الإخوان المسلمون في ماليزيا ورهانات التنظيم الدولي

الإخوان المسلمون في ماليزيا ورهانات التنظيم الدولي


31/01/2021

ارتهن اختيار ماليزيا كقاعدة جديدة للتنظيم الدولي للإخوان، بعدة شروط موضوعية، دفعت تجاه هذا التحول الاستراتيجي، لتأسيس مركز ثقل آسيوي، أبرزها إمكانية استغلال البنية السياسية للمملكة الماليزية، والقدرة على التسلل الناعم للحكم، عبر النظام السياسي الديمقراطي، وكذلك الانفتاح النسبي للمجال العام، مع وجود أغلبية مسلمة، يلعب الدين دوراً مهما في حياتها، وأيضاً وجود حالة طائفية يمكن تأجيجها حسب الحاجة، لترويج خطاب إسلاموي، يحمل نزعة دينية مغلقة، يسهل من خلالها تجنيد أفراد جدد، وضمهم إلى التنظيم، كما يلعب البعد الجغرافي دوراً مهماً، ضمن خطط التنظيم الدولي، باعتباره ملاذاً آمناً للعناصر الهاربة في الشرق الأوسط، ومن ثم شرعت الجماعة في تنفيذ مخطط التمكين والهيمنة.

استغل الإخوان في ماليزيا حالة طائفية يمكن تأجيجها حسب الحاجة وتجنيد أفراد جدد وضمهم إلى التنظيم

ظهر الحزب الإسلامي الماليزي، والمعروف اختصاراً بــ (PAS) في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1951، للجمع بين مختلف الجمعيات والتنظيمات الإسلامية في الاتحاد الماليزي، تحت زعامة الشيخ أحمد فؤاد حسن، وضم عدداً من رجال الدين، كاستجابة للدعوة التي أطلقها حسن البنا في مصر، حيث قام الحزب على منهج جماعة الإخوان المسلمين وعقيدتهم السياسية.

من زيارة رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد، إلى تركيا، في تموز (يوليو) العام 2019

وطيلة العقود التي تلت ذلك، حاول الحزب أن يكون جزءاً من النظام السياسي، حيث شارك في الحكومة الائتلافية المركزية لفترة وجيزة، في العام 1978، كما هيمن في أوقات متعددة على الحكم في عدة ولايات، أبرزها ولاية كلانتان (دار النعيم) والتي تعد من معاقله التي يحكمها منذ عدة عقود، كما يسيطر الحزب على ولاية سلاجور (دار الإحسان) الصناعية، وكان العام 2008 فارقاً في تاريخ الحزب الإسلامي، عندما حصل التحالف الإسلامي المعارض، الذي انخرط فيه، على كل المقاعد في انتخابات الولاية بالعاصمة كوالالمبور، وحالياً فإنّ الحزب الذي يقوده عبد الهادي أوانج، يُعد مكوناً رئيسياً ضمن مكونات الائتلاف الحاكم، الذي تكون في أعقاب الانتخابات الأخيرة.

الحزب الإسلامي الماليزي، ظهر العام 1951 على منهج جماعة الإخوان المسلمين وعقيدتهم السياسية

وكانت زيارة رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد ، إلى تركيا، في تموز (يوليو) العام 2019، قد دشنت توجهاً جديداً نحو الانفتاح على الأجندة التركية بشكل كبير، فالزعيم الماليزي العجوز، أصبح في أمس الحاجة للحصول على دعم الحزب الإسلامي في بلاده، من خلال طرق أبواب أنقرة، وكان اللافت في الأمر قيام رئيس الوزراء الماليزي باصطحاب عدد من الوزراء، من بينهم وزير الدفاع محمد سابو، وكذلك زيارته مقر شركة تركية رائدة، في مجال الطيران وصنع الطائرات بدون طيار، حيث حرصت أنقرة على وضع التعاون العسكري، على قائمة أولوياتها، فيما يتعلق بالعلاقات مع كوالالمبور، حيث قال أردوغان إنّ "قطاع الدفاع، يجب أن يكون هو الأجندة الرئيسية، في العلاقات بين ماليزيا وتركيا، على المستوى الحكومي والقطاع الخاص".

مؤتمر كوالالمبور وجمع شتات التنظيم الدولي

في كانون الثاني (ديسمبر) من العام 2019، وبمبادرة تركية، وبتنسيق كامل مع الحزب الإسلامي الماليزي، الذي أصبح له نفوذ ملحوظ في الأوساط السياسية، ضمن حكومة مهاتير محمد، الأخيرة، سعت أنقرة نحو تشكيل تحالف إسلامي جديد تحت زعامتها، انطلاقاً من مركز الثقل الآسيوي في ماليزيا، وضرب الزعامة الإسلامية التقليدية، المتمثلة في المملكة السعودية، والمحور العربي الرافض للتوجهات العثمانية.

اقرأ أيضاً: لماذا منع "الإخوان" نصر حامد أبو زيد من دخول ماليزيا؟

وعليه احتضنت ماليزيا قمة كوالالمبور الإسلاميّة، بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ونظيره الإيراني، حسن روحاني، بالإضافة إلى أمير دولة قطر، تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، بالإضافة إلى عدد من قادة وزعماء التنظيم الدولي للإخوان حول العالم، من بينهم عبد الرزاق مقري، رئيس حركة مجتمع السلم في الجزائر (حمس)، ومحمد محمود ولد سييدي، رئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) الموريتاني، والموريتاني محمد ولد الددو الشنقيطي، عضو مجلس الأمناء، في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

قمة كوالالمبور

وكان اللافت هو عدم استجابة معظم دول منظمة التعاون الإسلامي، والبالغ عددها 56 دولة، لدعوات المشاركة في قمة الإخوان، والتي منيت بفشل سياسي واضح، ما دفع التنظيم الدولي إلى طرح خيارات أخرى، لتكوين تكتل إسلامي تابع، وإن ظل اختيار ماليزيا، كمركز تجميع وتدريب وتنسيق لكوادر الجماعة مستمراً.

دشنت زيارة مهاتير محمد لأنقرة العام 2019 توجهاً جديداً نحو الانفتاح على الأجندة التركية

هذا وقد ناقش المجتمعون في قمة كوالالمبور، كيفية تكوين شبكات مالية ضخمة، انطلاقاً من ماليزيا، يكون فيها العامل الاقتصادي هو قاعدة الانطلاق، بدمج عدد من الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، وفتح خطوط تجارية جديدية، تعتمد على محاولة إخفاء الجانب الأيديولوجي، وتطوير البعد الاقتصادي، عبر آليات مبتكرة، لخلق مسارات آمنة لرأس مال التنظيم الدولي.

على درب الإخوان والأجندة التركية

أسفر تمكين الإخوان عن تعيين عبد الهادي أوانج، رئيس الحزب الإسلامي الماليزي، مبعوثاً خاصاً لرئيس الوزراء الماليزي، لشؤون الشرق الأوسط، والذي اعتمد سياسة الدفاع عن منطلقات الإخوان، ومهاجمة الحكومة المصرية، في أعقاب إجراءاتها الرادعة تجاه التنظيم المتورط في ممارسة العنف والإرهاب، كما دافع أوانج، عن القرار التركي بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد، منتقداً مواقف الدول الغربية، حيث صرّح قائلاً "الآن نرى هذه الدول تحتج على إعادة فتح آيا صوفيا للعبادة، يريدون أن يكون آيا صوفيا كنيسة".

أحمد فؤاد أنور: يهدف الزخم الإخواني المنطلق من الأراضي الماليزية لإفساد تحالفات تتشكل في المنطقة وخلط الأوراق

وفي أعقاب بيان كبار هيئة العلماء السعودية، الذي اعتبر الإخوان "جماعة إرهابية لا تمثل نهج الإسلام، وتتبع أهدافها الحزبية المخالفة لتعاليم الدين"، شن أوانج هجوماً حاداً على الهيئة السعودية، مدافعاً باستماتة عن الجماعة، رافضاً رفع الغطاء الديني عنها، واصفاً إياها بالحركة الإصلاحية، التي وضعت قدميه على طريق الدعوة، ونشر المركز الإعلامي للإخوان في لندن، ما وصفه بردّ أوانج على الهيئة الدينية السعودية.

في هذا السياق، يقول عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إنّ تقارير متعددة أكّدت احتمالية تفعيل منتدى ماليزيا، والذي يشمل قيادات الإخوان، وعناصر من رموز الإرهاب ومناصريه فكرياً ومالياً وإعلامياً، وذلك بالتزامن مع الذكرى العاشرة لثورة 25 كانون الثاني (يناير)، ويرى أنّ الغطاء الماليزي قائم بالفعل، حتى قبل تولى مهاتير محمد ولايته الأخيرة، من خلال استقبال الدولة البعيدة، لعدد من الملاحقين في مصر، والمرفوضين في تركيا وقطر، لاعتبارات سياسية ولوجستية.

الدكتور أحمد فؤاد أنور

كما يطرح أستاذ العبري الحديث بجامعة الإسكندرية، في حديثه لـ"حفريات" تصوراته التي ترجح أنّ الهدف من وراء الزخم الإخواني المنطلق من الأراضي الماليزية، هو "إفساد تحالفات تتشكل في المنطقة، وخلط الأوراق أمام الإدارة الأمريكية الجديدة، بإشاعة الفوضى أمام الرأي العام الأمريكي والغربي، خاصّة إذا ما تم استبعاد قطر، من منظومة مساندة الإخوان، وإتمام مصالحتها مع الرباعي العربي"، لكنّه يستبعد في الوقت نفسه "نجاح ماليزيا في تحويل الاجتماعات السنوية الدولية، واستضافتها للصف الثاني والثالث من الإخوان (التنفيذيين) إلى كيان مؤثر، يمثل تهديداً حقيقياً، أو إلى تحالف دائم وحقيقي، فالتحرك من الأرض الماليزية، لن يغير في رأيه من موازين القوى، ولن يعيد تغليف الإخوان المسلمين، وإعادة تقديمهم تحت غطاء اجتماعات يحضرها مسؤول إيراني أو تركي، فتجربة الإسلام السياسي في المنطقة، دوماً مصحوبة بالفوضى والارتباك السياسي والعنف".

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: صفقات سياسية ومزايدات وتأسيس قاعدة جديدة في ماليزيا

ولفت أنور إلى أنّ "توقيت التحرك الإخواني، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، دائماً ما يبوء بالفشل، كما أنّ خلق شبكات مالية جديدة، سوف يصطدم بصرامة القوانين الرادعة لعمليات غسيل الأموال في شرق آسيا، كما أنّ الأثر السياسي لقمة كوالالمبور، لم ينتج عنه حلف إسلامي فعّال كما توهمت تركيا، خاصّة مع انسحاب باكستان وأندونيسيا في اللحظات الأخيرة".


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية