام من جديد.
لكي نوضح ذلك، وجب التذكير، أننا ننطلق هنا من فرضية أساسية؛ مفادها أنّ المتديّن الإسلامي الحركي الذي ينخرط في مراجعات حقيقية تروم أخذ مسافة نظرية وتنظيمية من التديّن الذي كان ينتمي إليه، يكتشف أنّ مرحلة "ما بعد الإسلاموية" قد تكون مرحلة إعادة اكتشاف الإسلام من جديد. ["ما بعد الإسلاموية" هنا أو "ما بعد الإسلام السياسي"، لا علاقة لها بالأطروحة التي اشتغل عليها الباحث الإيراني آصف بيات، فهذا موضوع آخر، ولكن نقصد بها أخذ مسافة نهائية، صارمة، ومفصلية، نظرياً وتنظمياً من المشروع الإسلامي الحركي برمته، بخلاف السائد مع أطروحة "ما بعد الإسلاموية" لآصف ببيات مثلاً]

اقرأ أيضاً: الإسلاموية والديمقراطية في تركيا بعد انتخابات إسطنبول
هذه الفرضية مردّها تأمل تجارب العديد من الباحثين والإعلاميين والناشطين الذين كانوا في ما مضى، أتباع تجارب إسلامية حركية، سواء كان ذلك متعلقاً بالتجربة الإخوانية أو التجربة السلفية الوهابية، في نسختها التقليدية أو القتالية (ما يُسمى "الجهادية")، وغيرها من التجارب؛ بل إنّ هذا التحول المفاهيمي، أو الإقرار بالانتقال من مقام اعتناق تديّن، يعتقد أتباعه أنهم يُجسدون أو يُمثلون الدين، نحو ممارسة التديّن، بعيداً عن طقوس الاستعلاء النظري والتنظيمي على المسلمين، والإقرار في آنٍ بأنهم يُعيدون اكتشاف الإسلام من جديد، نجده في صيغة إقرارات صريحة، كما نُعاين ذلك في عدة مقامات، من قبيل ما تتضمنه التدوينات الرقمية لهذه التجارب في مواقع التواصل الاجتماعي، على سبيل المثال لا الحصر.

اقرأ أيضاً: الإسلاموية كخطاب احتجاجي
ففي الخانة الأولى؛ نقرأ في كتاب "لماذا انفصلت عن جماعة الإخوان المسلمين"؟ لمحمد لويزي، وبالتحديد في خاتمة الكتاب، إحالة المؤلف على مضامين دردشة جمعته بالوالد، جاء فيها أنّ انفصاله عن المشروع الإخواني الذي كان ينتمي إليه، جعله يفتح عينه جيداً على الأفق الإنساني الرحب الذي يُمثله الإسلام، وهو الأفق الذي لم ينتبه إليه في مرحلة اعتناق الإسلاموية، بمقتضى سطوة الرؤية الدينية الطائفية، والتي كما هو معلوم، تضيق مساحات المشترك مع أيّ إنسان لا ينتمي إلى المشروع الإسلامي الحركي المعني، حتى لو كان إسلامياً حركياً، ولكن مجرد عدم الانتماء إلى "الطائفة المنصورة"، يجعله خارج "النسخة الصحيحة من الدين"، بحسب الاعتقاد الديني الطائفي، المُميز إجمالاً لأيّ خطاب إسلامي الحركي، سواء كان دعوياً أو سياسياً أو قتالياً. [يُساعدنا هذا المفتاح النظري، أو قل "هذا النموذج التفسيري" ــ بتعبير الراحل عبد الوهاب المسيري ــ على تفسير بعض أسباب الانقسامات التي تقع بين الجماعات الإخوانية فيما بينها، أو بين الجماعات القتالية فيما بينها، كما رأينا ذلك في الحالة السورية؛ حيث وصل الخلاف إلى مرتبة سفك الدماء]

اقرأ أيضاً: كيف وجهت الإسلاموية السياسة الخارجية لتركيا؟
أما في الخانة الثانية، مع رواية "كنت إسلامياً" لعمر العمري، فيروي المؤلف تجربته في مرحلة المراهقة والشباب مع العمل الإسلامي الحركي؛ حيث خلُصَ إلى أنّ العمل الديني كما مارسه وساهم في انتشاره وترويجه، كان يروم الإمساك بزمام السلطة الزمنية الحاكمة، عبر بوابة العمل الدعوي والعمل الإحساني وما جاورهما، وضمن خلاصات العمل، نقرأ الخلاصة ذاتها التي جاءت في كتاب لويزي، وهي؛ أنّ الانفصال النظري والتنظيمي عن الإسلاموية، اعتناق جديد للأفق الإنساني الرحب الذي يُميز الإسلام.

اقرأ أيضاً: "الإسلاموية".. من التكيف مع الحداثة إلى أسلمتها
من نتائج تجربة العمل البحثي لمحمد لوزيري، والعمل الروائي لعمر العمري، أنهما سينخرطان معاً لاحقاً، في الدعوة إلى تجاوز أعطاب المدونة الدينية الإسلاموية التي تدعي النهل المعرفي والأخلاقي المباشر من القرآن الكريم، فكانت النتيجة أنّ محمد لويزي سيُصدر كتاباً ثانياً بعنوان: "نداء من أجل إسلام لا سياسي" (بالفرنسية، 2017)، ذهب فيه بعيداً بخصوص البحث في أسباب ومقدمات ولادة الإسلاموية، معتبراً أن نواتها التأسيسية، ظهرت للوجود الإسلامي في زمن "الفتنة"، بتعبير هشام جعيط، أي مباشرة بعد الحقبة النبوية [الإحالة هنا على عنوان أحد أعمال جعيط، وصدر في 1989]

اقرأ أيضاً: لماذا لن تصلح الصوفية بديلاً للجماعات الإسلاموية؟
أما عمر العمري، فإنه بصدد تدقيق عمل بحثي يتمحور حول "تأملات قرآنية"، خيطه الناظم النهل التأملي المباشر من النصوص القرآنية، دون المرور بالضرورة على التفسيرات الإسلامية الضيقة للنصوص القرآنية، وهي التفسيرات التي أفضت إلى توظيف الدين في الصراعات السياسية والاجتماعية وغيرها، باعتبار أنّ هذا النهل المباشر يُساعد صاحبه في الانتصار للأفق الإنساني والرحموتي اللصيق بالدين، والذي يعلو ويتجاوز الأفق الطائفي، والضيق لمُجمل أنماط التديّن الإسلاموي، كما أكدت ذلك عملياً أغلب التجارب الإسلامية الحركية في المجال الإسلامي.

الإقرار بإعادة اكتشاف الإسلام من جديد، نجده في صيغة إقرارات صريحة، كما نُعاين ذلك في عدة مقامات

وجبَ التنبيه إلى الوجه الآخر لعملة الانفصال عن الإسلاموية؛ لأننا تحدثنا هنا عن الوجه الإيجابي، وعنوانه "إعادة اكتشاف الإسلام"، أو "اعتناق الإسلام من جديد"، والانتصار لخطاب النزعة الإنسانية، أو قل "المشترك الإنساني"، وغيرها من التبعات الإيجابية على المتديّن ومحيطه القريب (المجتمع، الوطن) والبعيد (العالم والإنسانية).
يُفيد الوجه السلبي لعملية الانفصال، بأنّ التحرر بشكل نهائي من الانتماء للمشروع الإسلامي الحركي، لا يعني بالضرورة أنّ صاحبه سيخرج سليماً مُعافى نفسياً وروحياً من ضرائب الانفصال.
نقول هذا أخذاً بعين الاعتبار، أنّ تأمل تجربة العديد من الإسلاميين سابقاً، أكّد وجود حالات اضطرابات نفسية أو روحية حقيقية، بل وصل الأمر، كما نُعاين ذلك جلياً في عدة نماذج، مع أعضاء كانوا من التيار الإخواني أو "السلفي الجهادي"، أنّ الضرائب وصلت إلى ما يُشبه الإلحاد، بصرف النظر عن طبيعة الإلحاد في هذا السياق، كأن يكون إلحاداً معرفياً أو إلحاداً دينياً صريحاً.
ميزة تسليط الضوء على هذا الوجه السلبي المسكوت عنه في مرحلة ما بعد الانفصال عن العمل الديني الحركي، أنه يُعطي المُتتبع فكرة أولية عن طبيعة المعاناة النفسية والروحية التي يمر منها المتديّن الإسلامي بشكل عام؛ لأنّه إن كان يُعاني في مرحلة الانفصال، فأن يُعاني في مراحل الاعتناق أولى، وإن كان هذا أمر لا يخطر على باله أو يرفض الإقرار به، لسبب بَدَهي أشرنا إليه أعلاه، ما دام ينهل من اعتقاد فاسد مفاده؛ أنّ تديّنه يُمثل الدين، وبالتالي يفترض أنه يعيش حالة راحة نفسية وروحية، لا تخول له التفطن إلى الأزمات النفسية والروحية، التي تمرّ في مرحلة الاعتناق والانفصال معاً.

الصفحة الرئيسية