التعليم في مرمى القصف... مدارس على خطوط النار في غزة

التعليم في مرمى القصف... مدارس على خطوط النار في غزة

التعليم في مرمى القصف... مدارس على خطوط النار في غزة


22/04/2026

يستهل المعلم خليل ناجي، مدرس اللغة العربية، يومه في مدرسة الزيتون المشتركة المتواضعة التي لا جدران لها سوى أقمشة الخيام، وتضم المدرسة تسعة فصول نصبت في حي الزيتون شرق مدينة غزة، وهناك، حيث تختلط رائحة الغبار بأصوات الأطفال، يقف ناجي شاهداً على معنى الصمود اليومي.

يقول ناجي: "تقدّم المدرسة أربع مواد تعليمية هي اللغة العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم، وتستند إلى محتوى المنهاج الفلسطيني، وتعمل المدرسة على ثلاث فترات تعليمية تمتد من الساعة السابعة صباحاً حتى الثالثة مساءً، لاستيعاب جميع المراحل التعليمية." 

ووفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد تسببت الإبادة الجماعية في حرمان أكثر من 785 ألف طالب وطالبة من التعليم المنتظم في المراحل المختلفة لثلاثة أعوام دراسية متتالية، واستشهاد أكثر من 1000 طالب وإصابة الآلاف بجروح مختلفة.

ووثق "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان" استهداف الاحتلال الإسرائيلي لـ 688 مبنى مدرسيًا بقصف مباشر، وتدمير 179 مدرسة حكومية بالكامل، وإلحاق أضرار جسيمة بـ118  مدرسة حكومية، إلى جانب تدمير 100 مدرسة تابعة لوكالة "الأونروا"، و63 مبنى جامعياً بالكامل، مع أضرار جسيمة في بقية الجامعات والكليات.

وتُقدّر نسبة المدارس المتضررة بأكثر من 95% من إجمالي المدارس في قطاع غزة، وتحتاج أكثر من 90% من المباني المدرسية إلى إعادة بناء أو تأهيل شامل، وهو ما يجعل الغالبية العظمى من المدارس خارج الخدمة.

وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 11 تشرين الأول/أكتوبر 2025، فإنّ "الخط الأصفر" يفصل بين المناطق الخاضعة لسيطرة جيش الاحتلال من جهة وسيطرة حركة حماس من جهة أخرى، ويضع نحو 57% من إجمالي مساحة قطاع غزة تحت سيطرة الاحتلال.

وتُعدّ المنطقة في محيط "الخط الأصفر" الأخطر في قطاع غزة، حيث يكرر جيش الاحتلال بشكل يومي عمليات إطلاق النار والقصف على كل جسم متحرك هنا، ضمن خروقات أوسع تشمل قطاع غزة بأكمله، وقد أدت حتى تاريخ 6 نيسان/أبريل 2026 إلى استشهاد 716 شخصاً، بحسب معطيات وزارة الصحة في غزة.

تعليم تحت النار

وبصوت خافت، يوشك أن تبتلعه قسوة المكان، لكنّه يظل ثابتاً كإرادة لا تنكسر، يقول ناجي: "أحاول أن أتذكر أنني معلم، وأنّ هناك أطفالاً ينتظرون شيئاً يشبه الحياة." 

ولم يعد الطريق إلى المدرسة طريقاً عادياً، بل تحول إلى مسار مثقل بالخوف والترقب، فهي رحلة يومية محفوفة باحتمالات قاسية، يصفها ناجي بمرارة صادقة قائلا:  "أخرج وأنا لا أعرف إن كنت سأصل، وغالباً أعود لأنّ الطريق قصف، وقد نتعرض لإطلاق النار من قبل قوات الاحتلال التي لا تبعد سوى 750 متراً عن المدرسة، ورغم ذلك أستمر في مواصلة عملي للحفاظ على استمرارية التعليم." 

وفي شهادته التي تختلط فيها الواقعية بالألم يقول: "الخطر لا يقتصر على الطريق فحسب، بل يلاحقنا حتى داخل الفصول الدراسية، وتتعرض المدرسة بشكل شبه يومي لإطلاق النار من قبل قوات الاحتلال المتمركزة داخل الخط الأصفر، وهو ما أدى إلى مقتل وإصابة العديد من الطلبة." 

وتحت سقف فصل بدائي صنع من النايلون، يبدأ ناجي الدرس كفعل مقاومة يومي، لا لأنّ الظروف مهيأة للتعليم، بل لأنّ غياب التعليم يعني انقطاعاً أعمق يمتد إلى ما هو أبعد من الفصول الدراسية، حيث يصبح الصمت بديلاً قاسياً يطغى على المكان، وصمتاً يخشاه الجميع أكثر من أيّ شيء آخر.

ويضيف: "تفتقر المدرسة للمقاعد والطاولات، ولذلك فإنّ بعض الطلبة يضطرون للجلوس على أرضية الفصل طيلة فترة الدوام، وهو ما يشتت انتباههم ويعيق تركيزهم." 

وعند سؤاله عن طلابه، يتبدل صوته، ويغدو أكثر هشاشة وصدقاً، كأنّ الكلمات تخرج مثقلة بما لا يقال، ويوضح: "الأطفال لم يعودوا كما كانوا، هناك شيء انكسر في داخلهم، وأحدهم سألني: أستاذ، إذا حفظت الدرس جيداً، هل سيبقى بيتنا آمناً".

بين الخطر اليومي وإرادة لا تنكسر

ويتوقف قليلاً، كمن يبحث عن كلمات تعجز عن حمل ثقل المعنى، ثم يتساءل: "كيف يمكن لمدرس أن يجيب عن هذا السؤال؟ فنحن ندرّس اللغة، لكننا نعجز عن صياغة جواب للحياة." 

ويتابع ناجي، في وصف يختصر قسوة الواقع داخل الفصل: "لا توجد مقاعد كافية، ولا كتب لكل طالب، ولا كهرباء تضمن استمرار الحصة، ومع ذلك يستمر الشرح، أكتب على أيّ سطح أستطيع الكتابة عليه، وأحياناً على لوح مكسور، أو على ورق مهترئ، المهم أن تبقى الفكرة حية، فالتعليم ليس مرتبطاً بالوسائل، بل بالإصرار." 

وعن زملائه، يتحدث بنبرة مثقلة بالخسارات: "نتقاسم الأقلام والطباشير، والآن نتقاسم الذكريات، فبعضهم نزح، وبعضهم فقد بيته، والبعض الآخر لم يعد موجوداً،  ومع كل خسارة تتقلص المسافة بين التعليم والبقاء." 

ويلفت إلى صراعه الداخلي قائلاً: "أشعر غالباً بأنّ عملي بلا جدوى، لكنني أعود وأسأل نفسي، ماذا لو توقفت؟ ماذا سيبقى لهؤلاء الأطفال؟ التعليم هنا ليس رفاهية، بل هو آخر ما يربطهم بفكرة المستقبل، وحين أشرح درساً حتى لو لم يحفظ، أقول لهم إنّ الحياة لم تنته بعد." 

ويؤكد: "لا يوجد دعم كافٍ، لا نفسياً ولا مادياً، والمعلمون أنفسهم يعيشون الصدمة، ويحاولون في الوقت ذاته احتواء صدمات طلابهم، وغالباً نشعر بأننا نحمل أكثر ممّا ينبغي، لكننا لا نملك خياراً آخر." 

ويختتم حديثه بكلمات تختزل الحلم البسيط المؤجل، ويكمل: "لا نريد مباني جديدة، ولا حتى مناهج حديثة، وما أتمناه بصدق هو يوم دراسي عادي، يوم بلا قصف، بلا خوف، بلا فقد، يوم يدخل فيه الطلاب إلى صفوفهم، ويخرجون منها كما دخلوا فقط." 

اختبار صامت للنجاة 

وفي تمام الساعة السابعة صباحاً يخرج الطفل أحمد سرور (11 عاماً)، وهو يدرس بالصف السادس الابتدائي، حاملاً حقيبته على ظهره، وكأنّه يتمسك بخيط رفيع يربطه بما تبقى من حياة طبيعية.

ويدرس سرور خمسة أيام أسبوعياً، ويبدأ يومه دون الحاجة إلى منبه، كما يقول، "فأصوات القصف والأعيرة النارية التي اعتاد عليها الجميع كفيلة بإيقاظه للذهاب إلى المدرسة." 

ويتابع: "الطريق إلى المدرسة ليس مجرد مسافة تقطع، بل اختبار صامت للنجاة، أحياناً أصل إلى المدرسة وفي مرات أخرى أعود أدراجي إلى البيت، ليس لأنني لا أريد أن أدرس، بل لأنّ الخوف يصبح أقوى من الخطوات." 

وداخل المدرسة لم تعد التفاصيل كما كانت، فالصفوف قد تكون متضررة، والمقاعد غير كافية، والكتب موزعة بين أكثر من طالب، لكنّ سرور لا يتحدث عن هذه النواقص بقدر ما يتحدث عن الإحساس الذي يرافقه حين يجلس في مكانه، ويكمل: "عندما أنظر إلى السبورة أنسى قليلاً ما يحدث خارجاً، كأنني أدخل عالماً آخر، حتى لو كان هذا العالم هشاً." 

ويروي: "في إحدى الحصص كان المعلم يشرح درساً، قبل أن يقطع الصوت دوي انفجار قريب، توقفنا جميعاً، ولم يتكلم أحد، وكنا ننظر إلى بعضنا بعضاً، نحاول أن نفهم، هل انتهى الأمر أم ما يزال مستمراً؟".

ويواصل: "بعد لحظات عاد المعلم إلى الشرح، وعاد الطلاب إلى أماكنهم، كأنّ شيئاً لم يحدث، ونحاول أن نكمل، ليس لأننا أقوياء، بل لأننا لا نملك خياراً آخر." 

وبسؤاله عمّا يتمناه، لم يتردد سرور طويلاً، ولم يطلب أشياء كبيرة أو مستحيلة، ويؤكد: "أتمنى أن أذهب إلى المدرسة دون أن أخاف، وأن أجلس في الصف، وأفكر فقط في الدرس، لا في أيّ شيء آخر." 

فصول ضيقة ومكتظة

ويروي الطالب مصطفى نسمان، ذو الاثني عشر عاماً، الملتحق بالصف السابع، تفاصيل تجربة قاسية بدأت مع نزوح عائلته من منطقة إلى أخرى داخل القطاع، في تجربة لا تحمل فقط وطأة الحرب، بل أيضاً ارتباك البدايات المفروضة في مكان لم يختره.

ويستهل حديثه باستعادة لحظة الانتقال المفاجئ قائلاً: "كنت أدرس في مدرسة قريبة من بيتنا، أعرف المعلمين والطلاب، وكان كل شيء واضحاً ومستقراً، فجأة اضطررنا للنزوح، فتركت كتبي ودفاتري، وحتى حقيبتي، ولم أحمل معي سوى بعض الملابس." 

ويضيف بنبرة يختلط فيها القلق بالتيه: "حين وصلت إلى المكان الجديد لم أكن أعرف إن كنت سأكمل دراستي أم لا، والفصول ضيقة ومكتظة، وهناك دائماً خطر القصف وإطلاق النار على المدرسة وخيام النازحين المجاورة." 

ويستعيد نسمان واحدة من أكثر اللحظات صعوبة، حين كان برفقة زملائه في منتصف حصة دراسية، قائلاً: "فجأة سمعنا إطلاق نار قريب، توقفنا جميعاً، بعض الطلاب خرجوا، وآخرون بقوا من شدة الخوف، لكننا في داخلنا نعرف أنّ كل شيء تغير." 

ولا تتوقف التحديات عند حدود الخوف، بل تمتد إلى غياب الاستقرار الدراسي، ويوضح: "حتى جدول الحصص ليس ثابتاً، وأحياناً نأتي فلا نجد معلماً، وأحياناً نجبر على مغادرة المدرسة بسبب الوضع الأمني، فلا يوجد انتظام، وكل شيء قابل للتغيير في أيّ لحظة." 

وعن أمنيته، لا يطلب نسمان الكثير، بل يختصر حلمه ببساطة موجعة، ويقول: "أتمنى أن أعود إلى مدرستي القديمة، وأن أشعر بأنني طالب عادي، أذهب إلى المدرسة وأفكر فقط في الامتحان، لا في القصف أو النزوح." 

جريمة حرب

يقول الأستاذ في القانون الجنائي في جامعة القدس أسعد خاطر: إنّ "المدارس تصنف وفقاً لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني ضمن الأعيان المدنية التي تتمتع بحماية خاصة، مشدداً على أنّ أيّ استهداف متعمد لها، ما دامت لا تستخدم لأغراض عسكرية، يُعدّ جريمة حرب." 

ويوضح خاطر: إنّ "وجود هدف عسكري في محيطها لا يبرر الهجوم، إذ يظل الالتزام بمبدأ التمييز والتناسب واجباً، وهذا يعني تجنب استهداف المدنيين وعدم إحداث أضرار مفرطة قياساً بالميزة العسكرية المتوقعة." 

ويضيف: "المدارس والمراكز التعليمية غالباً ما تتعرض للاستهداف المتعمد من قبل الجيش الإسرائيلي، عبر توجيه الهجوم مباشرة نحوها دون ضرورة عسكرية، ومع علم مسبق بطبيعتها المدنية، وهذا محظور قطعاً، ويُعدّ جريمة حرب." 

ويكمل خاطر: "الاستهداف الإسرائيلي للمؤسسات التعليمية يُعدّ أيضاً جريمة ضد الإنسانية، فإذا كان الاستهداف واسع النطاق ومنهجياً وموجهاً ضد السكان المدنيين كجزء من سياسة أو خطة، فإنّه يصنف جريمة ضد الإنسانية، وهو توصيف أشدّ من حيث الخطورة والعقوبة." 

ويؤكد الأكاديمي الفلسطيني أنّ "الجهة الأبرز لمحاسبة الاحتلال على جرائمه المتعددة هي المحكمة الجنائية الدولية التي تختص بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ويمكن أن تمارس بعض الدول الاختصاص القضائي العالمي لمحاكمة مرتكبي الانتهاكات الخطيرة، إضافة إلى لجان تحقيق دولية تابعة للأمم المتحدة." 

محدودية الحماية وتحديات الاستمرار

وترى منسقة مبادرة "تعليم بلا انقطاع" سناء الشامي أنّه "لا يمكن تصنيف المدارس القريبة من الحدود مع إسرائيل كمناطق آمنة فعلياً، موضحة أنّ "صفة المنطقة الآمنة تستلزم إعلاناً رسمياً وترتيبات خاصة وضمان خلوها التام من أيّ استخدام عسكري، وهو ما لا يتحقق في الغالب على أرض الواقع، في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على القطاع." 

وتضيف الشامي أنّ "مناطق النزاع الحاد تشهد حرماناً واسعاً للطلاب من حقهم في التعليم بشكل مؤقت، رغم وجود خطط طوارئ تشمل الصفوف البديلة والتعليم الذاتي، إلا أنّ فاعليتها تبقى محدودة في ظل استمرار القصف وتدهور البنية التحتية." 

وتؤكد على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة وطارئة لحماية الطلاب والمعلمين في المؤسسات التعليمية القريبة من مناطق الخطر، من خلال تفعيل خطط طوارئ داخلية وتوزيع الدوام، وتشدد في الوقت ذاته على أنّ هذه التدابير تبقى غير كافية ما لم يقترن ذلك بالتزام فعلي بحماية المؤسسات التعليمية." 

وفيما يتعلق بالتعليم الإلكتروني، توضح الشامي أنّه "خيار قائم لكنّه محدود الفاعلية، نتيجة انقطاع الكهرباء وضعف شبكات الإنترنت، وهو ما يجعله غير مستدام، الأمر الذي يفرض اللجوء إلى بدائل مثل المواد المطبوعة والبث الإذاعي لضمان وصول التعليم إلى جميع الطلبة." 

وتختتم الشامي بالإشارة إلى أنّ "الدعم الدولي لقطاع التعليم في غزة موجود لكنّه لا يرتقي إلى حجم الاحتياج الفعلي، رغم وجود تنسيق مع اليونسكو واليونيسف في برامج التعليم الطارئ، في ظل تحديات كبيرة تتعلق بالتمويل".

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية