إسلاموية أردوغان تزرع الانقسام بين أتراك قبرص

 إسلاموية أردوغان تزرع الانقسام بين أتراك قبرص
19596
عدد القراءات

2018-08-12

ترجمة: علي نوار


استنكر تيار اليسار محاولات أنقرة فرض الطابع الديني الخاص بها على المجتمع القبرصي التركي، ذي الخلفية العلمانية، في الجزيرة الواقعة بالبحر المتوسط.

تعلو المآذن الإسمنتية البيضاء الشاهقة، لمسجد لارنكا الكبير، أو مسجد هالة سلطان، إلـى 60 متراً، بوصفه رمزاً جديداً لقبرص الشمالية، ومن المُتوقّع أن تنتهي أعمال تشييد المسجد الجديد العام الجاري، بعد خمسة أعوام من العمل، ويُنتظر أن تصل سعته إلى ثلاثة آلاف مصلٍّ بالداخل، فضلًا عن العدد الذي ستؤويه الباحة الخارجية، ما يجعله ليس أكبر مسجد في الجزيرة الواقعة بالبحر المتوسط، والمقسَّمة منذ العام 1974 فحب؛ بل أحد أكبر المساجد في المنطقة.

مسجد لارنكا الكبير

ينقل هذا البناء أكثر من رسالة في الوقت نفسه؛ فهو تأكيد على عدم تراجع الشطر التركي والمسلم من قبرص، أمام الجنوب المسيحي الناطق باليونانية، كما أنّه إبراز لتأثير أنقرة على تلك المنطقة، التي كانت يوماً ما جزءاً من إمبراطوريتها العثمانية.

بيد أنّ محاولات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتصدير نموذجه الديني، تسبّبت في انقسام حادّ داخل الوسط السياسي في قبرص الشمالية، ويوجّه اليسار الاتهامات لأنقرة بـ "أسلمة" المجتمع القبرصي الشمالي ذي الطابع العلماني، بينما تُعبّر المعارضة اليمينية عن تخوّفاتها من أن تؤدّي المواقف التي تتّخذها حكومة جمهورية شمال قبرص التركية إلى إلحاق أضرار بالعلاقات مع تركيا، التي تعتمد عليها تلك الدولة، غير المُعترف بها من جانب المجتمع الدولي، من أجل بقاء اقتصادها على قيد الحياة.

مسجد هالة سلطان ليس سوى جزء من عملية دعوة إسلامية تنفّذها الحكومة التركية وتستهدف المجتمع القبرصي التركي

يوضّح الأمين العام لنقابة المعلّمين في قبرص التركية، سينير إلسيل: "اعتاد المجتمع القبرصي التركي أن يكون علمانياً، لا يتردّد القبارصة الأتراك بشكل دوري على المسجد، فقط في الأعياد والمناسبات الخاصّة. من الغريب أن تعثر على شخص في قبرص التركية يؤدّي الصلوات الخمس كلّ يوم". إذاً، ما هو الداعي لبناء مسجد هالة سلطان؟

وكان أردوغان قد صرّح، لدى بدء عمليات الإنشاء، بأنّ "قبرص الشمالية هي دولة تركية ومسلمة، يتعيّن علينا أن نشعر بالفخر حيال ذلك، مثلما يظهر القبارصة اليونانيون تقديسهم للكنيسة، ينبغي علينا أيضاً أنّ ندافع عن هويتنا الثقافية ببناء المزيد من المساجد، ونزيد من جرعة التعليم الديني".

هذا هو ما دفع القيادي النقابي لاعتبار أنّ مسجد هالة سلطان ليس في الحقيقة سوى جزء من "عملية دعوة إسلامية تنفّذها الحكومة التركية، وتستهدف المجتمع القبرصي التركي. يخصّص أردوغان مبالغ مالية ضخمة لذلك، وينسّق للأمر برُمّته مع السفارة التركية في نيقوسيا".

الأطفال مع لافتات لإعادة التوحيد، في نيقوسيا

لكنّ مفتي قبرص الأكبر، طالب أتالاي، ينفي من جانبه هذه الاتهامات؛ بتأكيده أنّ "الأمر لا يتعلّق بعملية أسلمة، بل تطبيع؛ ففي بداية النزاع القبرصي كان لدينا 300 مسجد، لكن هناك منها اليوم 192 فحسب، وتبعث لنا القرى برسائل تطالبنا بأن نبني لها مساجد، وهو الأمر الذي لا تتوافر لدينا موازنة لأجله، كما أننّا لا نتوفّر على أئمّة مؤهّلين بشكل كاف كي نتكفّل بهذه المساجد". مضيفاً "مسجد هالة سلطان بلغت تكلفة بنائه 30 مليون دولار (26 مليون يورو تقريباً)؛ أي ما يعادل 1% من الناتج المحلي الإجمالي في قبرص التركية، وجرى تمويله بالكامل من قبل أنقرة".

اقرأ أيضاً: لماذا أثار مسجد تركي الجدل في قبرص؟

ورغم محاولات التوحيد المتعاقبة والفاشلة، لا تزال الجزيرة المتوسطية تعاني الانقسام بين الشطر الجنوبي اليوناني، الذي يُعرف رسمياً باسم "الجمهورية القبرصية"، والشطر الشمالي التركي المعروف باسم "جمهورية شمال قبرص التركية"، لكنّ العلاقات التي تربط قبرص الشمالية بتركيا، والتي تحتفظ بقوات قوامها 30 ألف عسكري في الجزيرة، ليست على هذه الدرجة من اليسر دائماً؛ ففي كانون الثاني (يناير) الماضي، وصفت صحيفة "أفريكا" الجيش التركي بـ "الغازي"، وقد أثار ذلك حفيظة أردوغان الذي ردّ على الجريدة التي تصدر في قبرص التركية، وطالب "بردّ مناسب على هذا التطاول".

إلسيل: أخضعونا في السابق للدعاية القومية والآن يعرّضوننا لنسختهم المحافظة من الإسلام، الأمر لا علاقة له بالدين، بل بالسياسة

جاء الردّ عن طريق مجموعة من 200 شخص، تجمّعوا قبالة مكاتب الصحيفة ورشقوها بالحجارة، لكنّ هذه الواقعة تسبّبت في ردّ فعل أكبر: خرج آلاف القبارصة الأتراك إلى الشوارع، دفاعاً عن "أفريكا"، واستقلالية جمهورية شمال قبرص التركية، ونكاية في أردوغان.

بالمثل، خرجت تظاهرات مناهضة لإضفاء الطابع الديني المفروض من جانب أنقرة، ويستنكر إلسيل "أخضعونا في السابق للدعاية القومية؛ لأنّهم كانوا لا يعدّوننا أتراكاً بالدرجة الكافية، الآن يعرّضوننا لنسختهم المحافظة من الإسلام؛ لأنّهم لا يرون أنّنا مسلمون بصورة كافية، الأمر لا علاقة له بالدين، بل بالسياسة، ومثلما هو الوضع في تركيا نفسها، يحاولون خلق جيل أكثر تدينّاً في قبرص، كي يسيطروا عليه بشكل أسهل"، مستشهداً على حديثه بإرسال 400 رجل دين وافدين من تركيا "بمهمة دعوية"، وبناء مساجد جديدة، وتدشين دورات لتعليم وتلقين القرآن واللغة العربية للأطفال، وافتتاح مدرسة لعلوم الدين.

 دولة قبرص التركية يبلغ تعداد سكانها 350 ألف نسمة

وفي السياق نفسه؛ يضيف باساران دوزجون، مدير صحيفة "هافاديس"، أنّ "الأخطر من كلّ ذلك؛ هو وصول جماعات دينية أصولية قادمة من تركيا، للسيطرة على مساجد بعينها، ولا يستغلونها في الصلاة فحسب؛ بل في الدعوة".

لكنّ هذه الجهود الدعوية لا تستهدف القبارصة الأتراك فحسب، وفق ما أوضحه الصحفي، بل تشمل أيضاً "المستوطنين"، وهم أتراك الأناضول الذين أرسلتهم أنقرة لزيادة تعداد سكان جمهورية شمال قبرص التركية، لا سيّما هؤلاء المنحدرين من العائلات الأكثر فقراً.

وطبقاً لما تفيد به البيانات الرسمية؛ فإنّ دولة قبرص التركية يبلغ تعداد سكانها 350 ألف نسمة، ما يربو عن ثلثهم بقليل هم من المحليين: وهناك قبارصة أتراك يعيشون في الخارج أكثر من مواطنيهم في الداخل (يوجد في بريطانيا وحدها 200 ألف من القبارصة الأتراك).

اقرأ أيضاً: "تصفير المشكلات".. إستراتيجية أردوغان التائهة

وإزاء ضبابية الرؤية بالنسبة إلى المستقبل؛ يقرّر الكثير من الشباب في قبرص التركية الهجرة إلى إنجلترا أو تركيا، بينما لا يسمح لمستوطنين جدد بالوفود والحصول على جنسية البلاد، ويقول أحد المواطنين، طلب عدم الإفصاح عن هويته: "ليسوا جميعاً من المتدينين، لكن هناك الآن جانباً منهم يطيعون عقلية القطيع، ويعتقدون فقط بما يقوله أردوغان".

وكان حزب "النهضة"؛ الذي تأسّس على فكرة تمثيل المستوطنين والدفاع عن "الولاء للوطن الأم" (أي تركيا)، قد حقّق في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي شهدتها قبرص التركية، في شباط (فبراير) الماضي، مفاجأة مدوية، بحصوله على 7% من أصوات الناخبين، كما حقّق حزب "الوحدة الوطنية" (المحسوب على تيار اليمين القومي والحليف التقليدي لأنقرة)، نتائج باهرة أيضاً؛ بحصده 35% من الأصوات.

لكن، على الجانب الآخر؛ نفّذت الأحزاب الأخرى، بدءاً من اليسار وحتى يمين الوسط، مناورة لانتزاع السلطة عن طريق تحالف رباعي الأطراف، وأسفر ذلك عن حصول زعيم حزب (الديمقراطية المجتمعية) اليساري، كمال أوزيجيت، أحد أشدّ المعارضين لعملية "أسلمة" أردوغان، على وزارة التعليم.

تاتار: نحن دولة علمانية فلا يمكن إجبار أحد على الصيام أوالصلاة لكنّنا دولة إسلامية أيضاً وينبغي احترام المعتقدات!

بدأت المشكلات في النشوء منذ ذلك الحين؛ فقد رفض أوزيجيت التصديق على شهادات دبلومات التخرّج لـ 50 طالبة، في مدرسة علوم الدين؛ لأنهنّ ظهرن يرتدين غطاء رأس إسلاميّ في الصور، وهو أمر غير مسموح به في التشريع القبرصي التركي، وقد وصفت المعارضة الوزير بأنّه معاد للإسلام، وتدخّلت الحكومة التركية في النهاية، وضغطت على رئيس وزراء جمهورية شمال قبرص التركية كي يجبر أوزيجيت على التصديق على الشهادات.

دفعت هذه الواقعة أنقرة، التي بالكاد تستطيع مداراة رغبتها في الإطاحة بالوزير، لحجب موازنة وزارة التعليم فيما يخص الاستثمارات الجديدة، حسبما أكّدت ثلاثة مصادر لصحيفة "الباييس" الإسبانية، وجاء ردّ أوزيجيت عبر تصريحات قال فيها: "نعم، هذا صحيح، كانت هناك استقطاعات بعينها، لكن لا علم لديّ فيما إذا كانت تتعلّق بهذه المشكلة أم الوضع الاقتصادي في تركيا، لكن ما نعمل على التحقق منه هو زيادة المراقبة؛ كي نتأكّد من احترام قيم العلمانية والديمقراطية خلال حصص الدين في المدارس ودورات القرآن"، حسبما أبرز الوزير للجريدة الإسبانية نفسها.

من جانبه، يبرز النائب البرلماني عن حزب "الوحدة الوطنية"، إرسين تاتار، في تصريحات لـ "الباييس": "نحن دولة ذات طابع علماني؛ حيث لا يمكن هنا إجبار أحد على الصيام أو الذهاب إلى المسجد، لكنّنا أيضاً دولة إسلامية، وينبغي علينا احترام المعتقدات"، مضيفاً للمصدر ذاته: "يعتنق 90% من القبارصة الأتراك الإسلام ويدافعون عن تركيا، التي تنفق الكثير من المال من أجل رفاهنا، إلا أنّ فكرة أنهم يتطلّعون لأسلمتنا، نحن المسلمون بالفعل، هي حماقة. الاعتقاد بأنّ اليساريين لا يؤمنون بالله، ولا يؤمنون بشيء على الإطلاق، لا أساس له من الصحة".


مقال للصحفي أندريس مورينثا، نشر في صحيفة "الباييس" الإسبانية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل ينجو النظام الإيراني من صدمة فيروس كورونا؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-03-29

ترجمة: مدني قصري


يُدين الشعب الإيراني؛ الإدارة الكارثية لوباء كورونا من قبل الجمهورية الإسلامية، التي تحاول الهروب من هذا السخط من خلال إعادة إطلاق تصعيدها ضد الولايات المتحدة في العراق.

اقرأ أيضاً: مسؤول إيراني يكشف معلومات خطيرة حول انتشار كورونا في بلاده
فقد أصبحت إيران، رسمياً؛ ثالث أكثر الدول إصابة بفيروس كورونا بعد الصين وإيطاليا، مع وجود 1556 حالة وفاة، و20610 حالات إصابة حتى 21 آذار (مارس) الجاري، لكنّ الواقع أكثر كارثية، بسبب كذبة الدولة التي "حاصرت" الوباء منذ فترة طويلة؛ إذ أرادت الجمهورية الإسلامية بالفعل إخفاء إدارتها الكارثية للأزمة، حتى لو كان ذلك بتحويل الطاقم الطبي، في غياب أي إجراء وقائي، إلى ناقلين رئيسيين لانتشار الفيروس، وقد تمسك آية الله في السلطة عبر خرافة الحصانة الإلهية الممنوحة لمراكز الحج الشيعية، التي ظلّت مفتوحة حتى الأيام الأخيرة، لتتحول إلى بؤر تلوث هائلة، وبالتالي فإنّ الشرعية السياسية والدينية للنظام هي التي تأثرت، وربما بشكل لا رجعة فيه.

عمى المتعصبين
لدى إيران أكبر عدد من الشيعة في العالم، لكنّ مدينتي النجف وكربلاء المقدستين، تقعان في العراق، ومن هنا تأتي الأهمية الكبرى التي توليها الجمهورية الإسلامية لموقعي قُم ومشهد، وقد تم تشييد هذا الأخير في شرق البلاد حول ضريح الإمام رضا؛ الثامن في رتبة التقوى الشيعية، والذي دُفن هناك عام 817، أمّا قُم؛ فيقع على بعد 150 كيلومتراً جنوب طهران، ورغم أنّه لا يؤوي سوى قبر فاطمة شقيقة رضا، إلا أنّه أصبح ضرورياً ومُهِمّاً للغاية بالنسبة للنظام، فهو في الواقع، يُقدّم تعليمه الديني لأكثر من 40 ألف طالب، بالإضافة إلى نسبة عالية من الأجانب، في منافسة مباشرة لندوات النجف.

دفعت الزيادة الهائلة في عدد الضحايا؛ السلطات الإيرانية إلى تقديم موعد عطلات رأس السنة الجديدة وإغلاق موقعي قم ومشهد

وقد اعترفت السلطات بأول حالتي فيروس كورونا في إيران في مدينة قم، يوم 19 شباط (فبراير) الماضي، وأعلنت بعد بضع ساعات وفاة المصابين، لكن، يخشى أن يكون الوباء قد انتشر في المدينة قبل ذلك بكثير، حيث يقيم 700 من "الإكليريكيين" الصينيين، فضلاً عن 2.5 مليون سائح يستقبلهم الموقع كل عام، بما في ذلك الشيعة الذين يمثلون 10 بالمئة من أصل 20 مليون مسلم صيني.
وظلت دعاية النظام منذ فترة طويلة تعزو فيروس كورونا إلى "مؤامرة العدو" الأمريكي والإسرائيلي، وهي المؤامرة التي ادّعى النظام الإيراني أنّ هالة رضا وفاطمة ستحمي الجمهورية الإسلامية منها. وفي الوقت الذي علقت فيه المملكة العربية السعودية الحج إلى مكة والمدينة المنورة إلى أجل غير مسمى في 27 شباط (فبراير) الماضي؛ اكتفت إيران بتعقيم موقع مشهد وروّجت له إعلامياً على نطاق واسع.

اقرأ أيضاً: إيران وكورونا… وسلطة رجل الدين
إنّ الزيادة الهائلة في عدد الضحايا المعترف بهم؛ دفعت السلطات إلى تقديم موعد عطلات رأس السنة الإيرانية الجديدة أسبوعين، في 5 آذار (مارس) الجاري، ثم إغلاق موقعي قم ومشهد في 16 آذار (مارس) الجاري، وقد تمّت محاربة هذا القرار في نفس المساء من قبل المتظاهرين المتعصبين الذين وصلوا إلى الموقع بالقوة وتجمعوا فيه، وقاموا بتقبيل الأضرحة.

ثقب إيران الأسود
لم تبلغ الفجوة بين النظام ومزايدات متطرفيه من جهة، وبين السكان الساخطين بسبب إفلاس حكامهم من جهة أخرى؛ العمق السحيق الذي بلغته الآن، ويأتي هذا السخط الشعبي في سياق القمع الدموي للاحتجاجات في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، يليه تدمير الحرس الثوري لطائرة أوكرانية كان معظم ركابها إيرانيين في كانون الثاني (يناير) الماضي، حيث وصل الغضب العميق الذي تغذيه هاتان المآساتان بالفعل، إلى مستويات لا مثيل لها في مواجهة نظام متّهم بالعمى الإجرامي، على خلفية من الفساد المستوطن (موقعا قم ومشهد يؤويان مؤسسات كبيرة تابعة للنخبة الحاكمة). لذا؛ يميل خامنئي وأتباعه للهروب إلى الأمام قبل التصعيد الجديد مع الولايات المتحدة في العراق؛ لأنّ القضاء على سليماني في بداية العام مكّنهم من استعادة وحدة وطنية مذهلة، إلا أنّها مؤقتة.

في الوقت الذي علّقت فيه السعودية الحج إلى مكة والمدينة المنورة؛ اكتفت إيران بتعقيم موقع مشهد والترويج له إعلامياً

استأنفت الجمهورية الإسلامية، التي خرجت منتصرة من دورة مواجهتها السابقة مع الولايات المتحدة في العراق، أنشطتها العدائية في 11 آذار (مارس) الجاري؛ حيث قُتل أمريكيان وبريطاني في هجوم صاروخي على قاعدة عسكرية شمال بغداد، كما أسفرت الغارات التي شنتها واشنطن انتقاماً من الميليشيات الموالية لإيران، عن مقتل 6 عراقيين، على الأقل، بينهم 3 جنود وضابِط شرطة، مؤكدة الدعوات لانسحاب ما يقرب من الـ 5 آلاف جندي أمريكي ما زالوا موجودين في البلاد.

اقرأ أيضاً: إيران ترفض استقبال فريق "أطباء بلا حدود" والمنظمة تردّ
وقد فشلت طهران في جرّ الولايات المتحدة إلى دوامة دائمة، رغم طبيعة ضربة 11 آذار (مارس) القاتلة، والتي أعقبها إطلاق نار آخر على أهداف أمريكية؛ إذ فضّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المُصمّم على التوقّف عن الانخراط في الشرق الأوسط، الانتقام بتشديد العقوبات على إيران. وعلى الرغم من دعاية الجمهورية الإسلامية بأنّ هذه العقوبات هي السبب الرئيسي لضعف إيران أمام فيروس كورونا، إلّا أنّ هذه المناورة لم تعد كافية لاسترضاء وإخماد الانتقادات الشديدة من قبل السكان، إذ إنّ صدمة فيروس كورونا شديدة بالفعل على الجمهورية الإسلامية، ولن يظهر تأثيرها الكامل إلّا بعد التغلّب على الوباء، وحينها قد تكون لحظة الحقيقة رهيبة على النظام الإيراني.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
https://www.lemonde.fr/blog/filiu/2020/03/22/le-regime-iranien-survivra-...

للمشاركة:

كيف قضى أردوغان على حلم خلافته للمسلمين بيديه؟

2020-03-28

ترجمة: علي نوار


يمرّ الرئيس التركي بأوقات عصيبة هذه الأيام، فقد قضى السوريون والروس على أطماعه في زعامة العالم الإسلامي، وبات رئيساً للجمهورية التركية فقط لا أكثر، كما أصبح أضعف من أي وقت مضى في الداخل التركي أيضاً، لكنّه لن يخوض أي انتخابات حتى عام 2023، ونظراً للديمقراطية المنقوصة التي يمارسها في بلاده، فلن يكون من المستغرب رؤيته في السلطة لأعوام أخرى كثيرة، إلا أنّ طموحه لأن يكون خليفة مات ودفن بالفعل بلا رجعة.

روّج أردوغان في تركيا؛ مغامرته العسكرية الأخيرة على الأراضي السورية على أنّها حملة لوقف تدفّق اللاجئين السوريين إلى الأراضي التركية

روّج أردوغان في الداخل مغامرته العسكرية الأخيرة على الأراضي السورية على أنّها حملة لوقف تدفّق اللاجئين إلى تركيا، إلّا أنّ هذا الأمر غير منطقي لسبب بسيط؛ كيف يمكن أن يسهم إذكاء حدة النزاع في تحسين وضع اللاجئين؟ بل على العكس تماماً سيؤدّي ذلك لإقناع عدد أكبر من اللاجئين بأنّ الوقت لم يحن بعد للعودة إلى الديار.
ومن الواضح للغاية؛ أنّ أردوغان لم يشنّ حملته العسكرية ضد الجيش السوري في إدلب من أجل ناخبيه الأتراك، بل للحصول على رضا أطراف خارجية، فقد دأب أردوغان طيلة 15 عاماً على ارتداء ثوب الخليفة غير الرسمي للعالم الإسلامي، لكنّ النهاية جاءت بالفعل.
يمتاز العالم الإسلامي بتنوّع سياسي وثقافي هائل، لكن هناك نوع من روح التضامن الإسلامي، ويوجد دائماً توق لقائد مسلم قوي من أجل الدفاع عن قضايا المسلمين، ولا يبدو أنّ أردوغان "العثماني الجديد" قادر على أنّ يكون هذا القائد بالنسبة للمسلمين حول العالم.

أردوغان يريد أن يكون خليفة المسلمين.. هل هي حقيقة؟
يحدث ترويج مغلوط لاتهام الرجل بأنّه يريد ضم أجزاء من الأراضي السورية إلى تركيا، لكن هذا ليس طموح أردوغان الحقيقي، فمن جهة، هو يحكم تركيا منذ ما يقارب الـ 15 عاماً وإنّ كان يريد ضم أجزاء صغيرة من سوريا لكان قد فعل، إلّا أنّ تطلّعات أردوغان هي "عثمانية جديدة"، لكن ليس عن طريق توسيع رقعة تركيا، بل عبر ارتقائه هو شخصياً لمرتبة القائد غير الرسمي للعالم الإسلامي مثل أسلافه من سلاطين القسطنطينية.

اقرأ أيضاً: أردوغان يوجه بوصلته نحو اليمن
وبدون حظوة إسلامية تفوق مثيلاتها لدى الآخرين "مثلما تتفوّق الولايات المتحدة بالضبط على باقي الدول الغربية"، تظلّ الساحة مفتوحة لتنافس الزعماء إذا كانوا يتطلّعون لذلك، فبوسع الجزائر ومصر المنافسة رغم ميلهما نحو الطابع العلماني للدولة، ما يعني أن ليس لديهما وقت للشاعرية الإسلامية الخاطئة، رغم أنّ مصر في عهد الرئيس السابق جمال عبد الناصر كانت لها تجربة قيادة أكثر واقعية للعالم العربي على أساس القومية العربية، كما تردّد اسم باكستان، التي وصل الإسلاميون لحكمها في عدة مناسبات، كي تقود المسلمين، إلّا أنّ انشغالها في الحرب مع الهند، فضلاً عن افتقارها للاستقرار الداخلي وعوامل القوة والموارد، حال دون ذلك.

لماذا سارت الرياح بما لا تشتهي سفن أردوغان؟
كان أوّل ما فعله أردوغان هو منح الأكراد حقوقهم فيما يخصّ لغتهم، وتحقيق الأمن في الداخل التركي، لكن زعيم العالم الإسلامي يتعيّن عليه الدفاع عن القضية الإسلامية، لذا أخذ أردوغان، على الأقل عبر الخُطب فقط، على عاتقه قضايا المسلمين الآخرين من غزة وحتى الشيشان وكشمير وميانمار، ونجح الرجل في ارتداء ثوب الضحية على نحو متقن للغاية، لم يتمكّن أسامة بن لادن حتى من مجاراته، ثم بدأ الرئيس التركي في محاولة إسقاط أنظمة أخرى، لذا أيّد ثورات الربيع العربي وساند جماعة الإخوان المسلمين في البلدان التي تنشط بها في محاولة لإيجاد أنظمة تدور في فلكه.

انتهت مرحلة الودّ بين أردوغان وبوتين بعد تبادلهما الاتهامات في السرّ وعلى الملأ، في سابقة هي الأولى من نوعها

وكان الجزء الأخير تحديداً هو بداية تعقيد الأمور على أردوغان، فبدلًا من وصول الإسلامويين للسلطة في ليبيا ومصر وسوريا تمهيداً لمنحه الزعامة وطلب المساعدة منه، انتهى به الأمر بعداء محموم مع القاهرة حيث أُبعدت الجماعة عن الحكم، أما سوريا وليبيا فلم تسر الأمور في اتجاه حشود إسلامية كما كان يأمل، بل مجموعات من المرتزقة والمتشدّدين الذين لا طائل منهم، والأكثر من ذلك أنّهم لجأوا إلى أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة.
وكأنّ الأمور تأبى أن تسوء أكثر من ذلك، وعوضاً عن استفادته من النأي بنفسه عن الحرب الباردة السعودية الإيرانية، والتعاون مع الإيرانيين وفي نفس الوقت الحصول على الدعم من السعوديين، بات أردوغان مكروهاً من الجانبين؛ حرب سياسية وأيدولوجية مع السعودية وخلاف أيديولوجي ومشاعر عداء مع إيران.

اقرأ أيضاً: لماذا يسعى حزب الإصلاح الإخواني لشق اليمن لصالح أردوغان؟
لم يكن تدخّل أردوغان في سوريا بهدف وقف تدفّق موجة اللاجئين، بل كان من أجل إنقاذ آخر ما تبقى من الثورة الإسلامية التي علّق عليها آمالاً عريضة يوماً ما، وبغرض عرقلة حصول الروس والإيرانيين في اللحظة الأخيرة عن الحصول على مكاسبهم، لكنه بدا بمظهر الأخرق عندما دخل ميدان المعركة ومني بالهزيمة، ولم يكتف بذلك بل ألحق أضراراً بنفسه ومقامه.

لم يسفر قصف مواقع حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني والمتطوعين الشيعة الباكستانيين عن تحقيق أي نتائج، على العكس تماماً، اكتساب العداء الأبدي والانتقام المحتمل من قبل التكتّل الذي تقوده إيران، وبالنسبة للكثير من المؤمنين بالوحدة الإسلامية أصبح الرئيس التركي ضمن زمرة الطائفيين الذين يعمّقون حالة الشقاق داخل الصفّ الإسلامي، وربما يعاني الشرق الأوسط بما فيه الكفاية من الاستقطاب الطائفي، لكن هناك مناطق أخرى يستعصي على أبنائها فهم هذا الصراع، مثل البوسنة وشمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا، حيث لا وجود للشيعة، ومع توجيه أردوغان لقواته المسلمة لمهاجمة الجيش السوري المسلم وحزب الله المسلم أيضاً، لا يستوعب دعاة الوحدة الإسلامية الاقتتال بين المسلمين.

اقرأ أيضاً: هل تآمر أردوغان على شعبه لصالح "مشروع الإخوان"؟
ربما لو كان أردوغان نجح في تحقيق أي انتصار، كان ليفتح الطريق أمام مصالحة تكتيكية مع السعوديين وتأكيد موقفه على خط القتال مع إيران، لكن لا وجود للمنهزمين، ورغم أنّه لا يحظى بأي احترام في الغرب، لكن الرئيس التركي يحظى بـ"متابعة" عالمية قوية، وبوسعه زيارة أماكن بعيدة عن بلاده مثل البوسنة وباكستان، والحصول على استقبال حافل من أقلية تقدّسه من شعوب هذه البلدان، وتحبّه ربما أكثر من زعماء دولهم، إذ يرى هؤلاء أنّ أردوغان هو صلاح الدين هذا العصر الذي ينتظرونه، بيد أنّ هذا كله محض أوهام، ققد يكون قادراً على الاحتفاظ بحظوته لدى مُريديه لكنّه لم يعد قادراً على خداع المزيد من الأشخاص، إذ إنّ قراره بمهاجمة حزب الله والإيرانيين في نفس اليوم الذي فعلت فيه إسرائيل ذلك، ثم الذهاب إلى موسكو ليعترف بهزيمته في الميدان يظلّ أمراً لا يُغتفر.

التقارب مع روسيا.. الخطأ القاتل الذي لا يُغتفر
لم يكن التقارب التركي الروسي منذ البداية مطلقاً بل كانت تحكمه خطوط مقيّدة، وبدأ ذلك برسائل دافئة من موسكو إلى أنقرة لم يتلقّاها أردوغان من واشنطن بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في تموز (يوليو) 2016.
وكثمرة لعلاقة الودّ الجديدة، دشّن خط غاز لضخّ الغاز الطبيعي من روسيا إلى جنوب أوروبا دون المرور بأوكرانيا، كما ابتاعت تركيا من روسيا صواريخ الدفاع الجوي "إس400"، على حساب خروجها من مشروع تطوير مقاتلات متطورة مع الولايات المتحدة، طالما أنّ هذه التحرّكات تمكّن أنقرة من الوقوف في وجه واشنطن والتحرّك بأريحية أكبر في سوريا مقارنة بقدرتها على المناورة حينما كانت تحت مظلّة الغرب.

بات المواطنون الأتراك على دراية أكبر بحجم الخسائر التي يتكبّدها الجيش في عملية سوريا بشكل يضر مستقبل أردوغان السياسي

وتضمّنت العلاقة المزدهرة بين تركيا وروسيا عائدات غير مجزية رغم تقديم كل طرف لتنازلات، حيث تخلّى كل جانب عن أحد حلفائه، فقد تركت روسيا الأكراد بمفردهم، بينما هجرت تركيا السوريين في شرق حلب.
لكن هذه العلاقة كان محكوماً عليها منذ البداية بالانقضاء لسبب بسيط جداً، فمع كل نصر يحقّقه النظام السوري، كان عدد اللاجئين السوريين في إدلب يتصاعد، ويوجد أربعة مللايين شخص، على الأقل، اليوم عالقين في منطقة محدودة للغاية لا تتجاوز أربعة آلاف و171 كلم مربع، فرّ 900 ألف منهم نحو الحدود التركية، في أكبر موجة من اللاجئين مرة واحدة منذ بدء النزاع في سوريا.

أردوغان تحت الحصار
وبوجود 3.6 مليون لاجئ سوري في تركيا، ومعارضة كمالية ضاغطة بقوة وانتزعت بالفعل الحكم في مدن كبرى على رأسها إسطنبول وأنقرة في الانتخابات الأخيرة، وتعلن بلا مواراة عن عدائها للاجئين، إضافة إلى الانقسام الحاد الذي تشهده القاعدة المحافظة من حزب العدالة والتنمية، يشعر أردوغان بأنّ الخناق يضيق على عنقه.
ولم يكن بوسع أردوغان السماح للأسد وبوتين بالتسبّب في موجة كاسحة أخرى من اللاجئين السوريين نحو الحدود التركية، إذ كان يتعيّن عليه التحرّك، والحقيقة أنّ ما كان الأسد يفعله باللاجئين كان يتحوّل سريعاً إلى تهديد سياسي وجودي بالنسبة لأردوغان كرئيس.

اقرأ أيضاً: ما دلالات اغتيال مسؤول مرتزقة أردوغان في طرابلس؟
من ناحية أخرى، يجب التطرّق إلى عقلية أردوغان، فالرجل يفكّر كثيراً في دوره في تاريخ تركيا، وبنفس الطريقة يفكّر بوتين في دوره في التاريخ المسيحي الأرثوذكسي الروسي، وكذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ودوره في التاريخ اليهودي.
ولا يعتقد أي من هؤلاء الرجال أنّ قيادته مؤقّتة وأنّه باق في منصبه بالإرادة الشعبية عبر الانتخابات، ويرى كل منهم نفسه كرجل اختاره القدر، ووضعه الله ليس فقط لتحقيق أهدافهم الشخصية، لكن تطلّعات دولهم.
نهاية المرحلة الوردية؟
كانت النتيجة هي نهاية مرحلة الودّ بين أردوغان وبوتين بعد تبادلهما الاتهامات على الملأ وفي السرّ، في سابقة هي الأولى من نوعها خاصة فيما يتعلّق بالحدّة في الحديث فيما بينهما، حيث كان هذا الأمر قاصراً بشكل عام على استعمال تلك اللهجة أثناء الحديث مع زعماء الدول الغربية.

اقرأ أيضاً: "مجموعة البجع": كيف خلق أردوغان دولة داخل الدولة؟
من المستحيل التكهّن بما إذا كان بوتين وأردوغان سينجحان في تحقيقه، ورسمياً، فإنّ سياسة موسكو بتجنّب نشوب النزاعات، تؤدّي إلى العكس تماماً في إدلب لا سيما وأن جبهات القتال في سوريا لا تزال مشتعلة ويبدو النزاع غير قابل للانتهاء قريباً حتى لو كان بوتين قد صرّح بأنّ "المهمة أنجزت"، كما أنّ روسيا وتركيا بوسعهما إلحاق الأذى ببعضهما البعض، وليس بالضرورة عبر توجيه الضربات بصورة مباشرة.

ورغم اصطدامه بعدد من الجيوش الأجنبية ضمن حملته في سوريا، لكنّ العملية تمثل كذلك فرصة سانحة لأردوغان خاصة إذا فاز في هذه الجولة حيث سيؤدّي ذلك لاكتساب تركيا ثقلاً كبيراً ليس فقط في مائدة التفاوض مع روسيا بل وفي المنطقة أيضاً. كما أنّ تصاعد النفوذ التركي سيغيّر من توازن القوى في العالم العربي السنّي الذي يواجه تزايد المدّ الإيراني في الأراضي العربية.

اقرأ أيضاً: أردوغان يتخبط وسط تناقضات سياسته الخارجية
إنّ أردوغان بصدد مقامرة خطرة مرتفعة الرهان، يحسب بوتين أيضاً بدقّة تكلفة "انتصاره" في سوريا، والتي ترتفع عاماً بعد عام في أراض ما زال إعادة إعمارها يحتاج لعقود طوال، مع الأخذ في الاعتبار أنّ القوة العسكرية الروسية في سوريا نجحت فقط عندما لم تكن ثمة قوة عسكرية أخرى حقيقية معارضة قادرة على إسقاط طائراتها، لكنّها موجودة الآن.
الداخل يثور ضد أردوغان
يشهد الداخل التركي حركات ومؤشرّات ذات أهمية بالغة، فالاشتباكات بين المعارضين والموالين للحكومة داخل البرلمان التركي تعبّر عن حالة التوتّر التي تسود المشهد السياسي، لا سيما بسبب التدخّل في سوريا عسكرياً.
ويدفع كل شيء، رغم الحظر المفروض على وسائل الإعلام وحبس الصحفيين ورؤساء الجرائد والإذاعات، للجزم بأن الإخفاق العسكري سيزيد من حالة الاستياء الشعبي، كما أنّ تراجع قطاع السياحة الذي لم يتعافَ بعد من الأزمة الأخيرة مع روسيا، والذي تجدّدت أزمته بسبب وباء كورونا، ستكون له آثار وخيمة على الأزمة الاقتصادية.

اقرأ أيضاً: هل يعاقب الغرب أردوغان؟
لا تستطيع الدعاية العسكرية التغطية على حقيقة الوضع في ميدان المعركة، وبات المواطنون الأتراك على دراية أكبر بحجم الخسائر التي يتكبّدها الجيش بسبب العملية في سوريا، بشكل يضع مستقبل أردوغان السياسي في مهبّ الريح رغم استناده إلى شركات كبرى تستفيد من الحرب في البلد العربي، لذا فإنّ سقوط أردوغان المحتمل قد يسهم في الكشف عن شبكة الفساد الضخمة التي تعمل منذ تسعة أعوام.

حلم السلطان يتهاوى
يقف أردوغان وحده الآن، فلا الولايات المتحدة ولا حلف الناتو سيتورّطان في حرب مباشرة مع روسيا، وبدلًا من سعي تركيا نحو حل سياسي للوضع مثل ذلك الذي قدّمه بوتين خلال مفاوضات أستانة، فضّلت تصعيد حدّة التوتر، ولم تتوان عن استغلال الأزمة الإنسانية لتحقيق أغراضها هي والحصول على مبالغ مالية هائلة من الاتحاد الأوروبي مقابل عدم السماح للاجئين بمحاولة الوصول لأراضيه.

اقرأ أيضاً: كيف نسج أردوغان "زواج المصلحة" بهدف استنزاف السعودية في اليمن؟
ربما كان أردوغان يطمح لقيادة العالم الإسلامي، لكنّه اختار الطريق الخاطئ وهو المواجهة، عوضاً عن الحوار، وتسبّبت سياسته الخارجية في وضعه بمواجهة كبرى الدول العربية، ومن منطلق رؤيته لنفسه كقائد "للإخوة الإسلامية"، عمل على تمويل ودعم جماعة الإخوان المسلمين خلال مرحلة الربيع العربي، وبالفعل نجحت الجماعة في الوصول لسدة الحكم في مصر.

لم ينجح أردوغان في إنشاء علاقة صداقة لا مع روسيا ولا مع إيران، ومن الجليّ تماماً أنّه يقود تركيا نحو العزلة الدولية

وتوجّه تركيا أنظارها الآن إلى ليبيا، على أنّ التدخل التركي في ليبيا لم يكن يستهدف تهدئة الأوضاع، بل أدّى لتدفّق اللاجئين من السواحل الليبية على أوروبا، ما جلب على رأسه وبال عداوة الغرب الذي هدّده أردوغان بإغراقه بمزيد من اللاجئين، الآلاف منهم.
أما الولايات المتحدة، فقد ضاقت ذرعاً بتركيا بعد شراء أردوغان لمنظومة "إس400" من روسيا، والاتفاق بين أنقرة وموسكو على بناء محطة نووية، والسماح بمد خطّ الغاز "جلف ستريم"، وجاءت ردة الفعل المتمثّلة في فرض عقوبات اقتصادية أدّت لتراجع قيمة الليرة التركية وازدياد الطين بلّة.

لم ينجح أردوغان في إنشاء علاقة صداقة لا مع روسيا ولا مع إيران، ومن الجليّ تماماً أنّه يقود تركيا نحو العزلة الدولية، وطالما أنّه لا يزال مفيداً بالنسبة لترامب، فسيحصل على الدعم العسكري من واشنطن، لكن حين تنتهي الأزمة الراهنة، فسيكون عديم الجدوى، وعلى الأرجح، لا يعي أردوغان أنّ سياسته تقود البلاد وتؤدّي به هو شخصياً إلى قمّة المنحدر نحو الهاوية.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:
https://bit.ly/2w9syBb
https://bit.ly/2wZmLOY

للمشاركة:

ما الذي تفعله تركيا بالضبط في ليبيا؟

2020-03-26

ترجمة: علي نوار


في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام ٢٠١٩، وقّعت كل من الحكومة التركية وحكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج، اتفاقيتين للتعاون أحدثتا حالة من الدهشة والاستياء في دول الجوار القريب، خاصة في كل من جمهورية قبرص واليونان وإسرائيل ومصر، التي تتنازع معهم أنقرة السيادة على الشطر الشرقي من البحر المتوسط. ويتعلّق الاتفاق الأول بهذه النقطة، بينما ينظّم الثاني، رغم انفصاله عن الأول لكن هناك بالقطع صلة بينهما، التعاون العسكري والدعم الذي ستقدمه تركيا، والذي لا يتضمّن حتى الآن نشر قوات مقاتلة.

اقرأ أيضاً: من يسعى إلى إشعال الحرب مجدداً في ليبيا؟

ويتجاوز الأثر الاستراتيجي لهذه الاتفاقات الحدود الجغرافية لليبيا وظهرت تبعاته في نطاق أوسع. وكما كان متوقعاً، لم يقف أحد موقف المتفرج، ورأت دول أخرى لها مصالح في ليبيا، مثل فرنسا وإيطاليا، نفسها مضطرة لاتخاذ موقف رافض للاتفاقيتين، وهو نفس الموقف الذي أظهره الاتحاد الأوروبي، بينما وصفت الولايات المتحدة ما حدث بأنّه "استفزازي". على الجانب الآخر بدت كل من روسيا والصين متحفّظتان في هذا الصدد، لتمنحا نفسيهما قدراً أكبر من حرية الحركة حيال هذا الملف وفقَا لما ستؤول إليه الأمور.

تُعتبر تركيا ضمن الدول التي تخطّط سياستها الخارجية بأكبر قدر من التروّي. لا يمكن الجزم بأنّ هذه الطريقة ناجحة على الدوام، لكنّها بالتأكيد ترتكز إلى أسس راسخة ولا تأتي تصرّفاتها من منطلق الارتجال. بالتالي ينبغي تحليل الحراك الخارجي التركي من هذا المنظور، بحيث يمكن استشفاف دوافع هذا التحرّك وتوقّع نتائجه الاستراتيجية على توازن القوى في المنطقة.

المصالح التركية في ليبيا: الأسباب

إنّ اهتمام تركيا بليبيا ليس بحديث. فقد كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، كما أنّها كانت أول تجربة قتالية يخوضها الشاب مصطفى كمال أثناء الحرب التي اندلعت على خلفية احتلال إيطاليا لليبيا عام ٢٠١١، وأسهم أداؤه البارز خلال معركة جاليبولي أثناء الحرب العالمية الأولى والتي حوّلته إلى بطل قومي.

من العوامل التي تتوافر في ليبيا وتمثّل بالنسبة لتركيا فرصاً سانحة لا ينبغي إهدارها تغلغل التأثير التركي في أفريقيا

ورغم أنّ العوامل العاطفية بالطبع لها أهميتها، إلّا أنّ السياسة الخارجية التركية الحالية ركّزت انتباهها على بلد أصبح اليوم ضمن تصنيف الدول الفاشلة بسبب التدخّلات الخارجية بنسبة كبيرة. لكن ما سرّ هذا الاهتمام الواضح؟ يمكن بكل يسر رصد أربعة عوامل على الأقل تتوافر في ليبيا وتمثّل بالنسبة لتركيا فرصاً سانحة لا ينبغي إهدارها: ١) تغلغل التأثير التركي في أفريقيا، ٢) وضع اليد على موارد الطاقة الليبية، ٣) تقويض دور مصر الإقليمي، ٤) ترسيم حدود السيادة في شرق البحر المتوسط. ويرتبط أول عنصرين مباشرة بسياسة التوسع في أفريقيا التي بدأت الحكومة التركية في اتباعها منذ منتصف العقد المنصرم. أمّا العاملان الآخران فلهما أهداف أبعد وربما يكونان الدافع وراء توقيع تلك الاتفاقيات المذكورة، نتيجة لأنّ هذين العاملين من شأنهما دفع تركيا لبذل كل ما بوسعها من أجل تحقيقهما.

النفوذ في القارة الأفريقية

سمحت الطفرة الاقتصادية التي عرفتها تركيا بعد وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة للحكومة التركية بأن تتطلّع لتوسيع نطاق علاقاتها التجارية على المستوى العالمي، مصحوبة بسياسة خارجية تركّز على استعادة دور القوة الإقليمية ذات الرؤى العالمية والذي لطالما اعتبرت على مدار التاريخ أنّ بلاد الأناضول جديرة به. ونظراً لاعتبار الكثيرين أفريقيا قارة المستقبل، فقد وضعت القارة السمراء ضمن الأهداف التي تسعى أنقرة لتحقيقها على النحو الأمثل.

اقرأ أيضاً: في ظل تفشي كورونا.. تركيا تُغرق ليبيا بالسلاح بدلاً من المعدات الطبية!

بيد أنّ حدثين جللين شهدتها دول ذات تاريخ عثماني عام ٢٠١١، فتّحا أعين القيادة التركية على فرصة ثمينة لإضفاء لمسة "تجديد" على السياسة الخارجية تجاه أفريقيا وتصدير صورة إلى بلدانها بأنّ تركيا دولة تحترم التزاماتها وتمتلك القدرة على تقديم حلول حقيقية لأزمات وهما المجاعة التي ضربت الصومال والثورة في ليبيا التي انتقلت رياحها إليها من دول الجوار التي مرّت هي الأخرى بما يسمّى "الربيع العربي". وفي الحالة الأولى أسهمت تركيا بصورة كبيرة في المساعدات الإنسانية والتي أرست أسس تعاون أوسع بكثير كانت نتيجته مكانة مرموقة لأنقرة في جميع أرجاء القارة الأفريقية مع مرور الوقت. لذا تُعدّ الصومال بالنسبة لتركيا قصة نجاح ودليل على أنّ النموذج التركي في التعاون هو بديل لنماذج أخرى سواء الصيني أو الروسي أو الغربي.

اقرأ أيضاً: المتحدث باسم الجيش الليبي يكشف عدد المرتزقة السوريين والأتراك في ليبيا

فيما لم تكن التبعات في الحالة الثانية إيجابية بالدرجة المنشودة. فمنذ اللحظة الأولى تعاملت تركيا مع المجلس الوطني الانتقالي بوصفه "الممثّل الوحيد للشعب الليبي" وكانت أول دولة توفد سفيراً إلى طرابلس بعد سيطرة المجلس على المدينة، إضافة إلى دعمها المستمر والقوي لحكومة الوفاق الوطني التي تمخّض عنها الاتفاق السياسي من أجل ليبيا المُبرم في كانون الأول (ديسمبر) من العام ٢٠١٥. ولكي تعزّز وضعها كدولة تتصرّف من منطلق الإيثار وتخلّصت من أحمال ماضيها الاستعماري، تنفّذ تركيا منذ ٢٠٢٥ عدّة مشروعات لتوفير المساعدات الإنسانية عن طريق وكالتها الحكومية للتعاون "تيكا" وكذلك منظمة الهلال الأحمر.

اقرأ أيضاً: المرصد يكشف عدد القتلى من مرتزقة تركيا في ليبيا

لكن ولأسباب لا يتّسع المجال لذكرها، لا يظهر الاستقرار السياسي ضمن خصائص ليبيا ما بعد القذافي، وتسبّبت الحملة التي يشنّها المشير خليفة حفتر في وضع حكومة الوفاق الوطني في مأزق. وتبرز تركيا هنا كأحد أهم داعمي حكومة الوفاق الوطني، بحيث تروّج لنفسها بين الدول الأفريقية على أنّها تحترم النظام العالمي، وعلى أمل أن يسهم كل نجاح تحقّقه في ليبيا في تعظيم رأسمالها السياسي بحيث تستطيع استثماره في باقي القارة.

الطاقة

إنّ الحديث عن السيطرة على موارد الطاقة باعتبارها أحد الدوافع، إذا لم يكن أهمّها، وثورات عام ٢٠١١، وتدخّل حلف شمال الأطلسي "ناتو" الذي أدّى لإسقاط نظام القذافي هو من باب ذكر البديهيات. ولا تعدّ تركيا استثناء من ذلك. ويتشكّك الكثيرون اليوم في فكرة أنّ الإيثار هو المحرّك الوحيد الذي يدفع تركيا للاهتمام بليبيا. بالتأكيد تحاول تركيا الحصول على الموارد التي تفتقر وتحتاج لها من أجل المحافظة على سلامة اقتصادها وهو ما يعني بالتالي تحقيق أهداف سياستها تجاه أفريقيا.

من أهداف تركيا أيضاً وضع اليد على موارد الطاقة الليبية وتقويض دور مصر الإقليمي وترسيم حدود السيادة في شرق المتوسط

وتمتلك ليبيا احتياطات هائلة تُقدّر بحوالي ٤٨ مليار و٤٠٠ مليون برميل من النفط (ما يعادل ٢.٨٪ من الاحتياطي العالمي)، علاوة على ١.٥ مليون متر مكعّب من الغاز الطبيعي، لكن استخراج هذه الموارد خلال الفترة السابقة لعام ٢٠١١ ينحصر بين شركات بعينها مثل؛ بريتيش بتروليم البريطانية وتشيڤرون الأمريكية وإيني الإيطالية وربسول الإسبانية وشيل الهولندية وتوتال الفرنسية وشركات أخرى صينية ونمساوية ونرويجية وألمانية.

وحتى اليوم، لا تزال صناعة النفط التركية غائبة عن الساحة الليبية. وربما يكون هذا الوضع قاب قوسين أو أدنى من التغيّر. فمن شأن وجود حكومة موالية في طرابلس تسهيل دخول شركة النفط التركية الرسمية إلى آبار النفط الليبية، ليس فقط في الأراضي القارّية، بل وأيضاً تلك الواقعة في مناطق سيادتها بالبحر المتوسط. وبالفعل، كشفت تركيا عن نواياها بتنفيذ مشروعات تنقيب في المياه التي تصنّفها الحكومة الليبية بأنّها منطقة اقتصادية خالصة.

منافسة إقليمية

لم تكن العلاقات الثنائية بين مصر وتركيا تاريخياً سهلة قط. ومنذ حقبة الإمبراطورية العثمانية التي كانت مصر جزءاً منها حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، تتنافس الدولتان على زعامة وقيادة العالم الإسلامي السُنّي، بل أنّ عهد الرئيس المصري السابق أنور السادات، والذي كان يتزامن مع الحرب الباردة التي اتّسمت بالتقاء مصالح مصر مع الكتلة الغربية، لم يشهد كذلك محادثات حقيقية بين الطرفين. رغم أنّ العلاقات مرّت بنوع من الدفء خلال الفترة الوجيزة التي تواجدت فيها حكومة من الإخوان المسلمين. لكن سقوط حكم الإخوان في ٢٠١٣، علاوة على الدعم الذي توفّره تركيا للإخوان المسلمين، الجماعة المحظورة في مصر، أوصل العلاقات بين البلدين إلى نقطة أقرب للانقطاع.

اقرأ أيضاً: أردوغان يخفي قتلاه في ليبيا!

وتدعم مصر، المشير خليفة حفتر وجماعة الجيش الوطني الليبي. بالتالي، أضحت ليبيا مسرحاً لحرب بالوكالة بين بعض الدول. وكل ذلك في ظلّ موقف مبهم من ناحية روسيا التي رغم إعلانها الحياد، إلّا أنّ دعم شركة "ڤاجنر" العسكرية الروسية الخاصة للجيش الوطني الليبي معروف للجميع.

وهنا يظهر في الصورة اتفاق التعاون العسكري والأمني. ويقتصر هذا الاتفاق على ملفّات الدعم التقني والمشورة وتبادل المعلومات والاستخبارات والتدريب والتأهيل والتجهيز، وكذا الصناعات الدفاعية، وقائمة من ٢٣ بنداً آخرين، بيد أنّه لا يشمل نشر قوات مقاتلة.

اقرأ أيضاً: المجلس العالمي للتسامح والسلام يحذر من تدخل "قوات التدمير التركي" في ليبيا

بموجب هذا الاتفاق، أرسلت تركيا مستشارين ومدرّبين عسكريين إلى ليبيا؛ حيث حدثت أولى الخسائر بالفعل. وقد اعترف الرئيس أردوغان بالفعل بسقوط عدد من أفراد الجيش الوطني السوري، وهو فصيل سوري معارض تدعمه تركيا. إضافة إلى هذا الفصيل، تنشط بالفعل في ليبيا شركة الأمن التركية الخاصة "سادات" منذ عام ٢٠١٣ على أقل تقدير. لذا فإنّ تركيا ستبذل كل ما بوسعها على الأرجح للحيلولة دون سقوط حكومة الوفاق الوطني، وبالتالي تسهيل تغلغل مصر في المشهد الليبي. ولا ينحصر هذا في إمداد حكومة الوفاق الوطني بالمعدّات العسكرية فحسب، بل يمتدّ ليصل إلى الدفع بقوات مقاتلة، حسبما تقتضي الأوضاع على الأرض، وقد طلبت حكومة الوفاق الوطني بالفعل المزيد من القوات المسلحة التركية.

لقد أصبح من الضروري بشدّة بالنسبة لتركيا احتواء النفوذ المصري في القارة الأفريقية، وربّما انتظار تغيير النظام في مصر والذي تعتقد أنقرة أنه قد يفضي إلى إزالة العقبات في طريق تطبيع العلاقات الثنائية. ومن أجل إكمال "الحصار"، أقامت تركيا علاقات وثيقة مع السودان، حيث يتمتّع أردوغان بتأثير متزايد. وخلال زيارته للبلاد في ٢٠١٧، تعهّد الرئيس بتشييد بنية تحتية والارتقاء بحجم التبادل التجاري بين البلدين ليبلغ ١٠ مليار دولار، ليضمن حقّ إعادة بناء جزيرة سواكن، وهو ميناء عثماني مهم يعود للفترة بين القرنين؛ الخامس عشر والتاسع عشر، على سواحل البحر الأحمر. إلّا أنّ سقوط نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير جاء ليوجّه ضربة موجعة للتطلّعات التركية، التي أصبحت مسألة استمراريتها في مهبّ الريح. وبعد فترة مقتضبة من الترقّب، بدأت الحكومة التركية في الوقت الحالي سلسلة من التحرّكات لمحاولة تجاوز ما حدث، بما يشمل تعزيز التعاون في مجال الدفاع.

ترسيم مناطق السيادة في شرق البحر المتوسط

يُعدّ هذا هو الملفّ الأهم من المنظور التركي في الوقت الراهن والذي جاءت نتيجته في صورة توقيع مذكّرة التفاهم حول ترسيم مناطق السيادة في البحر المتوسط. ولفهم ذلك الأمر يجب العودة بشكل خاطف إلى القانون الدولي للبحار الذي ينصّ على أحقّية كل دولة في ٢٠٠ ميل بحري من آخر نقطة في أراضيها المحاذية للبحر، ومنطقة اقتصادية خالصة يمكن للدولة فيها ممارسة حقها في السيادة، وفي حالات بعينها يمكن مدّ نطاق هذه المنطقة بحيث يصل إلى ٣٥٠ ميلاً بحرياً.

سقوط نظام الرئيس السوداني عمر البشير جاء ليوجّه ضربة موجعة للتطلّعات التركية التي أصبحت مسألة استمراريتها في مهبّ الريح

لكن المشكلة في حالة شرق البحر المتوسط تكمن في محدودية المساحة وبالتالي صعوبة تطبيق القانون الدولي، لذا لا بديل أمام دول المنطقة سوى ترسيم الحدود البحرية عن طريق التفاوض فيما بينها مع الالتزام "بعدم القيام بأي شيء قد يهدّد أو يعوق إتمام الاتفاق النهائي".

وحتى الآن وإزاء غياب الاتفاق، امتنعت تركيا واليونان عن الإدلاء بأي إعلان رسمي يمكن تأويله على أنّه عدائي. بيد أنّ الاتفاق التركي-الليبي يعدّ خرقاً لهذه الحالة لا سيما وأنّه يتضمّن وضع خطّ فاصل بطول ١٨.٦ ميلاً بحرياً متساوي البعد بين السواحل التركية والليبية. وتكمن المشكلة هنا في وجود جزر مثل كريت بالقرب من هذا الخط الفاصل، إضافة إلى جزر أخرى أصغر من حيث المساحة مثل كارباتوس ورودس اللتين ونظراً لكونهما مأهولتين بالسكان، تضفيان المشروعية على مطالبات اليونان التي يتجاهلها الاتفاق التركي الليبي.

اقرأ أيضاً: ليبيا و"صوفيا الجديدة"

من جانبها، تدّعي تركيا أنّ الاتفاق أُبرم مع حكومة شرعية بموجب الدستور وتحظى باعتراف المجتمع الدولي، ما يعني أنّه يسير في إطار القانون الدولي. واستناداً إلى معاهدة فيينا للحق في إبرام الاتفاقات.

والحقيقة أنّ الخلاف حول ترسيم مناطق السيادة في الشطر الشرقي من البحر المتوسط والاستفادة من موارد الطاقة المكتشفة أسفل مياهه هو الذي أدّى لتوقيع الاتفاق. ورغم أنّ العملية لا تزال في بداياتها، إلّا أنّ استغلال الحقول المكتشفة على مدار العقد الأخير أسفر عن تشكّل تحالفات استراتيجية إقليمية: وتضمّ المجموعة الأولى كل من اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر التي تتعاون فيما بينها لإيجاد صيغة حول الاستفادة من مواردها المحتملة، بينما تشمل المجموعة الثانية كل من تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية، والأخيرة لا تحظى باعتراف المجتمع الدولي. بالمثل تمتلك كل من فرنسا وإيطاليا، ممثّلتين في شركتي النفط "توتال" و"إيني"، على الترتيب، مصالح تجارية في هذه المياه، ما دفعهما لاتخاذ صفّ المعسكر الأول الذي يتمتّع بتأييد الاتحاد الأوروبي. كذلك لدى الولايات المتحدة مصالحها التجارية الخاصة بالموارد المحتملة في المياه التي تطالب قبرص بالسيادة عليها.

اقرأ أيضاً: مع التدخل التركي في ليبيا.. معركة تونس ضد الإرهاب تزداد صعوبة

تركت كل هذه التحالفات تركيا في حالة من العزلة. وقد دفع عقد منتدى غاز شرق البحر المتوسط، وهو ملتقى سياسي للتعاون في مجال الطاقة تشارك فيه كل من مصر وإسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية وقبرص واليونان وإيطاليا كما أبدت فرنسا اهتمامًا بالانضمام له، تركيا إلى التحرّك بالتأكيد.

ويرسم الاتفاق بشكل واضح الحدود ويمنح تركيا منطقة من البحر تجبر أي خط غاز قد يمكن مدّه لتصدير غاز شرق البحر المتوسط إلى أوروبا على المرور عبرها، وبالتالي تصبح لدى تركيا الكلمة العليا وصلاحية رفض أو حتى عرقلة مدّ أي خط.

اقرأ أيضاً: كيف استغل أردوغان تزييف التاريخ العثماني في ليبيا؟‎

وبغضّ النظر عن الآثار القانونية التي قد يجلبها هذا الإعلان، فإنّ ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة في رقعة متنازع عليها عند الأراضي اليونانية وتحديدًا جزيرة كريت، يمثّل تحوّلًا استراتيجيًا. ويأتي هذا التغيّر الاستراتيجي مصحوبًا بنشر قوات تركية في ليبيا دعمًا لحكومة الوفاق الوطني- حتى لو كان هذا الانتشار على نطاق محدود في الوقت الحالي- ليضع الملف الليبي في وسط المشهد الجيوسياسي شديد الخصوصية في شرق البحر المتوسط وحيث تسعى تركيا لاستعادة مكانتها كقوة إقليمية لا بديل عن التفاوض معها ولا مجال لتجاهلها. وعلى حد تعبير نائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي "فرص نجاح أي خطة في المنطقة لا تشمل تركيا ضئيلة للغاية". لذا يبدو واضحًا بشكل جليّ أنّ تركيا تنتهج سياسة الأمر الواقع.

النتائج على الجيوسياسية الإقليمية

مما سبق يتّضح أنّ الأسباب التي تدفع تركيا للتدخل في الساحة الليبية منذ 2011 ترتبط بصورة كبيرة بتطلّعاتها نحو تأكيد نفوذها في القارة الافريقية عن طريق مشروعات تعاون سياسي واقتصادي وعسكري. رغم أنّ تطور الأحداث في البلد العربي وعودة شبح الحرب الأهلية منذ نيسان (أبريل) من العام الماضي قوّض بشكل ملحوظ من بريق النجاح الذي وصلت له أنقرة حتى الآن. على الجانب الآخر، أسفرت العزلة التي تختبرها تركيا في شرق البحر المتوسط عن اتباعها لاستراتيجية تمرّ عبر الدمج بين المسألتين، بحيث يصعب للغاية التطرّق لإحداهما دون المساس بالأخرى. وسيعني استمرار حكومة فايز السراج وجود حليف ثمين ويؤدّي لتقوية الاتفاق حول ترسيم الحدود البحرية في مياه البحر المتوسط الشرقي.

اقرأ أيضاً: أردوغان في ليبيا قرأ الدرس الإيراني

وحتى الآن وباستثناء لبنان وسوريا، أعلنت جميع الدول المطلّة على البحر المتوسط؛ مصر وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا، وانضمّت إليهم فرنسا- التي تمتلك وجودًا بحريًا في هذه المياه وحيث زارت حاملة طائراتها "شارل ديجول" مؤخرًا ميناء ليماسول في قبرص، أنّ الاتفاق المذكور باطل، بينما وقّعت فرنسا مع اليونان اتفاقاً لتعزيز التعاون الدفاعي يعكس بالطبع نواياهما. كما لا يمكن إغفال مهمة الاتحاد الأوروبي البحرية التي حصلت على الضوء الأخضر من المجلس الأوروبي في 17 شباط (فبراير) الماضي بناء على مقترح فرنسا لمراقبة الحظر على الأسلحة المفروض على ليبيا من جانب مجلس الأمن الدولي، وتعني هذه المهمة حضورًا عسكريًا سيصعّب كثيرًا على تركيا تحقيق أهدافها بالتنقيب عن موارد الطاقة في المياه التي تدّعي سيادتها عليها.

اقرأ أيضاً: اعترافات قبطان وطاقم سفينة نقلت الأسلحة من تركيا إلى ليبيا..

على أنّ مناقشات عاصفة تدور في أروقة الاتحاد الأوروبي بغية إيجاد توازن بين الموقف الرسمي بدعم حكومة السراج المعترف بها دولياً، وهو موقف المعسكر الذي تقوده إيطاليا بوصفها المنادي الأكبر بهذا الموقف، ومصالح فرنسا التي تقف وراءها اليونان وقبرص، والأخيرتان قد تستفيدان من انتصار محتمل للمشير حفتر. ومن شأن تضارب المواقف داخل الاتحاد الأوروبي أن تفضي في نهاية المطاف إلى إضعاف افتراضي للوحدة الأوروبية وبالقطع لن تتوانى تركيا عن استغلال ذلك.

أما الولايات المتحدة، فتختلف نظرتها للأمور بعض الشيء رغم رفضها للاتفاق التركي-الليبي، على أنّ تطور الأحداث في سوريا قد يؤدي لتغيير موقفها بعض الشيء. والحقيقة أنّ الأولوية الاستراتيجية لواشنطن هي إيقاف انتشار نفوذ روسيا والصين على الصعيد العالمي، كما أنّ الحملة العسكرية التي بدأها نظام الرئيس السوري بشار الأسد بدعم روسي في محافظ إدلب أحدث شرخًا عميقًا في العلاقات بين روسيا وتركيا، ما يُترجم إلى فرص سانحة.

اقرأ أيضاً: مرتزقة أردوغان في ليبيا.. القصة الكاملة (فيديو)

وبالفعل، أظهرت الولايات المتحدة إشارات تقارب من أجل بث بعض الدفء في علاقاتها مع تركيا والتي قد تستثمرها واشنطن على النحو الأمثل لإيقاف تغلغل التأثير الروسي في البحر المتوسط.  والحقيقة أنّ سعي موسكو الحثيث للحصول على موطئ قدم لها على الشاطئ الجنوبي من البحر المتوسط شيء معروف للعامة، لذا فإنّها تبقي على قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع الأطراف المتنازعة في ليبيا، وكذلك في مصر حيث تمتلك تأثيرًا متزايدًا. خلاصة القول هنا أنّ تعزيز وضعية تركيا في ليبيا قد يخدم، بشكل غير مباشر، المصالح الأمريكية في المنطقة.

اقرأ أيضاً: تحذيرات دولية من استمرار انتهاكات أردوغان لحظر الأسلحة على ليبيا

لكن الاستراتيجية التي تنتهجها تركيا في البحر المتوسط لا تخلو أيضًا من المخاطر. فمن شأن وجود قوات مسلحة لقوة إقليمية متوسطة التأثير فضلًا عن محدودية القدرة على العمل عن بعد والحفاظ على استدامة قدراتها العسكرية، أن يضع تركيا وبسهولة في موقف شديد الصعوبة ما يعني عجزها عن تطبيق استراتيجيتها.

اقرأ أيضاً: بالأسماء والصور.. المسماري يكشف عن أبرز إرهابيي تركيا في ليبيا

وفوق كل ذلك، فإنّ تطوّر الأمور من الناحية العسكرية على نحو مغاير لمصلحة تركيا، قد يتسبّب في جرجرة الأخيرة إلى الانزلاق رغمًا عن إرادتها بشكل أكبر في الأزمة الليبية، وهذا في الوقت الذي تحتاج فيه لتركيز مواردها العسكرية على الحدود، خاصة السورية. وفي ظل هذه الظروف، فإنّ أنقرة لا تقامر فقط باستراتيجيتها في البحر المتوسط، بل باستراتيجيتها الأمنية على الحدود.

وعلى أي حال، سيتكفّل الوقت بالكشف عن أي الاستراتيجيات المتصادمة ستخرج فائزة في نهاية المطاف في هذه المنطقة التي تشهد تصاعدًا في التحرّكات العسكرية.


مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/2It9gcx

للمشاركة:



انتحار وزير ألماني.. هل للكورونا علاقة بالحادثة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-29

استيقظت ألمانيا، صباح اليوم، على نبأ وفاة وزير المالية بولاية هيسن، توماس شيفر.

 وأكّد الادعاء العام ورئاسة الشرطة؛ أنّ ملابسات الوفاة تشير إلى انتحار، وفق المحققين، بينما ذكرت وسائل إعلام ألمانية؛ أنّ جثة شيفر (54 عاماً)، وُجدت على سكة قطار سريع بمدينة فيسبادن عاصمة ولاية هيسن في جنوب غرب ألمانيا.

وأثارت الوفاة المفاجئة للوزير شيفر، المنتمي لحزب المستشارة أنجيلا ميركل "المسيحي الديمقراطي"، صدمة في الأوساط السياسية والشعبية بألمانيا، خاصة أنّ البلاد تجتاز أزمة انتشار فيروس كورونا.

ويعدّ شيفر أبرز خليفة لرئيس وزراء الولاية الحالي فولكر بوفييه، الذي قال إنّه كان يعتزم لقاءه ظهر اليوم الأحد لبحث سبل مواجهة أزمة انتشار فيروس كورونا في الولاية، وفق ما نقلت "دويتشه فيله".

 وأعرب بوفييه عن صدمته الشديدة وقال: "نحن جميعاً مصدومون ومن الصعب تصديق أنّ توماس شيفر فجأة وبشكل غير متوقع أخذه الموت"، وتوجه رئيس وزراء الولاية بعبارات المواساة والنعي لأسرة شيفر.

ومن جهتها؛ غرّدت وزيرة الدفاع، ورئيسة الحزب المسيحي الديمقراطي، أنغريت كرامب – كارنباور، على حسابها في تويتر: "لقد صدمنا كلنا في الحزب المسيحي الديمقراطي بخبر الوفاة المفاجئة لتوماس شيفر، يضربنا ويجعلنا حزينين ومذهولين، الآن كلّ أفكارنا وصلواتنا مع عائلته".

وأعرب ممثلون لأحزاب سياسية في ولاية هيسن عن صدمتهم بـ "فاجعة" وفاة وزير مالية الولاية، التي يرجح المحققون أنّها كانت انتحاراً، وسط غموض حول الأسباب.

وزير مالية ولاية هيسني توماس شيفر يقدم على الانتحار وسط غموض حول الأسباب

وبينما التزمت عائلته الصمت، كشفت صحيفة "فراكففورته ألغماينه" أنّه "ترك رسالة وداع لزوجته وابنته وابنه".

توماس شيفر ترك زوجته وطفلين، وأمضى أكثر من عقدين من عمره مساهماً في السياسة العامة لبلاده على المستوى المحلي والوطني، حيث يعدّ واحداً من ذوي الخبرة الكبيرة في الأمور المالية.

وذكرت تقارير محلية أنّ شيفر كان نشيطاً جداً في عمله خلال الفترة الأخيرة في مواجهة أزمة كورونا.

على صعيد آخر؛ أظهرت بيانات لمعهد "روبرت كوخ" للأمراض المعدية، اليوم؛ أنّ عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا في ألمانيا ارتفع إلى 52547، وأنّ 389 شخصاً توفوا جراء الإصابة بالمرض.

وأوضحت البيانات أنّ حالات الإصابة ارتفعت بواقع 3965 حالة، مقارنة باليوم السابق، في حين قفز عدد الوفيات بواقع 64 حالة.

 

 

 

للمشاركة:

مقتل قيادي بارز في الجيش الليبي بغارات تركية.. آخر تطورات المعارك..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-29

أعلن الجيش الليبي، أمس، مقتل عدد من قياداته البارزة في قصف شنته طائرة تركية مسيرة، خلال معارك مع ميليشيات السراج، ضواحي مدينة سرت، غرب البلاد.

وقال مصدر عسكري، نقلت عنه "العربية"؛ إنّ "اللواء سالم درياق، آمر غرفة عمليات سرت، ومساعده العميد القذافي الصداعي، قتلا إثر غارة شنتها مسيّرة تركية، على مواقع الجيش، غرب مدينة سرت".

الجيش الليبي يعلن مقتل آمر غرفة عمليات سرت، سالم درياق، ومساعده، في غارة شنتها مسيّرة تركية

ودرياق، هو أحد أهمّ ضبّاط الجيش الليبي؛ حيث قاد عملية "البرق الخاطف" التي نفذتها في السابق قوات الجيش لاستعادة السيطرة على موانئ وحقول النفط، وشارك في معارك منطقة الهلال النفطي، قبل أن يتم تعيينه آمراً لغرفة عمليات سرت الكبرى المعنية بحماية النفط منذ عام 2018.

وجاء هذا بعد يوم واحد من مقتل العميد علي سيدي التباوي، آمر "الكتيبة 129" التابعة للجيش الليبي، في محور الوشكة، غرب مدينة سرت، بغارة جوية نفذتها طائرة تركية مسيّرة انطلقت من القاعدة الجويّة بمصراتة.

في المقابل، قال الجيش الليبي، إنه قتل عدداً من قيادات المليشيات المسلحة في الاشتباكات الأخيرة، من بينهم: القيادي علي شناك، آمر محور الخلاطات من مدينة مصراتة، ومحمد الشيشة آمر ميليشيا "شريخان"، ومعهم الناطق الرسمي باسم ميليشيا "القوة الوطنية" في جنزور، سليم قشوط.

الجيش الليبي يعلن مقتل عدد من قيادات مليشيات السراج من بينهم علي شناك ومحمد الشيشة وسليم قشوط

في الأثناء، تستمرّ المواجهات المسلّحة بين الجيش الليبي وقوات الوفاق في محاور جنوب مدينة مصراتة وغرب مدينة سرت ومحاور طرابلس، في ظلّ تحشيدات من الجانبين، منذ إعلان حكومة الوفاق، الخميس الماضي، عن بدء عملية "عاصفة السلام" العسكرية، ما ينذر بتصعيد عسكري محتمل خلال الأيام القادمة، رغم الدعوات الأممية بوقف إطلاق النار وتركيز الجهود على مواجهة انتشار فيروس كورونا.

وقبل أيام؛ سيطر الجيش الليبي على مدن زليطن والجميل ورقدالين ومناطق أخرى قريبة من الحدود التونسية، لكنه يواجه مقاومة شرسة من قبل قوات الوفاق، في مناطق واد زمزم وبوقرين والهشة، جنوب مدينة مصراتة، ومحوري الوشكة والقداحية غرب مدينة سرت.

 

 

للمشاركة:

ما هي أهداف حزب الإصلاح الإخواني في اليمن؟ ولماذا يفتعل الأزمات؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-29

شنّ المحلل السياسي السعودي، خالد الزعتر، أمس، هجوماً حاداً على حزب الإصلاح الإخواني في اليمن، مشيراً إلى أنّ أرواح الأتراك لديهم أغلى من أرواح اليمنيين.

 

 

وقال في سلسلة تغريدات عبر تويتر: "المرتزقة في اليمن، أرواح الأتراك لديهم أغلى من أرواح اليمنيين، حتى الكمامات يرسلونها إلى تركيا بالمجان والشعب اليمني يعاني، الكمامات تأتي من صنعاء والإخواني يصدرها إلى تركيا، كل يوم يثبت الإخواني أنّه والحوثي الإرهابي وجهان لعملة واحدة".

تركيا تعوّل كثيراً على حزب الإصلاح لتحقيق أهدافها في اليمن وخلق أزمات جانبية تفيد الحوثي

ورأى السياسي الخليجي، أنّ تركيا تعوّل كثيراً على حزب الإصلاح لتحقيق أهدافها في اليمن وخلق أزمات جانبية لا يستفيد منها سوى الحوثي، مشيراً إلى أنّ الحلّ الأمثل لقطع يد تركيا في اليمن يتمثل في تطهير الحكومة الشرعية اليمنية من حزب الإصلاح الإخواني وأتباعه.

وقال خالد الزعتر: "تطهير الحكومة الشرعية اليمنية من حزب الإصلاح الإخواني وأتباعه ضرورة لقطع الطريق أمام إستمرارية الإختراق القطري والتركي للحكومة اليمنية، فتركيا تحاول عبر التابعين لها خلق أزمات جانبية لا يستفيد منها سوى الحوثي، كما يحدث من حشد عسكري باتجاه اليمن".

بعد أن فشلت تركيا في تحقيق أهدافها في سوريا وليبيا يتجه أردوغان إلى اليمن عبر حزب الإصلاح

وأضاف: "بعد أن فشلت في التعويل على إنعاش الإخوان في مصر، وانحسار دورهم في سوريا، وحالة الانكسار الإخواني في ليبيا بعد الانتصارات العسكرية التي حققها الجيش الوطني الليبي تعول على حزب الإصلاح الإخواني في اليمن لتحقيق أهدافها".

وأشار إلى أنّ الإخوان أداة من أدوات تركيا الناعمة لاختراق الحكومات العربية، ومن أجل الحفاظ على الإنجازات والمكتسبات التي تحققت في سبيل دحر الإرهاب الحوثي يجب تحصين الحكومة الشرعية اليمنية من الاختراق التركي، عبر تطهيرها من الإخوان.

للمشاركة:



فيروس كورونا: خمسة أسباب لتشعر بالتفاؤل رغم تفشي الوباء

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-29

مع اتساع نطاق انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) وارتفاع أعداد المصابين به في أنحاء العالم، بات من الصعب الحديث عن شيء إيجابي ونحن في خضم أزمة صحية عالمية قد تستمر أسابيع أو أشهر.

ومع ذلك، هناك عدة أسباب لتمنحك شيئاً من البهجة والتفاؤل. فمع استفحال تفشي الوباء، أدت هذه الأزمة إلى إخراج أفضل ما لدى الناس أيضاً.

1. تكريم الأطقم الطبية على مستوى العالم
يقف الأطباء والممرضون وغيرهم من العاملين في مجال الرعاية الصحية على الخط الأمامي في المعركة ضد فيروس كورونا المستجد.

ومن بين أكثر من 500 ألف مصاب بالفيروس على مستوى العالم، تعافى حوالي 130 ألف شخص، وفقا للبيانات التي جمعتها جامعة جونز هوبكنز الأمريكية. ويعود الفضل في تعافي هؤلاء إلى حد كبير إلى الجهود البطولية التي يبذلها العاملون في مجال الرعاية الصحية.

واعترافا بذلك، شارك الناس في العديد من الدول في أنحاء العالم، ومن بينها إيطاليا وإسبانيا وفرنسا والهند، في تحية الطواقم الطبية والتصفيق لها.

وفي بريطانيا أطل الناس مساء الخميس من نوافذهم، أو وقفوا أمام أبواب بيوتهم، وقاموا بتصفيق جماعي تحية للعاملين في الرعاية الصحية.

بدأ التوجه العام لتبادل التحيات والتشجيع في منتصف يناير/كانون الثاني في مدينة ووهان الصينية، حيث ظهر الفيروس قبل أن ينتقل إلى أرجاء العالم. وأظهرت مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية السكان وهم يهتفون ويغنون من نوافذ الشقق ليلا، في محاولة لرفع معنويات بعضهم البعض.

مع انتشار الفيروس خارج ووهان، انتشرت فكرة التعبير عن الامتنان للطواقم الطبية، وأصبح التصفيق تحية وتشجيعا لها اتجاها عالميا.

2. الصين تخفف القيود
في الوقت الحالي على الأقل، تعتقد الصين أنها سيطرت على الأوضاع الطارئة التي سببها انتشار فيروس كورونا، وتم الإبلاغ عن عدد قليل جدا من حالات الإصابة الجديدة محليا خلال الأيام الأخيرة، ومعظم الحالات كانت لأشخاص قادمين إلى الصين من الخارج.

وهذا يعني أن الحكومة الصينية بدأت في تخفيف بعض القيود التي فرضتها لكبح انتشار الفيروس.

وفي 25 مارس/آذار، رفعت مقاطعة هوبي الصينية قيود السفر على الأشخاص الذين يغادرون المنطقة. ومن المقرر أن يتم في 8 أبريل/نسيان تخفيف حالة الإغلاق التي بدأت في مدينة ووهان منذ يناير/كانون الثاني.

وأفاد مراسل بي بي سي في الصين ستيفن ماكدونيل، بأن الناس في العاصمة الصينية بكين تمكنوا من استنشاق الهواء النقي كما تنفسوا الصعداء أيضا.

مع رفع القيود، هناك مخاوف من حدوث موجة ثانية من الإصابات في الصين. ولكن في الوقت الحالي، تتخذ الصين خطوات أولية نحو استعادة الحياة الطبيعية.

3. تغيرات طفيفة في إيطاليا

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، قالت وكالة الحماية المدنية الإيطالية إن البلاد في "مرحلة استقرار ظاهرة" فيما يتعلق بالعدوى. وذلك بعد أربعة أيام متتالية، شهدت فيها البلاد انخفاضا في عدد الإصابات الجديدة والوفيات الناجمة عن فيروس كورونا.

وبلغ عدد الإصابات يوم الأربعاء 3612 حالة، وهو رقم أقل من الإصابات اليومية المسجلة خلال الأيام الأربعة السابقة. وارتفعت الإصابات يوم الخميس، وكانت الصورة متباينة يوم الجمعة، ففي حين انخفضت الإصابات الجديدة مقارنة بيوم الخميس، فقد سجلت إيطاليا الجمعة أكبر ارتفاع في الوفيات حتى الآن.

واعتبر تراجع الإصابات خلال أربعة أيام، رغم قصر المدة، بصيص أمل في إيطاليا، الدولة الأكثر تضررا في أوروبا.

ووصفت منظمة الصحة العالمية تباطؤ انتشار الوباء بأنه مشجع. وقال مدير الصحة في مدينة لومباردي، المنطقة الأكثر تضررا في إيطاليا: "هناك ضوء في نهاية النفق".

4. التقدم العلمي مستمر
يعتمد العالم على العلماء لتطوير لقاح يحمي الناس من الإصابة بالفيروس. وهناك العديد من اللقاحات قيد التطوير، وتجري بالفعل تجارب على البشر، لكن من الناحية الواقعية، يقول الخبراء إن اللقاح لن يكون جاهزا قبل مدة تتراوح من عام إلى 18 شهرا على الأقل.

ومع تسابق العلماء لتطوير لقاح، يتم اكتشاف الكثير من المعلومات عن الفيروس.

هذا الأسبوع، على سبيل المثال، كانت هناك تقارير عن أبحاث واعدة حول الشفرة الوراثية لفيروس كوفيد-19.

وأشارت الأبحاث إلى أن مراقبة طفرات الفيروس القليلة في الخلايا، تشير إلى أن لقاحا واحدا سيمنح الشخص مناعة لفترة طويلة.

وقال أستاذ علم الفيروسات ستيفانو مينزو، الذي يجري دراسات على كوفيد-19 إن"حتواء الفيروس على مورث مستقر يمثل نبأ ساراً لتطوير اللقاح".

5. ازدهار الروح الجماعية والمعاملة اللطيفة
على الرغم من أن فيروس كوفيد-19 تسبب في انعزال الناس عن بعضهم، فإن المجتمعات كانت تتوحد معا في مواجهة الأزمة، ونجحت المعاملة اللطيفة وحالة التضامن في رفع الروح المعنوية بين المجتمعات في أنحاء العالم.

في بريطانيا، سعى مئات الآلاف إلى الانضمام إلى الجيش التطوعي التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية )NHS (، وهو ما تخطى بكثير الأرقام التي استهدفتها الحكومة من المتطوعين.

وفي إسبانيا، كانت هناك استجابة كبيرة لنداء طبيب عبر الإنترنت بإرسال رسائل إلى المصابين بفيروس كورونا المستجد. وذكرت صحيفة "الباييس" أن المرضى تلقوا عشرات الآلاف من الرسائل التي تحمل التشجيع والأمنيات الطيبة.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

هل ينجو النظام الإيراني من صدمة فيروس كورونا؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-03-29

ترجمة: مدني قصري


يُدين الشعب الإيراني؛ الإدارة الكارثية لوباء كورونا من قبل الجمهورية الإسلامية، التي تحاول الهروب من هذا السخط من خلال إعادة إطلاق تصعيدها ضد الولايات المتحدة في العراق.

اقرأ أيضاً: مسؤول إيراني يكشف معلومات خطيرة حول انتشار كورونا في بلاده
فقد أصبحت إيران، رسمياً؛ ثالث أكثر الدول إصابة بفيروس كورونا بعد الصين وإيطاليا، مع وجود 1556 حالة وفاة، و20610 حالات إصابة حتى 21 آذار (مارس) الجاري، لكنّ الواقع أكثر كارثية، بسبب كذبة الدولة التي "حاصرت" الوباء منذ فترة طويلة؛ إذ أرادت الجمهورية الإسلامية بالفعل إخفاء إدارتها الكارثية للأزمة، حتى لو كان ذلك بتحويل الطاقم الطبي، في غياب أي إجراء وقائي، إلى ناقلين رئيسيين لانتشار الفيروس، وقد تمسك آية الله في السلطة عبر خرافة الحصانة الإلهية الممنوحة لمراكز الحج الشيعية، التي ظلّت مفتوحة حتى الأيام الأخيرة، لتتحول إلى بؤر تلوث هائلة، وبالتالي فإنّ الشرعية السياسية والدينية للنظام هي التي تأثرت، وربما بشكل لا رجعة فيه.

عمى المتعصبين
لدى إيران أكبر عدد من الشيعة في العالم، لكنّ مدينتي النجف وكربلاء المقدستين، تقعان في العراق، ومن هنا تأتي الأهمية الكبرى التي توليها الجمهورية الإسلامية لموقعي قُم ومشهد، وقد تم تشييد هذا الأخير في شرق البلاد حول ضريح الإمام رضا؛ الثامن في رتبة التقوى الشيعية، والذي دُفن هناك عام 817، أمّا قُم؛ فيقع على بعد 150 كيلومتراً جنوب طهران، ورغم أنّه لا يؤوي سوى قبر فاطمة شقيقة رضا، إلا أنّه أصبح ضرورياً ومُهِمّاً للغاية بالنسبة للنظام، فهو في الواقع، يُقدّم تعليمه الديني لأكثر من 40 ألف طالب، بالإضافة إلى نسبة عالية من الأجانب، في منافسة مباشرة لندوات النجف.

دفعت الزيادة الهائلة في عدد الضحايا؛ السلطات الإيرانية إلى تقديم موعد عطلات رأس السنة الجديدة وإغلاق موقعي قم ومشهد

وقد اعترفت السلطات بأول حالتي فيروس كورونا في إيران في مدينة قم، يوم 19 شباط (فبراير) الماضي، وأعلنت بعد بضع ساعات وفاة المصابين، لكن، يخشى أن يكون الوباء قد انتشر في المدينة قبل ذلك بكثير، حيث يقيم 700 من "الإكليريكيين" الصينيين، فضلاً عن 2.5 مليون سائح يستقبلهم الموقع كل عام، بما في ذلك الشيعة الذين يمثلون 10 بالمئة من أصل 20 مليون مسلم صيني.
وظلت دعاية النظام منذ فترة طويلة تعزو فيروس كورونا إلى "مؤامرة العدو" الأمريكي والإسرائيلي، وهي المؤامرة التي ادّعى النظام الإيراني أنّ هالة رضا وفاطمة ستحمي الجمهورية الإسلامية منها. وفي الوقت الذي علقت فيه المملكة العربية السعودية الحج إلى مكة والمدينة المنورة إلى أجل غير مسمى في 27 شباط (فبراير) الماضي؛ اكتفت إيران بتعقيم موقع مشهد وروّجت له إعلامياً على نطاق واسع.

اقرأ أيضاً: إيران وكورونا… وسلطة رجل الدين
إنّ الزيادة الهائلة في عدد الضحايا المعترف بهم؛ دفعت السلطات إلى تقديم موعد عطلات رأس السنة الإيرانية الجديدة أسبوعين، في 5 آذار (مارس) الجاري، ثم إغلاق موقعي قم ومشهد في 16 آذار (مارس) الجاري، وقد تمّت محاربة هذا القرار في نفس المساء من قبل المتظاهرين المتعصبين الذين وصلوا إلى الموقع بالقوة وتجمعوا فيه، وقاموا بتقبيل الأضرحة.

ثقب إيران الأسود
لم تبلغ الفجوة بين النظام ومزايدات متطرفيه من جهة، وبين السكان الساخطين بسبب إفلاس حكامهم من جهة أخرى؛ العمق السحيق الذي بلغته الآن، ويأتي هذا السخط الشعبي في سياق القمع الدموي للاحتجاجات في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، يليه تدمير الحرس الثوري لطائرة أوكرانية كان معظم ركابها إيرانيين في كانون الثاني (يناير) الماضي، حيث وصل الغضب العميق الذي تغذيه هاتان المآساتان بالفعل، إلى مستويات لا مثيل لها في مواجهة نظام متّهم بالعمى الإجرامي، على خلفية من الفساد المستوطن (موقعا قم ومشهد يؤويان مؤسسات كبيرة تابعة للنخبة الحاكمة). لذا؛ يميل خامنئي وأتباعه للهروب إلى الأمام قبل التصعيد الجديد مع الولايات المتحدة في العراق؛ لأنّ القضاء على سليماني في بداية العام مكّنهم من استعادة وحدة وطنية مذهلة، إلا أنّها مؤقتة.

في الوقت الذي علّقت فيه السعودية الحج إلى مكة والمدينة المنورة؛ اكتفت إيران بتعقيم موقع مشهد والترويج له إعلامياً

استأنفت الجمهورية الإسلامية، التي خرجت منتصرة من دورة مواجهتها السابقة مع الولايات المتحدة في العراق، أنشطتها العدائية في 11 آذار (مارس) الجاري؛ حيث قُتل أمريكيان وبريطاني في هجوم صاروخي على قاعدة عسكرية شمال بغداد، كما أسفرت الغارات التي شنتها واشنطن انتقاماً من الميليشيات الموالية لإيران، عن مقتل 6 عراقيين، على الأقل، بينهم 3 جنود وضابِط شرطة، مؤكدة الدعوات لانسحاب ما يقرب من الـ 5 آلاف جندي أمريكي ما زالوا موجودين في البلاد.

اقرأ أيضاً: إيران ترفض استقبال فريق "أطباء بلا حدود" والمنظمة تردّ
وقد فشلت طهران في جرّ الولايات المتحدة إلى دوامة دائمة، رغم طبيعة ضربة 11 آذار (مارس) القاتلة، والتي أعقبها إطلاق نار آخر على أهداف أمريكية؛ إذ فضّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المُصمّم على التوقّف عن الانخراط في الشرق الأوسط، الانتقام بتشديد العقوبات على إيران. وعلى الرغم من دعاية الجمهورية الإسلامية بأنّ هذه العقوبات هي السبب الرئيسي لضعف إيران أمام فيروس كورونا، إلّا أنّ هذه المناورة لم تعد كافية لاسترضاء وإخماد الانتقادات الشديدة من قبل السكان، إذ إنّ صدمة فيروس كورونا شديدة بالفعل على الجمهورية الإسلامية، ولن يظهر تأثيرها الكامل إلّا بعد التغلّب على الوباء، وحينها قد تكون لحظة الحقيقة رهيبة على النظام الإيراني.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
https://www.lemonde.fr/blog/filiu/2020/03/22/le-regime-iranien-survivra-...

للمشاركة:

هل ستقلب البشرية صفحة كورونا نحو مستقبل أفضل؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-29

نادية عويدات

قلب فيروس كورونا الدنيا رأسا على عقب وكشف نقاط الضعف الاقتصادية والسياسية والصحية وحتى الأيديولوجية للدول، فظهر إلى لعيان ما كان مضمرا وما كان خفيا.

تجني البشرية بأكملها في هذه اللحظات الحرجة نتائج استثماراتها خلال العقود السابقة سواء كانت حكيمة أم عقيمة. فمثلا، في السنوات الأخيرة فاقت استثمارات الصين في مجال البحوث العلمية ما تخصصه الدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة في هذا المجال. ربما نتيجة لذلك، أذهلت الصين العالم بقدرتها على بناء مستشفى حديث خلال عشرة أيام فقط لمعالجة مرضى كورونا بينما يرقد مرضى دول أوروبية مثل إسبانيا وإيطاليا على أراضي المستشفيات لقلة الأسرة والأجهزة الطبية. صحيح أن الصين لا تزال محط نقد عالمي بسبب أساليبها السلطوية إلا أن هذا لا ينفي الاعتراف بتمكنها الإداري.

استثمرت بلدان كثيرة في الآن نفسه، ومنها بلدان في منطقة الشرق الأوسط، مليارات الدولارات في صناعة الأسلحة، لكن هذا الاستثمار لم ولن يجدي نفعا أمام أخطار لا تراها العين المجردة، ولم يعهدها البشر منذ تفشي الطاعون في العصور الوسطى.

لقد أظهرت هذه الأزمة عبثية هذه السياسات خصوصا أن هذه الأسلحة، كما تشير دراسات كثيرة، يشكل المدنيون العزل نصيب الأسد من ضحاياها. لعل هذه الخلاصة دفعت بالأمين العالم للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دعوة المشاركين في صراعات مسلحة حول العالم (وتشكل الدول الإسلامية خمسة وستين بالمئة منها) التوقف عن قتل بعضهم البعض ومواجهة عدو الإنسانية المشترك.

إن هذا التهديد العالمي لملايين البشر أظهر أيضا هشاشة، لا بل خطورة، بعض الأيديولوجيات والممارسات الدينية ليس فقط على المؤمنين بها بل على كل من قد يكون معرضا لخطرها حيث انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي دعاوى متعصبين لطوائف مختلفة تدعوا المؤمنين من تلك الطائفة إلى تحدي الفيروس المميت والاستمرار في التجمعات الدينية وكأن الفيروس سينحني احتراما لمعتقداتهم.

صور أحد هذه الفيديوهات راية دينية يتم تمريرها من مريض إلى مريض لتقبيلها لما فيها من صفات دينية من المعتقد أنها ستشفى المرضى الذين سارعوا لإظهار ولائهم بتقبيلها ولمسها في الوقت الذي سهل هذا انتشار الفيروس بالمستشفى الذي يرقدون به.

وفي مقطع آخر، أظهر شخصا يستهزئ بالفيروس أثناء قيامه بزيارة ضريح معين تحديا للتعليمات بل حث بقية المؤمنين على البقاء في تحدي لتوصيات السلامة العامة التي أوصت بها الدولة.

ولعلنا نعي جيدا أنه حيث يقطن هؤلاء ستعاني مجتمعاتهم من خسارات فادحة في الأرواح سواء آمنوا أم لم يؤمنوا بهذه المعتقدات والأيديولوجيات فمن خصوصيات هذا الفيروس الخبيث سرعته المذهلة على الانتشار، وعدم تميزه بين سني وشيعي ومسلم ومسيحي ويهودي أو متدين وملحد وبين صيني وأمريكي أو عربي.

لكن البشر بحاجة، في مقابل ذلك، إلى تقديس الحياة الإنسانية والحفاظ عليها بدل الاستهتار بها. فهل ستؤدي هذه الأزمة بعد تفاقمها إلى القضاء على كثير من هذه الممارسات اللاعلمية، ولو بعد حين؟ وهل ستدفع المؤمنين إلى تمحيص أكبر لمعتقداتهم وممارساتهم والتمييز بين العلمي والخرافي وحدود كل منهما؟

حتى داخل بلاد غنية مثل الولايات المتحدة، وهو بلد متقدم لا يوفر خدمات صحية مجانية لمواطنيه، سوف تهز هذه الأزمة أركانه بلا رجعة. وسوف تضعه أمام تحديات عدة منها الغلاء المذهل للخدمات الصحية وانعدام التأمين الصحي لملايين الأمريكيين، فماذا سيكون مصير كل هؤلاء؟ هل ستكون أميركا مجبرة على تغيير سياستها الرأسمالية وتتبع نهج بقية الدول الغربية بتوفير خدمات صحية مجانية؟ أم أنها ستتبع نظرية البقاء للأقوى وترك الضعفاء من مواطنيها لمواجهة مصيرهم وحدهم؟ أم أنها ستنتهج أسلوبا جديدا لا يمت لكل ما ذكرنا بصلة؟ فمثلا قرر الكونغرس تخصيص 2 تريليون دولار لامتصاص الكساد الاقتصادي فإلى أين سيوجه هذا الرقم الضخم بالضبط: إلى وول ستريت والبنوك والشركات الكبرى، أم الفقراء والمحرومين من التأمين الصحي المجاني؟

أبرزت هذه الأزمة العالمية أيضا مدى أهمية الاستثمار في العلم والتكنولوجيا، فقد أصبح المجال الافتراضي كما هو ملاحظ في ظل هذه الأزمة حاجة حياتية ملحة لتعليم أجيال لا بل ضرورة حتمية داخل نمط الحياة الجديد، ولعل من المفارقات الكبيرة في واقعنا اليوم أنه بينما يتوقف اقتصاد بلدان بأكملها عن العمل، تبحث شركات ضخمة مثل أمازون عن موظفين قادرين على العمل عن بعد في موقعها لتلبية الاحتياجات المتزايدة لمستخدمي الموقع.

إن هذا الفيروس الفتاك والذي يتوقع الكثير العلماء أنه لا يزال في بدايته، رغم أنه قد أصاب حوالي نصف مليون إنسان حتى الآن، وأدى إلى وفاة الآلاف خلال أسابيع قليلة، ولا يزال عداد الأرقام في تزايد يوما بعد آخر، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل ستؤدي هذه الخسارة الهائلة الى إيقاظ الإنسانية من سباتها كما فعلت الحرب العالمية الثانية في أوروبا؟

أودت الحرب بحياة عشرات الملايين من البشر آنذاك الأمر الذي حفز الدول الأوروبية للمشاركة في النزاع إلى خلق ترابط تجاري واجتماعي وسياسي بين أطراف النزاع حين ذاك بحيث يصبح الصراع المسلح بينها مستحيلا في المستقبل، وعلى ركام الحرب العالمية الثانية تشكل الاتحاد الأوروبي. كورونا يقدم للبشرية الآن فرصة جديدة لكي تراجع نفسها وتبني مستقبلا مختلفا تماما. فماذا ستختار البشرية؟

هنا أمام هذا الوباء، والذي يعتقد الكثير من الباحثين وخبراء الاوبئة أنه لن يكون الأخير، هل ستؤدي هذه الأزمة إلى توحد الأسرة الإنسانية أمام هذا الواقع؟ أم أنها ستتفنن في إظهار شراستها تجاه الشعوب الأقل حظا؟

أبرزت هذه الأزمة كذلك حقيقة ترابط البشرية بعضها ببعض، وأسقطت كذلك العديد من الفوارق الشكلية والوهمية بين الشعوب. ولهذا فالأفكار التي تحرض على فئة ضد أخرى قد أصبحت بلا معنى.
فقد أصبحت لاجئة سورية في مخيم اليوم شبيهة بوضع مواطنة أميركية بلا تأمين صحي وغير قادرة على توفير العلاج لنفسها أو لعائلتها. كلتاهما ضحية لسياسات لا إنسانية سواء كانت سياسات داخلية أو خارجية. فهل سيحتكر من يملكون المال والسلطة والموارد لحماية أنفسهم ويتركون بقية البشر للهلاك أم أننا سنشهد صحوات للضمير الجماعي عند الشعوب والأمم؟

ولعلنا سنعاود السؤال المقلق: يا ترى ماذا ستختار البشرية؟

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية