
أعاد اعتقال القياديين في جماعة "أنصار المسلمين في بلاد السودان"، محمود محمد عثمان ومحمود النيجيري، بين حزيران (يونيو) وتموز (يوليو) الماضي، أعاد الأنظار إلى واحد من أخطر الفصائل الإرهابية النشطة في نيجيريا وغرب أفريقيا. هذه الجماعة التي عُرفت اختصاراً باسم (Ansaru) ارتبطت بعمليات نوعية هزت الأمن النيجيري والإقليمي، أبرزها تفجير خط السكك الحديدية بين أبوجا وكادونا عام 2022، واقتحام سجن كوجي في العاصمة النيجيرية الذي أسفر عن هروب مئات السجناء.
الدراسة الأخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف سلطت الضوء على هذا التنظيم، موضحة نشأته، وإيديولوجيته، وعلاقاته مع القاعدة في المغرب الإسلامي، واستراتيجياته الدعائية التي يسعى من خلالها لاستقطاب الشباب.
النشأة والخلفية
تأسست جماعة أنصار المسلمين في بلاد السودان عام 2012، إثر انشقاق قيادات عن تنظيم "بوكو حرام" بسبب خلافات داخلية حول استهداف المسلمين المدنيين. أرادت المجموعة المنشقة أن تقدّم نفسها كتنظيم "أكثر انضباطاً"، يلتزم بضوابط الشريعة في القتال، بخلاف النهج الدموي العشوائي لبوكو حرام.
وقد حملت الجماعة اسماً ذا دلالة تاريخية، إذ يشير مصطلح "بلاد السودان" إلى منطقة أفريقيا السوداء، وهو ما يعكس طموحها الإقليمي في التمدد خارج الحدود النيجيرية إلى فضاء أوسع يشمل دول الساحل. منذ البداية حاولت الجماعة أن تمنح نفسها شرعية تاريخية باستدعاء "خلافة سوكوتو" التي حكمت شمال نيجيريا في القرن التاسع عشر، لتوظفها كمرجعية مثالية لحلم "الخلافة الإسلامية" الذي تتبناه.
الإيديولوجيا والخطاب الدعائي
ترفع الجماعة شعار "الجهاد في سبيل الله"، وتعلن أنّ هدفها هو إقامة خلافة على غرار "سوكوتو"، في مواجهة ما تسمّيه "أعداء الإسلام" من سلطات محلية وغربية. وعلى الرغم من ادعائها تجنب استهداف المسلمين، إلا أنّ سجلها الميداني يكشف سقوط مدنيين ضحايا لهجماتها.
في خطابها الدعائي تسعى الجماعة للتمايز عن بوكو حرام عبر تقديم نفسها كـ "تنظيم أنظف" وأكثر التزاماً بالشرع، وهو خطاب يستهدف اجتذاب شريحة من الشباب الذين يرفضون وحشية "أبو بكر شيكاو" وأتباعه. هذا التمايز الدعائي يمثل في جوهره استراتيجية لتوسيع قاعدة الاستقطاب، لكنّه لا يلغي الطبيعة الإرهابية العنيفة للجماعة.
الولاءات والارتباطات العابرة للحدود
منذ نشأتها أعلنت جماعة أنصار المسلمين في بلاد السودان ولاءها لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وهو ما أتاح لها الاندماج في الشبكة الإرهابية الممتدة عبر الساحل والصحراء. وتعززت علاقاتها مع جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" التي تنشط في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهو ما وفر لها دعماً لوجستياً وتدريبياً.
هذه الارتباطات جعلت "أنصار المسلمين" جزءاً من منظومة عابرة للحدود، تتقاطع أنشطتها مع تجارة السلاح وتهريب البشر وشبكات الجريمة المنظمة. ولعل أخطر ما في هذه الارتباطات هو إتاحة حرية حركة لمقاتلي الجماعة بين نيجيريا والنيجر ومالي، بما يهدد الأمن الإقليمي بأسره.
سجل العمليات والهجمات النوعية
برزت جماعة أنصار المسلمين في بلاد السودان بعمليات اختطاف الأجانب بين عامي 2011 و2013، حين استهدفت مهندسين ودبلوماسيين غربيين. غير أنّ تحولها النوعي ظهر في 2022 عندما قادت عملية اقتحام سجن كوجي في أبوجا، وأسفرت عن تهريب مئات السجناء، بينهم عناصر إرهابية خطيرة. وفي العام نفسه نفذت الجماعة عملية تفجير لخط السكة الحديد بين أبوجا وكادونا، ممّا أوقع (8) قتلى وعشرات المخطوفين.
كذلك نفذت هجمات على قواعد عسكرية، واستهدفت البنية التحتية الحيوية في شمال غرب نيجيريا. هذه العمليات كشفت عن قدرة لوجستية عالية وتخطيط معقد، يؤكد أنّ الجماعة ليست مجرد فصيل محلي محدود، بل هي ذراع من أذرع القاعدة في المنطقة.
المواجهة الفكرية والمجتمعية
يرى مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أنّ خطورة جماعة "أنصار المسلمين" لا تكمن فقط في عملياتها المسلحة، بل في قدرتها على تسويق خطاب مغشوش يقدم نفسه كـ"جهاد شرعي". لذلك يركز المرصد على ضرورة تفنيد المفاهيم المغلوطة التي تتبنّاها مثل "الخلافة" و"الحاكمية"، والردّ عليها بالأسس الشرعية الصحيحة. ويُحذّر المرصد من استراتيجيات الجماعة في التجنيد التي تقوم على بث خطاب المظلومية والكراهية وغسل عقول الشباب.
ويدعو المرصد إلى شراكات مع المؤسسات الأمنية والتعليمية لمواجهة هذه الأفكار، سواء عبر مراجعة المناهج أو عبر حملات توعية تستهدف فئة الشباب تحديداً. ويشدد على أنّ المواجهة لا يمكن أن تكون عسكرية فقط، بل هي معركة فكر ووعي، تتطلب تعزيز قيم المواطنة والتعايش، وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية التي تحصّن المجتمعات من الانجرار خلف دعاوى الإرهاب.
تحديات ما بعد الاعتقال
رغم أهمية اعتقال قادة الجماعة مثل محمود عثمان ومحمود النيجيري، إلا أنّ مرصد الأزهر يُحذّر من تداعيات محتملة، إذ غالباً ما تدفع مثل هذه الضربات التنظيمات الإرهابية إلى تنفيذ هجمات انتقامية لإثبات الوجود. وبالتالي، فإنّ التعامل مع الحدث يتطلب وضع خطط وقائية لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، مع متابعة أمنية دقيقة لتحركات الخلايا النائمة. وفي السياق ذاته، فإنّ استمرار عوامل الاضطراب السياسي والأمني في نيجيريا ودول الجوار يوفر بيئة خصبة لبقاء الجماعة، ما لم تُدعَم الإجراءات العسكرية بجهود فكرية وتنموية طويلة الأمد.
تجسّد جماعة "أنصار المسلمين في بلاد السودان" نموذجاً كلاسيكياً للفصائل التي خرجت من رحم تنظيمات كبرى مثل بوكو حرام، محاولة أن تتمايز بوجه "أقل دموية"، بينما تحتفظ بالأهداف التكفيرية الكبرى نفسها. إنّ ولاءها للقاعدة في المغرب الإسلامي يجعلها جزءاً من شبكة إرهابية عابرة للحدود، تتغذى على هشاشة الدولة الوطنية في أفريقيا جنوب الصحراء.
ومواجهة هذا التهديد تتطلب رؤية شاملة لا تقتصر على المواجهة الأمنية، بل تمتد إلى تفكيك الخطاب المتطرف، وبناء حصانة فكرية لدى الشباب، وتعزيز قيم المواطنة والتعايش. وفي النهاية، تظل المعركة ضد هذه التنظيمات معركة وعي بالدرجة الأولى، وهنا يبرز الدور المحوري للمؤسسات الفكرية والدينية مثل مرصد الأزهر، في كشف زيف هذه الإيديولوجيات، وحماية المجتمعات الأفريقية من الانزلاق في دوامة العنف.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)