الحركة الإسلامية السودانية والناظر ترك… صناعة الشرعية القبلية للحكم العسكري

الحركة الإسلامية السودانية والناظر ترك… صناعة الشرعية القبلية للحكم العسكري

الحركة الإسلامية السودانية والناظر ترك… صناعة الشرعية القبلية للحكم العسكري


14/07/2026

عبدالمنعم همت

ليست كل التحركات القبلية تعبيرًا عن مطالب اجتماعية أو تنموية. ففي كثير من الأحيان تتحول القبيلة إلى أداة سياسية عندما تجد نفسها جزءًا من مشروع أكبر يتجاوز حدود مصالحها المحلية. وهذا ما يجعل التحركات الأخيرة التي يقودها الناظر محمد الأمين ترك تستحق قراءة تتجاوز ظاهرها، لأن ما يجري لا يبدو مجرد نشاط قبلي أو حراك جماهيري، بل هو في الحقيقة جزء من عملية سياسية منظمة تستهدف إعادة تشكيل المشهد السوداني.

منذ سقوط نظام الإنقاذ لم يكن ترك بعيدًا عن الصراع السياسي، فقد ظهر لاعبًا مؤثرًا في شرق السودان مستفيدًا من موقعه القبلي وقدرته على الحشد. لكن الأدوار التي قام بها تجاوزت المطالب الخاصة بالإقليم. إغلاق الطريق القومي المؤدي إلى ميناء بورتسودان في أيلول/سبتمبر 2021 لم يكن حدثًا عابرًا، فقد أصاب الاقتصاد السوداني في مقتل وأوقف حركة الصادرات والواردات وأدخل البلاد في أزمة معقدة، كما دفع العديد من الشركات إلى البحث عن موانئ بديلة خارج السودان، وهو ما ألحق خسائر كبيرة بالاقتصاد الوطني وأضعف ثقة المستثمرين في قدرة الدولة على حماية شريانها التجاري الرئيسي.

سياسيًا، كان ذلك الإغلاق واحدًا من أهم الضغوط التي تعرضت لها الحكومة الانتقالية برئاسة عبدالله حمدوك. فقد وُضعت الحكومة أمام أزمة لم تستطع احتواءها، بينما كانت القوى المناهضة للانتقال الديمقراطي تجد في تلك الفوضى فرصة لإثبات أن الحكومة المدنية عاجزة عن إدارة الدولة. وبعد أسابيع قليلة جاء انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر ليطيح بالفترة الانتقالية بالكامل، وهو ما جعل كثيرًا من المراقبين يربطون بين تلك الأحداث باعتبارها حلقات داخل مسار واحد انتهى بإعادة الجيش إلى واجهة السلطة.

تاريخيًا، لا يمكن فصل ترك عن البيئة السياسية التي نشأت فيها الحركة الإسلامية في السودان. فقد ارتبط بها في مراحل مختلفة، كما أن مواقفه خلال السنوات الأخيرة جاءت متقاطعة بصورة واضحة مع أهداف الإسلاميين الساعين إلى إنهاء تجربة الانتقال المدني واستعادة نفوذهم داخل الدولة. وقد لا يظهر هذا الارتباط في صورة تنظيمية مباشرة، لكنه يبدو حاضرًا في طبيعة الخطاب والتحالفات والنتائج التي تخدم المشروع نفسه.

اليوم تتكرر الصورة بطريقة مختلفة. فالجولات التي يقوم بها ترك بين زعماء القبائل والإدارات الأهلية لا تبدو مجرد لقاءات اجتماعية أو تشاورات تقليدية. الهدف المعلن هو الدعوة إلى تفويض الفريق أول عبدالفتاح البرهان ومنحه شرعية داخلية بوصفه حاكمًا عسكريًا يقود البلاد في المرحلة المقبلة. ويجري الإعداد لمسيرات وفعاليات تأييد يراد لها أن تُقدَّم للرأي العام الخارجي باعتبارها تعبيرًا عن إرادة شعبية واسعة تطالب بالحكم العسكري.

هذه الاستراتيجية ليست جديدة في التجارب السياسية التي شهدتها المنطقة. فالأنظمة التي تواجه عزلة خارجية أو أزمة شرعية غالبًا ما تلجأ إلى صناعة مشاهد جماهيرية منظمة لتقديمها بوصفها دليلًا على التأييد الشعبي. وفي الحالة السودانية تبدو القبيلة هي الأداة الأكثر ملاءمة لهذا الدور، لأنها تمتلك القدرة على الحشد السريع وإنتاج صور جماهيرية يمكن توظيفها سياسيًا وإعلاميًا.

السؤال الذي يفرض نفسه هو: من المستفيد من هذه التحركات؟ إذا كانت النتيجة النهائية هي تثبيت الحكم العسكري وإغلاق الباب أمام أي انتقال مدني، فإن المستفيد الأول سيكون التيار الإسلامي الذي فقد السلطة بعد ثورة ديسمبر، ثم بدأ منذ ذلك الوقت البحث عن طرق مختلفة للعودة إلى المشهد دون أن يعود بالخطاب القديم أو الوجوه نفسها.

هناك مؤشرات عديدة تدفع إلى الاعتقاد بأن هذه التحركات لا تتم بصورة منفصلة، وإنما تأتي ضمن تنسيق سياسي أوسع بين شخصيات وقوى ما زالت تدور في فلك الحركة الإسلامية، مدعومة بشبكاتها التنظيمية داخل السودان وخارجه. الهدف ليس إعادة إنتاج نظام الإنقاذ بصورته السابقة، لأن تلك الصيغة فقدت قدرتها على البقاء، وإنما إنتاج نسخة جديدة تستخدم عناوين مختلفة وتستفيد من حالة الانقسام التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب.

إعادة تقديم الحكم العسكري باعتباره مطلبًا شعبيًا تمثل خطوة أساسية في هذا المشروع. فالعالم أصبح أكثر حساسية تجاه الانقلابات العسكرية، ولذلك يحتاج أي نظام جديد إلى رواية تمنحه قدرًا من الشرعية الداخلية قبل أن يسعى إلى انتزاع الاعتراف الخارجي. ومن هنا تأتي أهمية الحشود القبلية وبيانات التأييد والاجتماعات التي يجري تنظيمها في مختلف الولايات.

غير أن التجربة السودانية خلال العقود الماضية تؤكد أن شرعية الدولة لا تُبنى عبر التفويضات القبلية ولا عبر المسيرات المنظمة، وإنما من خلال التوافق الوطني والمؤسسات الدستورية والانتخابات الحرة. أما استخدام الإدارات الأهلية في معارك السلطة فإنه يحمل خطرًا مضاعفًا، لأنه ينقل الانقسام السياسي إلى داخل البنية الاجتماعية ويحوّل القبائل من مكونات تحفظ السلم الأهلي إلى أدوات للصراع على الحكم.

السودان اليوم في حاجة إلى مشروع يعيد بناء الدولة ويوقف الحرب ويؤسس لسلام دائم. أما إعادة تدوير التحالفات القديمة تحت عناوين جديدة فلن تنتج سوى دورة أخرى من الأزمات، وسيجد السودانيون أنفسهم أمام المشهد نفسه الذي خرجوا ضده في ثورة ديسمبر، مع اختلاف الأسماء وتبدل الشعارات، بينما تبقى أدوات السلطة وآليات السيطرة كما هي.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية