
في مدينة اعتادت أن تستيقظ على الأسئلة الثقيلة، لا على الأجوبة، ينهض الناس كل يوم وهم يحملون حياةً كاملةً فوق أكتافهم. في غزة لا يُقاس الوقت بالساعات، بل بعدد المرات التي ينجو فيها الإنسان نفسيًا قبل أن ينجو جسديًا، حيث لا يبدو البدء من جديد فكرة رومانسية بل ضرورة للبقاء، يحاول أهل غزة ترميم ذواتهم قطعة قطعة.
وأوضحت دراسة أعدها مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات الفلسطيني أنّ 96% من الأطفال في قطاع غزة يشعرون بأنّ الموت وشيك، وأنّ 87% من الأطفال يظهرون خوفًا شديدًا، ويعاني 79% منهم من الكوابيس.
وأكدت تقارير منظمة الصحة العالمية أنّ حوالي (485) ألف من السكان يعانون من اضطرابات نفسية، منهم ( (20ألفًا بحاجة إلى تدخلات صحة نفسية متخصصة.
وتشير دراسة بحثية صادرة في تموز/يوليو 2025 عن شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية إلى ارتفاع مقلق وغير مسبوق في معدلات الأمراض النفسية، وأظهرت نتائج الدراسة أنّ 73% من المشاركين لديهم اكتئاب متوسط إلى شديد، و65% لديهم قلق متوسط إلى شديد، بينما استوفى 83.5% منهم عتبة اضطراب ما بعد الصدمة.
وارتكبت إسرائيل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 إبادة جماعية في غزة، خلّفت أكثر من (68) ألف شهيد، وأكثر من (170) ألف مصاب، معظمهم أطفال ونساء.
نحن لا نشفى نحن نتكيف
محمود أبو راس (29 عامًا) شاب من مدينة غزة يبدأ حديثه بجملة قصيرة، لكنّها تحمل ثقل سنوات، ويقول: "أعتقد أنّ أكبر سوء فهم عن أهل غزة هو فكرة أننا نتعافى، نحن لا نتعافى، نحن نتكيّف."
يجلس أبو راس في غرفة صغيرة أعاد ترتيبها أكثر من مرة بعد أن تضررت خلال فترات متلاحقة، ويصف الحياة اليومية قائلًا: "الحياة هنا ليست مأساوية طوال الوقت، وهذا ما قد يصدم الناس، فنحن نضحك، نمزح، نخطط، ثم فجأة نتذكر أين نحن، فالتناقض متعب، وأن تعيش طبيعيًا في مكان غير طبيعي هذا هو التحدي الحقيقي."
ويتحدث أبو راس عن الذاكرة بوصفها أكثر ما يرهق الإنسان، ويوضح: "البيوت يمكن إعادة بنائها، لكنّ الذاكرة لا تهدم ولا ترمم بسهولة، فالأصوات، الروائح، تفاصيل صغيرة جدًا تلاحقك حتى في اللحظات الجيدة."
وعن محاولاته للتعامل مع ذلك يقول: "في البداية كنت أهرب، ثم فهمت أنّ الهروب لا يجدي، والآن أحاول أن أعيش مع الذاكرة، لا ضدها، وأكتب أحيانًا، وأحيانًا أكتفي بالمشي، وأحيانًا لا أفعل أيّ شيء سوى الصمت."
ويتابع: "الترميم ليس حدثًا كبيرًا، هو تفاصيل صغيرة، فنجان قهوة مع صديق، إصلاح شيء مكسور في البيت، أو حتى الاعتراف بأنني متعب".
ويضيف: "الأمل هنا ليس كلمة كبيرة، هو شيء عملي جدًا، أن تخطط ليومك، وأن تزرع نباتًا وأنت غير متأكد إن كان سيعيش، فالأمل في غزة عنيد، لكنّه صامت."
ويرى أبو راس أنّ "البدء من جديد في غزة لا يعني نسيان الماضي، لأننا نبدأ من جديد ونحن نحمل كل شيء معنا، الخسارات، الخوف، وحتى التعب، لا يوجد خط بداية نظيف، حتى بتنا لا نعيش على أمل النهاية السعيدة، بل على أمل الاستمرار فقط."
ويوضح أبو راس: "نريد أن نرى كبشر، لا كأرقام ولا كصور أخبار، لدينا قصص عادية جدًا، حب، فشل، أحلام صغيرة، فالعيش رغم كل شيء ليس بطولة هو فقط محاولة، لكن رغم ذلك فالبدء من جديد هو قرار داخلي، لتقول ما زلت هنا، وما زلت أستحق حياة ما."
الذاكرة والخوف المؤجل
سمر حمدان (39 عامًا)، أم لثلاثة أطفال، تعيش في حي الرمال بمدينة غزة، لا تقدّم نفسها بوصفها نموذجًا للبطولة، بل كامرأة عادية تحاول أن تحافظ على توازن هش في مكان لا يعرف الاستقرار.
تبدأ حمدان حديثها بنبرة منخفضة، وتقول: "التعب هنا ليس حدثًا، هو حالة مستمرة، نستيقظ ونحن متعبات، وننام ونحن نفكر في الغد."
وتتابع: "أكثر ما يرهقني ليس الخوف، بل الاستمرارية، فأن تكوني قوية مرة واحدة سهل، لكن أن تكوني قوية كل يوم، هذا هو الامتحان الحقيقي."
وتوضح: "البيت لم يعد مكانًا، بل فكرة، أحيانًا أشعر بأنّ دوري الأساسي هو أن أقنع أطفالي أنّ هذا المكان آمن، حتى لو كنت أنا غير متأكدة."
وتصف حمدان الأمومة في غزة بوصفها مسؤولية مضاعفة: "أنت أم، وممرضة، ومعالجة نفسية، وحارسة مشاعر، لا أحد يسألك إن كنت قادرة، في حين يفترض دائمًا أنك كذلك."
وعن لحظات الضعف تقول: "أبكي وحدي، ولا أريد أن يرى أطفالي دموعي، أحتاجهم أن يصدّقوا أنّ الأمور ستتحسن، حتى لو لم أكن متأكدة."
وتتحدث حمدان عن الذاكرة كشيء مؤجل: "لا نملك وقتًا لمعالجة الصدمات، فأضعها جانبًا وأكمل، ربما لاحقًا عندما يصبح لدينا وقت للحزن."
وتختم: "نعيش لأنّ علينا ذلك، لكننا نطمح إلى أكثر من البقاء، ففي غزة تكتب المرأة حياتها كل يوم من جديد، ليس بالحبر، بل بالصبر، وهنا الصمود ليس شعارًا، بل ممارسة يومية، صامتة، ومكلفة."
لا نملك ترف الانهيار الطويل
البدء من جديد ليس حدثًا استثنائيًا في غزة، بل ممارسة يومية، يبدأ الناس من جديد بعد كل خسارة، بعد كل انقطاع، بعد كل خيبة أمل صغيرة أو كبيرة، وفي هذا السياق تروي ليلى الخطيب (43 عامًا)، معلمة تعيش في شمال القطاع، كيف يرمم الإنسان ذاته حين لا يملك رفاهية التوقف.
تقول الخطيب في بداية حديثها: "أحيانًا أشعر بأنني تعبت من البدء من جديد، لكنني لا أملك خيارًا آخر، فالتوقف الكامل هنا خطر."
وتوضح: "أكبر ما يواجه الإنسان في غزة ليس اللحظة الصعبة نفسها، بل ما يليها، فبعد كل حدثٍ قاسٍ، يتوقع منك أن تعودي إلى حياتك سريعًا، فلا أحد يسأل إن كنت مستعدة."
وتتحدث الخطيب عن عملها كمعلمة: "أشعر أحيانًا بأنني أدرس في فراغ، فالأطفال مرهقون، وأنا مرهقة، لكنني أؤمن أنّ الاستمرار في التعليم هو شكل من أشكال الترميم الجماعي."
وعن علاقتها بطلابها تبين: "أحاول أن أكون صادقة معهم، دون أن أزرع الخوف، لا أعدهم بشيء لا أستطيع ضمانه."
وتصف الخطيب الذاكرة كظل دائم قائلة: "هناك أشياء لا نتحدث عنها كثيرًا لكنّها تعيش معنا، مشاهد، أصوات، لحظات عجز."
وترفض الخطيب فكرة النهاية السعيدة، وتقول: "نحن لا نعيش على أمل الخاتمة المثالية، ونعيش على أمل أن يكون الغد أقلّ قسوة."
وتؤكّد أنّ "البدء من جديد في غزة لا يعني التفاؤل المفرط، بل الواقعية الشجاعة، فالترميم ليس شفاءً كاملًا، هو فقط إبقاء الشقوق تحت السيطرة."
تكيّفٌ وليس تعافيًا
يرى أستاذ علم الاجتماع بجامعة القدس الدكتور أيمن ماضي أنّ "المجتمع يعيش حالة استنزاف طويل، فالناس لم يعودوا في ذروة الصدمة، لكنّهم أيضًا لم يتعافوا، وما نراه هو تعب متراكم، يظهر في العلاقات، وفي الصبر القصير، وفي الإحساس الدائم بعدم الأمان."
ويضيف ماضي: "أخطر التحديات هو الإرهاق النفسي الصامت، فكثيرون يبدون متماسكين خارجيًا، لكنّهم من الداخل منهكون، فهناك شعور عام بفقدان السيطرة، وبأنّ الجهد لا يؤدي دائمًا إلى نتيجة."
ويوضح: "الصمود موجود، لكنّه لم يعد بطوليًا كما يصوّر، فالناس يصمدون لأنّهم مضطرون، لا لأنّهم أقوياء طوال الوقت، وفي ظل الظروف الحالية ما يحدث هو تكيّفٌ وليس تعافيًا، لأنّ التعافي يحتاج إلى توقف الخطر، وإلى أمان، وهذا غير متوفر، فالتكيّف يسمح بالاستمرار، لكنّه لا يشفي الجروح."
ويؤكّد ماضي أنّ أهل غزة يؤجلون مواجهة الصدمة، لأنّ الحياة لا تمنحهم وقتًا، فالصدمة تؤجل كي يتمكنوا من الاستمرار، لا إنكارًا لها، إلا أنّ ذلك له مخاطر كبيرة تظهر لاحقًا في الاكتئاب، والقلق، واضطرابات العلاقات، فالصدمة لا تختفي، بل تنتظر."

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)