الحنين إلى "أسمر يا اسمراني": حال العنصرية في العالم العربي

الحنين إلى "أسمر يا اسمراني": حال العنصرية في العالم العربي

مشاهدة

29/06/2020

يشير كثيرون لموروث لفظي وفلكلوري متداوَل في البلاد العربية، ليس أقلّه "فستق عبيد"، عوضاً عن "فول سوداني"، ونعوت أخرى تقال من باب الدعابة، من قبيل: "أبو سمرة"، و"عبد"، و"راس العبد"، و"شوكولاتة"، و"فحمة"، ليتحدث آخرون عن عنصرية مضاعفة حين يكون أسوَد البشرة من ديانة غير إسلامية، أو حين يكون لاجئاً أو غريباً على بلاد ما.

إلى جانب الإعلام، لا بدّ للمناهج التعليمية أن تتضمن قصصاً وأمثلة برسومات غير متحيزة لذوي البشرة البيضاء. لا بدّ أن تظهر ألوان البشرة كافة والأعراق بلا استثناء

وفتحَ مقتل الأمريكي من أصول أفريقية، جورج فلويد، الباب على مصراعيه، ليس أمام الاحتجاجات والاضطرابات الأمنية والسياسية في الولايات المتحدة الأمريكية فحسب، بل أمام تساؤلات عدة حول جذور العنصرية حيال العِرق الأسود، وما إذا كان العالم العربي أحسن حالاً من أمريكا في هذه العنصرية؟

فهل أسهم الإعلام في رواج الأفكار العنصرية؟ وهل لعبت التربية دوراً في غرس المفاهيم العنصرية في المجتمعات العربية؟

"حفريات" تتوجّه بالسؤال لعدد من المعنيّات بقضية العنصرية، ضدّ أصحاب البشرة السوداء خصوصاً، والأعراق الأخرى عموماً، في المجتمعات العربية.

شجون حول العنصرية

تعود الطاهية دعد أبو جابر بذاكرتها لليوم الذي أخبرتها فيه ابنتها هلا، التي تدرس في بريطانيا؛ أنّها تحبّ شاباً نيجيرياً أسوَد البشرة وترغب بالزواج منه، تقول: "لم أفكر لحظة في فروقات العِرق، أنا أو والدها"، مستدركة: "لكنّني بمجرد أن ههمت بنشر صور خطوبتها التي جرت في عمّان، ذُهِلت من حجم الردود السلبية التي تلقيتها".

دعد أبو جابر

تذكر أبو جابر لـ "حفريات" جزءاً من النعوت القاسية التي تلقّتها، عبر صفحة الفيسبوك، التي جرى نشر صور الخطبة عبرها، من قبيل ما ذكره المتنبي في هجاء كافور: "لا تشتري العبد إلا والعصا معه، إنّ العبيد لأنجاس مناكيد"، لتتساءل: "ماذا حلّ بالإنسانية في قلوبنا؟ لا أعرف!"، مضيفة أنّ ثمة نسوة أخريات كنّ يرسلن لها متأسفات على البنت "التي ستذهب لأفريقي أسود البشرة، متسائلات أين هم شبابنا؟".

اقرأ أيضاً: تاريخ العنصرية في أمريكا: لماذا يتعذر إغلاق هذا الملف؟ 

تمضي أبو جابر أيامها، الآن، وهي تداعب حفيدها، شهم ديمودة، الذي جاء ثمرة للزواج بين ابنتها والشاب النيجيري، وتمضي غير ملتفتة البتة لما قيل لها من نعوت عنصرية بحقّ زوج الابنة، ولما قالته نسوة أخريات، على سبيل التحذير، من "هكذا زواج".

اقرأ أيضاً: "احتجاجات فلويد" تصل أوروبا.. هل نشهد نهاية العنصرية في العالم؟

بدورها، تقول الصحفية المصرية، إسراء صالح، لـ "حفريات" إنّ "مصر جزء من القارة الأفريقية، لكنّها رغم ذلك لم تتسامح مع أصحاب البشرة السوداء في مناطق الصعيد وأسوان مثلاً، فكان التعدّي اللفظي والجسدي مراراً، عدا عن الصور النمطية التي يجري تكريسها في الأعمال الفنية والأدبية".

إسراء صالح

تضيف صالح إلى هؤلاء المصريين، عدداً من اللاجئين من ذوي البشرة السوداء، الذين يتعرضون لكثير من الإيذاء "الذي يصل في مرات حدّ العنف الجسدي والتضييق"، مستذكرة قريبة لها كانت سمراء البشرة وكانت وحيدة والدتها، غير أنها كانت تنتعتها على الدوام بالقول: "بنتي السودة راحت بنتي السودة جت".

اقرأ أيضاً: فلويد.. شرارة عنصرية أم مماحكة انتخابية؟

تعزو صالح ذلك لوجود "مسطرة واحدة في الجمال، لدى العربي، وهي البشرة البيضاء والشعر المنسدل وحبذا لو كانت العيون ملوّنة كذلك"، مردفة أنّ الحلّ يكمن في "تمثيل أصحاب البشرة السوداء تمثيلاً حقيقياً في الأدب والفنّ والإعلام، تمثيلهم عدداً، ومن حيث طرح مشكلاتهم وقضاياهم، وعلى رأسها العنصرية، التي تبدأ بشخصية الخادم عثمان، والخادمة إدريسة، والطفلة قعر الحلة، ولا تنتهي بتصويرهم بالمجرمين والقساة".

التربية وأدب الطفل في مجابهة العنصرية

القاصة وسام سعد، واحدة ممن ينظرن بحساسية لافتة للعنصرية، ما جعلها تسعى لمحاربتها من خلال أدب الطفل، الذي تختص به، تقول: "كنت قد ألّفت قصة "الحمامة البيضاء والحمامة السوداء"، بعد أن لاحظت تصرف طلاب الثالث ابتدائي حيال زميلهم أسود البشرة، الذي قدِمَ من بلاد عربية شقيقة، كان وحيداً في الاستراحة وكانوا يرفضون الجلوس إلى جانبه في غرفة الصف".

اقرأ أيضاً: معركة الإنسان ضد العنصرية

تكمل سعد: "يميل الطفل في الغالب لمن يشبهونه، لكنّ تكريس حسّ تقريب الشبيه ونبذ غير الشبيه قد يتحوّل لعنصرية، لا سيما حين يرافقه تشجيع من الأهل، بشكل مباشر أو غير مباشر، لهذه الظاهرة السلبية".

وسام سعد

ترى سعد أنّ ثقافة الطفل تتكوّن من الأسرة والمدرسة والمناهج وقصص الأطفال والبرامج التلفزيونية الموجهة لهم والألعاب الإلكترونية؛ "ما يستدعي حذراً مضاعفاً؛ إذ تعمل هذه المؤثرات على تشكيل شخصية الطفل ووعيه ونمط سلوكه لاحقاً كما في حالة العنصرية".

كاتبة قصص للأطفال: ألّفت قصة "الحمامة البيضاء والحمامة السوداء"، بعد أن لاحظت تصرف طلاب الثالث ابتدائي حيال زميلهم أسود البشرة، الذي قدِمَ من بلاد عربية شقيقة

تقترح سعد في هذا السياق: "البدء بأحاديث مبسطة مع الطفل حول الأعراق، وضرورة تقبّل الاختلاف؛ إذ يبدأ تشكّل الوعي العنصري لدى الطفل منذ سنّ عامين إلى أربعة، ما يستوجب التركيز على نبذ العنصرية من خلال التربية"، مضيفة أنّه يمكن التركيز "على عرض الصور الإيجابية للجماعات التي لا تشبهنا عن طريق القصص، أو الأفلام، أو الكتب، خاصة التي تتحدث عن كفاح بعضهم من أجل محاربة التمييز، فهذا النوع من السرد في حال تكراره يُعدّ واحداً من أكثر الطرق فعالية ضدّ التحيّز والعنصرية".

اقرأ أيضاً: فيروس كورونا يفجر العنصرية ضد الأفارقة.. ما القصة؟

وترى سعد أنّ للمدرسة دوراً مهماً كذلك، وأنّه يتوجّب عليها طرح الأمر لا تحاشيه، كما يحدث غالباً، "لئلا ينشأ فراغ في هذا الموضوع، يجعله ممتلئاً بالفكر العنصري، أو على الأقل السلبية، في معالجة الأمر وتلافيه، في حال لم تتم تعبئة هذا الفراغ بالفكر المناهض للعنصرية والمتقبِل للآخر".

الإعلام والفنّ يغيّبان الآخر

بدورها، تعتقد الصحفية وطالبة دكتوراه الإعلام، ربا زيدان؛ أنّ "موروثنا الشعبي لم ينصف أصحاب البشرة السوداء، رغم حكايات البطولة في التراث، كعنترة الفارس والمقدام"، مردفة "حين يتعلق الأمر بمعايير الجمال تظهر فوراً صورة البشرة الفاتحة والوجنات المتوردة، رغم امتلاء أقطارنا بنماذج مغايرة من أصحاب البشرة الحنطية والداكنة والسوداء!".

ربا زيدان

تضيف زيدان أنّ هوليوود كذلك، والشاشة الفضية أيضاً، "لم تنصفا إلا العرق الأبيض؛ عبر تأليهه ومنحه أدوار البطولة والشهامة دوماً على حساب الأعراق الأخرى التي تظهر دوماً في مرتبة أدنى"، مكملة بأنّ انبهار العرب والشرق أوسطيين عموماً بالغرب، "وكذلك عقدة الخواجا التي تتملكنا، جعلتنا نفصّل الأدوار على شاشاتنا للحسناوات من ذوات البشرة الأفتح، وقلّما يظهر على الطرف الآخر مذيع أو مذيعة أو ممثل من ذوي البشرة السوداء، وكأنما اقتصر الجمال على ذوي البشرة البيضاء فحسب".

اقرأ أيضاً: قانون المواطنة الجديد.. هل تشهد الهند ظهور نظام للفصل العنصري؟

تكمل زيدان: "إلى جانب الإعلام، لا بدّ للمناهج التعليمية أن تتضمن قصصاً وأمثلة برسومات غير متحيزة لذوي البشرة البيضاء"، لا بدّ أن تظهر ألوان البشرة كافة والأعراق بلا استثناء، وجميع ألوان الشعر، البرتقالي والأحمر والأسود والأشقر، وكذلك الشعر المنسدل والمجعّد، وكذلك أصحاب القدّ الرفيع وذوو الخصور الممتلئة، لا بدّ أن يحضر الكلّ وألاّ يغيب أحد عن المشهد، لا الإعلامي ولا التعليمي"، معللة "هيمنة أحد على المشهد تمنحه التفوق تلقائياً، فيما غياب الآخر يجعله في المرتبة الأدنى بقصد أو من دون قصد".

وتركز زيدان على ضرورة ألا يكون المقابل لهذه الحالات الآنفة هو طرح أصحاب البشرة السوداء، إعلامياً وفنياً، كمبعث للشفقة والرثاء والحزن: "لا بدّ أن يكونوا متساوين تماماً مع أصحاب البشرة البيضاء، دونما افتعال أو إشعار بالتفضّل عليهم".


الصفحة الرئيسية