الجهاد الإلكتروني: أيديولوجيات متطرفة وقلوب حب

الجهاد الإلكتروني: أيديولوجيات متطرفة وقلوب حب

مشاهدة

10/01/2022

ترجمة: علي نوار

"غزا الكُفّار أراضينا. يتعرّض شبابنا للقتل، ونساؤنا للاغتصاب، ويتعلّم أبناؤنا عادات وثنية ويتركون الدين. لا تنسَ أنّ الله سوف يسألنا يوم القيامة عمّا فعلنا من أجل ديننا. الإجابة هي الجهاد".

هذه هي بداية دليل يحمل عنوان "الاستعداد للجهاد: طريقة استخدام البندقية إيه كي-47" الذي توجد منه ترجمة باللغة السواحيلية وينتشر في كينيا بهدف تدريب الجنود المستعدّين للدفاع عن الإسلام باستخدام العُنف، وهو موجود على الشبكة العنكبوتية مُرفقاً برسالة تبعث على القلق، جاء فيها: "حاول الكُفّار إخفاء المعرفة بالأسلحة عن المسلمين كي لا نستطيع حماية أنفسنا من شرورهم. نتمنّى ألّا تظلّ هذه المعرفة حبيسة الكُتب، بل أن تنتقل إلى حيث يجدر بها الذهاب".

تحوّل العالم الافتراضي إلى ساحة معركة يتجمّع عبرها الأشخاص إلكترونياً ، وتمتزج الأيديولوجيات المتشدّدة مع أشكال القلوب، انتقل العنف من كونه عطيّة للمُختارين إلى منتج جمالي يجتذب مستهلكين مدمنين

لقد غزت الجماعات الإرهابية العالم الرقمي حيث يسهل عليها إخفاء هويتها وتستطيع احتلال مساحات في الحيّز والزمان الافتراضي، بالتالي، انتقلت الحرب المقُدّسة المزعومة إلى مواقع التواصل الاجتماعي والتي ساعدت هذه العناصر المتطرّفة في حربها الإعلامية.

تجميل المُحتوى

ونجح الإرهابيون، بفضل الفضاء الرقمي، في تجميل المُحتوى الفكري والثقافي الذي يستهدفون من ورائه حصراً بثّ الرُعب، وقد أثمرت جهودهم بالفعل عن نتائج تُرجمت في صورة هجمات نيس وفيينا وباريس وبرشلونة، وهي المُدن التي عانت في الأعوام الأخيرة هجمات نُفّذت بدافع الحملات الإلكترونية التي تدعو للحرب ضد "الكُفّار".

ينقل عبد الرحيم، العنصر السابق في جماعة الشباب الإرهابية، والذي يحظى الآن بحماية حكومة كينيا، صورة عن الإرهابيين تختلف بأعوام ضوئية عمّا يقبع في مُخيّلتنا الجماعية، ويقول: "لم يعد الإرهابيون أشخاصاً متعرّقين في الصحارى. أصبح الإرهابيون يمتلكون حسابات على منصّات مثل تويتر وإنستغرام".

إقرأ أيضاً: كيف يغذي تغير المناخ الإرهاب في الشرق الأوسط؟

ويضيف: "يعيش كثيرون منهم في الغرب ويحلمون بالثأر لأخوتهم في الدول الإسلامية"، موضحاً أنّ الإرهابيين ينشرون صوراً شخصية "سيلفي"، وصوراً تحمل وسم #فطور_شهي، كما أنّهم ملمّون بكلمات أغنيات دوا ليبا "أوقعتني في الحُبّ مُجدّداً، أوقعتني في الحُبّ مُجدّداً" رغم أنّهم لا يحبّونها.

بات الإرهابيون على دراية بمنصّة المحتوى الترفيهي الرقمية "نتفليكس" بقدر معرفتهم بالقرآن، ليس هذا فحسب، بل وأيضاً العملات الرقمية، على غرار بيتكوين والرموز غير القابلة للاستبدال "إن إف تي"، وقد كشفت وزارة العدل الأمريكية، في 2020، أنّ عُملة البيتكوين كانت هي الأساس في ست عمليات تمويل للإرهاب، مطالبة بمصادرة 155 عنواناً للعملات الرقمية يملكها إرهابيون.

شخص واحد يستطيع بثّ الخوف

أيّهما أكثر فائدة اليوم، مقاتل مُسلّح ببندقية طراز "إيه كي-47"، أم آخر يضطّجع على أريكة؟ يكتب فتى شاب عبر حسابه على شبكة "فيسبوك" الآيات القرآنية التي تستحضرها سائر الجماعات الإرهابية: "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ"، يضغط زرّ "مشاركة" على لوحة الكتابة التي تحمل بقعة من مشروب كوكاكولا. سُمّ الغرب.

لم تعد المساحات المكانية لازمة للانخراط في غياهب الأصولية، يلتقي الإرهابيون عبر الأثير الرقمي دون قيود تُذكر، نتحدّث عن آلاف الرجال والنساء الذين يشتركون في هدف صياغة شكل الخوف العالمي: انتشار يستحيل تقريباً احتواؤه. "شخص واحد يستطيع بثّ الخوف" كما يؤكّد صحفي من أصول صومالية يعيش في سويسرا والذي يوضّح أنّ "بإمكان شخص بمفرده أن يتسبّب في مذبحة دامية. القتل ليس هدف الجماعات الإرهابية".

إقرأ أيضاً: لماذا اختفت دواوين القبائل العربية الثمانون؟

ويوضح هذا الصحفي، الذي يكتفي بتعريف نفسه بالأحرف الأولى من اسمه "هـ م"؛ أنّ ما تسعى إليه تلك الجماعات ليس القتل بل الاستعراض، إضفاء لمسة مسرحية على التضحية، وهو جوهر وجود الجماعات الإرهابية. ويسعى الإرهابيون في عصر الحداثة والعالم الافتراضي للسيطرة على أرجائه المختلفة، حيث يمكن طلب وجبة البيتزا أو إيجاد شريك حياة أو تعلّم صناعة وزرع العبوّات الناسفة. أو الثلاثة معاً في الوقت نفسه ربّما.

لا يتطلّب الأمر حيازة أسلحة متقدّمة، فيمكن بواسطة عربة تنفيذ عملية دهس، وعن طريق المواد السامّة يسهل إصابة عدد من الأشخاص، وكذلك إشعال الحرائق، أو استخدام سكّين المطبخ

ويضيف الصحفي الصومالي: "يتم تطويع إستراتيجية التجنيد وفق احتياجات المستخدم؛ فالجهاديون لا يجنّدون، بل يسهّلون العثور عليهم" عن طريق ترك رسائل مغرقة في الجاذبية تتمحور حول عدم وجود شيء أعظم من الدفاع عن الله، ممزوجة بلقطات تبدو مأخوذة من ألعاب الفيديو الحربية، وفي الخلفية تظهر الأحرف العربية بألوان برّاقة بينما تنشد الأهازيج وترفرف الرايات السوداء.

وهذا بالضبط ما يثير اهتمام الشباب، الذين يتساءلون: "ولم لا نعيش الخيال؟ لماذا لا نتحوّل إلى أبطال؟"، بالتالي، يصبح الإرهاب مرادفاً للجمال وبديلاً يعوّض عدم الرضا عن الواقع.

إقرأ أيضاً: ما الشيء المشترك بين الإرهابيين؟ إساءة معاملة المرأة

وبعد اجتياز مرحلة الترويج تبدأ الاتصالات الغامضة والمُبهمة، لكنّها تحافظ على الطابع الودود؛ يجري التلاعب بالدين ويصير أداة إشباع الحاجة لشعور الفرد بأنّ له أهمّية، والتي لا تتأتّى سوى بالبحث عن مهمّة لملء الفراغ، وتعزيز شعور الشاب بالانتماء الشديد وتبنّي غاية نبيلة.

وكما هو الحال عند الوقوع في الحُبّ، يستهدف الإرهاب الإلكتروني إثارة المشاعر، لكنّه يتغذّى على اللامنطق، وهكذا يصبح تدفّق الأدرينالين والشعور بالإثارة هو نقطة الانطلاق، إضافة إلى تعميق الشعور بالاختلاف والتميّز وبالطبع السعي نحو جعل العالم مكانًا أجمل، والتصديق بأنّ العنف هو السبيل الوحيد نحو الجمال المنشود.

تويتر وإنستغرام يعجّان بمشاهير الجهاديين

"فلتغزُ من أجل الله وتطلب عونه، ندعو الله أن يحميك ويعوضك ويبارك جهادك"، هكذا يدوّن شاب صومالي داخل إحدى مجموعات منصّة "فيسبوك" الاجتماعية، بعدها بخمس دقائق يتم حذف منشوره، لكنّه لا يهتمّ.

يُعدّ مقطع الفيديو المعنون "حرّض المؤمنين"، الذي نشرته في تموز (يوليو) عام 2020، شبكة "مركز الحياة للإعلام" المتحدّثة باسم تنظيم الدولة داعش الإرهابي، النموذج الأكثر إتقاناً لوسائل التجنيد؛ فهو يعتمد على شدّ اهتمام الشباب لعوامل ينجذبون إليها بسهولة مثل الدعوة للثأر ردّاً على الهجمات المتكرّرة التي يتعرّض لها المسلمون حول العالم من قبل الغرب.

بالمثل، يذكّر المقطع بأنّ الأخذ بالثأر لا يتطلّب حيازة أسلحة متقدّمة، فيمكن بواسطة عربة تنفيذ عملية دهس، وعن طريق المواد السامّة يسهل إصابة عدد من الأشخاص، وكذلك إشعال الحرائق، أو حتى استخدام سكّين المطبخ الذي لا يتعذّر كشفه بإجراءات أمنية بغية إصابة "الأعداء الغربيين" بالرعب.

ويحذّر عبد الرحيم من أنّ "تويتر وإنستغرام يعجّان بمشاهير المؤثّرين الجهاديين، يغيّرون أسماءهم باستمرار ويصعب للغاية كشف بعضهم"، وللوهلة الأولى يتعذّر التمييز بين المحتوى الذي ينشره رجل دين "متصلّب الفكر" وذلك الذي يروّج له أشخاص يسعون وراء إيقاع شباب في فخّ الإرهاب والأصولية.

ويقع مسلمون كثيرون في شرَك الاتّهام بتمجيد الإرهاب حين يستخدمون آيات القرآن نفسها التي يتداولها الإرهابيون، لكنّ عبد الرحيم يعود ويبرز "لا ينبغي أن ننسى أنّ المسلمين أنفسهم هم أول ضحايا الإرهاب".

ودون الذهاب بعيداً؛ فقد شنّ آلاف المستخدمين حملة شعواء لمهاجمة الحاضرين لمهرجان موسيقى قبل أيام في الرياض، ويُعتقد أنّ أغلب الضيوف كانوا من المسلمين، رُغم أنّ المملكة العربية السعودية تسمح منذ أعوام بالاستماع إلى الموسيقى في ظلّ سعي حكومة البلد العربي لتغيير الصورة النمطية عنها كدولة محافظة.

إقرأ أيضاً: لماذا يميل المتحولون للإسلام للانضمام إلى الجماعات الجهادية؟

إلّا أنّ البعض من المتشدّدين اعتقدوا أنّ من واجبهم حماية الأراضي المقدّسة من كلّ حدث يفتقر للأخلاقيات ويروّج للفواحش. وطالب أشخاص متطرّفون عبر المنصّات الاجتماعية بـ "قاتلوا الكفّار، المرتدّين، استخدموا السيف لو لزم الأمر ضدّ هؤلاء الذين لا يحترمون الإسلام".

هكذا تحوّل العالم الافتراضي إلى ساحة معركة يتجمّع عبرها الأشخاص إلكترونياً، بينما ينشط الإرهابيون مستخدمين الوسوم ووسائل السيطرة على المُحتوى، وتمتزج الأيديولوجيات المتشدّدة مع أشكال القلوب، انتقل العنف من كونه عطيّة للمُختارين إلى منتج جمالي يجتذب مستهلكين مدمنين.

وتكمُن مشكلة الإرهاب الجهادي في أنّ العديدين ممّن يعتنقون أفكاره المتطرّفة هم في الحقيقة يعانون من البراءة الساذجة التي يسهل بشدّة استغلالها، ومع تصاعد وتيرة العمليات يبدأ ضخّ الشعور بالتفوّق بعبارات مثل: "نحن الأفضل"، و"الله إلى جانبنا"، و"نحن لسنا مثلهم".

مصدر: https://bit.ly/3pTAkZ1

الصفحة الرئيسية