الإعلام الوطني السوري... حين يعصف الإنكار بما تبقى من السلم الأهلي

الإعلام الوطني السوري... حين يعصف الإنكار بما تبقى من السلم الأهلي

الإعلام الوطني السوري... حين يعصف الإنكار بما تبقى من السلم الأهلي


01/05/2025

في الوقت الذي تقف فيه سوريا على حافة جديدة من الانقسام، ليس بين سلطة ومعارضة هذه المرة، بل بين المكوّنات الاجتماعية نفسها، وبين الناس والدولة، وبين الواقع وصورته، تتكشف خطورة أداء بعض وسائل الإعلام السورية التي اختارت، في لحظة بالغة الحساسية، أن تنحاز إلى الرواية الأمنية على حساب الحقيقة، وأن تتواطأ ـ بصمتها أو تزييفها ـ مع الخطر الأكبر الذي يهدد البلاد: انهيار ما تبقى من السلم الأهلي.

الأحداث التي شهدتها ضاحيتا "صحنايا وجرمانا" جنوب شرق دمشق، ليست مجرّد "إشكالات أمنية" كما اختزلتها بعض القنوات والمنصات، بل تمثّل علامة فارقة في مسار التصدع الاجتماعي الذي بات يهدد البنية السورية من داخلها. في هاتين المنطقتين، حيث يقطن عشرات آلاف السوريين، بينهم مكوّن واسع من أبناء الطائفة الدرزية، شهدت الأيام الماضية اعتداءات ممنهجة، وترهيبًا مدروسًا، وتحرّكات لمجموعات مسلحة تحمل خطابًا متطرفًا، دون تدخل فاعل من مؤسسات الدولة.

لكن ما كان أشدّ وقعًا من المشهد الأمني، هو مشهد التغطية الإعلامية التي اختارت التخفيف، والإغفال، وتدوير الزوايا حتى تلاشت معالم الجريمة.

حين يغيب الإعلام... يتشقق المجتمع

الإعلام، في لحظات الأزمات، ليس مجرد ناقل للخبر، إنّه فاعل اجتماعي وسياسي وثقافي، بمقدوره أن يهدّئ النفوس أو يشعلها، أن يحمي السلم الأهلي أو يقوّضه. وفي الحالة السورية، حيث فقدت الدولة كثيرًا من أدواتها الرادعة، وتراجع دور القضاء المستقل، وانكمشت السياسة، بات الإعلام في بعض لحظاته المنفلتة أقوى من القانون، وأسرع من التحقيق، وأقسى من الصمت.

ما فعلته بعض الوسائل الإعلامية السورية ـ مع استثناءات مشهودة لمؤسسات ومحترفين سعوا لإيصال أصوات الناس ـ هو أنّها أسهمت في تعميق الانقسام، لا بارتكاب الأكاذيب الفجّة فقط، بل بالتواطؤ في الصمت، وتبنّي روايات رسمية منفصلة عن الواقع، وتحويل المعتدي إلى مجهول، والمعتدى عليه إلى مجرد تفصيل.

ما يحدث في جرمانا ليس "حدثًا محليًا"

"جرمانا وصحنايا" ليستا فقط ضاحيتين لدمشق، إنّهما مختبران حيّان لتركيبة سورية شديدة التنوع والتعقيد. تضم المنطقتان مزيجًا طائفيًا ودينيًا وسكانيًا يمثل صورة مصغّرة عن سوريا: مسلمون سنّة، ودروز، ومسيحيون، ونازحون من مناطق الحرب، وفئات شعبية مسحوقة، وجيوب اقتصادية هشة.

حين تتعرض إحدى هذه المكونات لاعتداءات متكررة، ويغيب الردّ الأمني الحاسم، ويُطبع الخطاب الإعلامي بـ "الإنكار الرسمي"، فإنّ الرسالة التي تصل إلى المجتمع ليست مجرد تقصير، إنّها دعوة مفتوحة للشك، والخوف، والانكماش الطائفي، وربما الانتقام الذاتي.

ومتى ما دخل الإعلام في لعبة طمس الضحايا وتجميل الجناة، فإنّ خط الدفاع الأخير عن السلم الأهلي يسقط. فالرواية، في مثل هذه الحالات، ليست فقط وسيلة لفهم الواقع، بل ساحة معركة على الذاكرة، وعلى الثقة، وعلى من يملك الحق في تسمية الأشياء.

السلم الأهلي لا يُبنى فوق الأكاذيب

لعل أخطر ما يمكن أن يفعله الإعلام حين تتوتر المجتمعات، هو أن يدّعي الحياد في مواجهة الظلم، أو أن يستبدل التوصيف الأخلاقي بالتقارير التقنية. فلا يعود هناك "معتدٍ"، بل "طرف"، ولا يعود هناك "استهداف طائفي"، بل "إشكال فردي"، ولا يعود هناك "أمن غائب"، بل "جهود لاحتواء الموقف".

هذه اللغة التي تسللت إلى بعض الوسائل الرسمية وشبه الرسمية لا تعالج الأزمة، بل تعيد إنتاجها على مستوى الخطاب. فهي تهرّب الحقيقة من التداول العام، وتخدر الحساسية المجتمعية، وتمنع ظهور التضامن بين المكونات السورية، عبر تحييد الضمير الإعلامي لصالح التوجيه السياسي.

والنتيجة؟ انكفاء مكونات عن بعضها بعضًا، وصعود خطاب الحذر والكراهية، وتحوّل كل حيّ إلى جزيرة تبحث عن حمايتها الذاتية. وهذا تمامًا ما يناقض جوهر السلم الأهلي، الذي لا يُبنى على تجاهل الجراح، بل على الاعتراف بها، ومعالجتها، وتسمية الجاني قبل المصالحة.

لا تعميم... لكن لا تبرئة

صحيح أنّ بعض الوسائل الإعلامية السورية الرسمية لعبت هذا الدور السلبي، لكن لا يمكن التعميم. فثمّة محاولات مهنية وشجاعة خرجت من صحفيين مستقلين، ومؤسسات محلية، وحتى أصوات نزيهة داخل الإعلام الرسمي ذاته، حاولت أن تدق ناقوس الخطر، وأن تقول الحقيقة، ولو بشكل غير مباشر.

لكنّ المشكلة هنا ليست في الأفراد، بل في البنية. إذ إنّ النظام الإعلامي السوري، منذ عقود، اعتاد العمل تحت عباءة السلطة، لا في فضاء الحقيقة. وحين تواجهه الأزمات المجتمعية المعقدة، لا يجد سوى مفردات "الوحدة الوطنية" الجوفاء، أو شعارات "التصدي للمؤامرة"، بينما تتآكل ثقة الناس بمن يُفترض أن يمثلهم.

الكلمة مسؤولية... والصمت خيانة

لم يعد الإعلام في سوريا مجرد أداة دعاية كما في السابق. في عصر السوشيال ميديا، والمواطنة الرقمية، والوعي العام المتزايد، بات الإعلام مؤسسة تصنع إمّا الأمان وإمّا الفوضى. وغياب العدالة الإعلامية لا يقلّ خطرًا عن غياب العدالة القانونية.

والذين يعتقدون أنّ التخفيف من حدة الأخبار أو تجميلها أو إخفاء أطرافها هو نوع من "التهدئة"، لا يدركون أنّ هذا التجميل اللحظي يُراكم نقمة مجتمعية ستنفجر عاجلًا أم آجلًا.

الوطنية ليست في تشويه الحقيقة... بل في الجهر بها

في خضمّ هذا الانهيار الأخلاقي والبنيوي في الخطاب الإعلامي، لا بدّ من تصويب جوهري لمعنى "الوطنية"، تلك الكلمة التي جرى تفريغها حتى تحوّلت إلى شعار أجوف يُستخدم لتبرير الصمت، وتجميل الكارثة، وقمع السؤال.

الوطنية الحقيقية ليست في تمويه الجريمة ولا في كتم أنين الضحايا، بل في الجهر بالحقيقة ولو كانت موجعة. هي أن تقول: نعم، ثمّة خلل في المنظومة الأمنية. نعم، ثمّة مكوّن اجتماعي يتعرض للتهديد. نعم، ثمّة تطرّف يتسلل إلى أزقة الضواحي. الوطنية أن تُحرّك الدولة لمحاسبة المتورطين، لا أن تُحرّك الكاميرا لطمس الوجع.

إنّ إقناع الناس بأنّ كشف الحقائق يضرّ بالوحدة الوطنية، هو أخطر ما تفعله بعض وسائل الإعلام، لأنّه ببساطة يحوّل الوطن إلى كذبة كبيرة، ويحوّل الدم إلى تفصيل قابل للحذف، ويحوّل الإعلامي إلى موظف في قسم التزييف لا في مهنة الحقيقة.

الوطنية، بكل ما تحمله من معنى، هي أن تملك الشجاعة الأدبية والمهنية والسياسية لتروي القصة كما وقعت، لا كما يريد المسؤول سماعها، لأنّ الوطن لا يُبنى بالتواطؤ، بل بالمكاشفة، ولا يُحمى بالتجميل، بل بالعدل.

خاتمة: هل يتّسع صدر الدولة لمرآة؟

حين تختار بعض المؤسسات الإعلامية أن تكون بوقًا لا مرآة، فإنّها تفقد دورها كمؤسسة وطنية، وتتحول إلى طرف في النزاع، لا إلى جسر للحل. وما يجري في "صحنايا وجرمانا"، لا يمكن التعامل معه كـ "حدث محلي معزول"، بل هو إنذار خطير بأنّ المجتمع السوري قابل للاشتعال من داخله، إذا استمر الإعلام في دفن رأسه في الرمال.

المطلوب اليوم ليس إعلامًا معارضًا ولا مواليًا، بل إعلامًا مسؤولًا، يحترم وجع الناس، ويسمّي الجريمة باسمها، ويضع المصلحة الوطنية فوق الرواية الرسمية. فالسلم الأهلي لا تحميه البنادق، بل الكلمة الصادقة حين تُقال في وقتها.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية