الحكم بالإعدام على "البعاتي".. مهزلة حكومة بورتسودان

الحكم بالإعدام على "البعاتي".. مهزلة حكومة بورتسودان

الحكم بالإعدام على "البعاتي".. مهزلة حكومة بورتسودان


15/07/2026

أسامة أحمد المصطفى

في السياسة قد تختلف الروايات، وقد تتبدل المواقف، لكن أن تتصادم الرواية الرسمية مع نفسها إلى حد السخرية، فذلك يفتح الباب أمام سؤال أكبر من السياسة نفسها: هل ما يُدار هو دولة بمؤسسات، أم مسرح تتغير فيه النصوص بينما يظل الجمهور مطالبًا بالتصفيق؟

لقد ظلت حكومة بورتسودان، عبر منابرها الإعلامية المختلفة، تروج لعدة أشهر لرواية مفادها أن محمد حمدان دقلو (حميدتي) قد قُتل في المعارك بسلاح الجيش، وقد قُدمت هذه الرواية للرأي العام باعتبارها حقيقة محسومة لا تقبل النقاش. ولم تكتفِ بذلك، بل تحولت إلى مادة للتعبئة السياسية والإعلامية، حتى أصبح التشكيك فيها يُعد خروجًا عن الرواية الرسمية.

لكن المفاجأة جاءت بالأمس، عندما صدر حكم بالإعدام على الشخص ذاته.

وهنا لا يملك المواطن السوداني إلا أن يتساءل: على من صدر الحكم؟ على رجل قيل إنه مات منذ أشهر؟ أم أن الدولة نفسها تراجعت ضمنيًا عن روايتها السابقة؟ فإن كان الرجل حيًا، فلماذا أُعلن مقتله مرارًا؟ وإن كان ميتًا، فكيف يُحاكم ويُحكم عليه بالإعدام؟

هذه ليست مفارقة قانونية فحسب، بل مفارقة تمس مصداقية الخطاب الرسمي بأكمله.

في الثقافة السودانية، يُطلق على من يعود للحياة بعد أن شاع خبر موته اسم "البعاتي"؛ وهو تعبير شعبي يحمل شيئًا من الطرافة والأسطورة، ويُستخدم لوصف من "بعث" بعد أن اعتقد الناس أنه فارق الحياة. لكن يبدو أن حكومة بورتسودان قد منحت هذا المصطلح بعدًا سياسيًا جديدًا، حين صنعت أول "بعث" رسمي في التاريخ، لا بقدرة الخيال الشعبي، وإنما بتناقض بياناتها وقراراتها.

إن القضية هنا لا تتعلق بمحمد حمدان دقلو بقدر ما تتعلق باحترام عقول السودانيين. فالدولة التي تتعامل مع المعلومات المصيرية بمنطق الدعاية، ثم تنقض روايتها دون تفسير، لا تضعف خصومها بقدر ما تضعف ثقة المواطنين في مؤسساتها.

الأحكام القضائية، أيًا كانت، يجب أن تُبنى على إجراءات قانونية رصينة، وأن تصدر في مناخ يحترم الحقيقة والشفافية. أما حين تتناقض مع الرواية الرسمية التي سبق أن أعلنت وفاة المحكوم عليه، فإنها تتحول إلى مادة للتندر أكثر من كونها رسالة للعدالة.

المؤسف أن السودان، وهو يمر بإحدى أعقد مراحله التاريخية، يحتاج إلى مؤسسات تُعيد بناء الثقة، لا إلى مشاهد تزيد من تآكلها. فالشعوب قد تغفر الأخطاء، لكنها نادرًا ما تغفر الاستخفاف بعقولها.

ولعل السؤال الذي سيظل معلقًا في أذهان السودانيين ليس: لماذا صدر الحكم؟ وإنما: هل كان المحكوم عليه ميتًا كما قالت الحكومة، أم حيًا كما أثبت حكمها؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال تكشف أي الروايتين كانت مجرد دعاية، وأيهما كان أقرب إلى الحقيقة.

إن أخطر ما في هذه الواقعة ليس الحكم نفسه، بل أنها تكشف أزمة أعمق في إدارة الخطاب الرسمي، حيث يمكن للرواية أن تتغير بين ليلة وضحاها، دون مراجعة أو اعتذار أو تفسير، وكأن ذاكرة الشعوب قصيرة، أو كأن المواطن لا يملك حق مساءلة من يخاطبه باسم الدولة.

وفي النهاية، قد يختلف السودانيون حول السياسة، لكنهم يتفقون على أن الدولة الجادة لا تُعدم من أعلنت وفاته، ولا تجعل من مؤسساتها طرفًا في صناعة مفارقات يصعب على أكثر الكتّاب الساخرين ابتكارها.

العين




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية