أطفال فلسطينيون يعترفون لـ"حفريات" بانتهاكات محاكم الاحتلال الإسرائيلي العسكرية

فلسطين

أطفال فلسطينيون يعترفون لـ"حفريات" بانتهاكات محاكم الاحتلال الإسرائيلي العسكرية

مشاهدة

02/02/2020

تغريد علي

منذ قيام "دولة إسرائيل"، تمارس سلطات الاحتلال أساليب متعددة بحقّ الأطفال الفلسطينيين المعتقلين لديها، لتضرب بعرض الحائط كافة القوانين والأعراف الدولية بمحاكمة الأطفال القاصرين بطرق عنصرية وتمييزية، وتعذيبهم وممارسة كافة الانتهاكات بحقّهم؛ كاستخدام الضرب والعزل والتحرش الجنسي بحقّهم، وزجّهم داخل المعتقلات التي تكتظ بها الحشرات، وتنعدم بها أدنى مقومات الحياة الإنسانية، دون توضيح أسباب اعتقالهم أو حضور محامٍ للدفاع عنهم أثناء إجراء التحقيقات معهم.

الطفل سليم عمرو: المحقق الإسرائيلي انهال عليَّ بالضرب المبرح بواسطة عصا خشبية، وهدّدني باحضار والدتي وإخوتي وقتلهم أمامي

ولا يحترم القضاء الإسرائيلي أكثر من 27 اتفاقية دولية، كفلت احترام حقوق الأطفال المعتقلين، وتستند سلطات الاحتلال في استصدار الأحكام ضدّ الأسرى الأطفال إلى الأمر العسكري رقم "132"، والذي حدّد فيه الطفل بمن هم دون السادسة عشرة من أعمارهم، في مخالفة صريحة لنصّ المادة رقم "1" من اتفاقية الطفل، التي عرفت الطفل بأنّه (كلّ إنسان لم يتجاوز الثامنة عشر(، لتتنوع الأحكام المفروضة على الأطفال الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، أقصاها الحكم على الأطفال بالسجن المؤبد، وأدناها الحكم بالسجن لمدة 6 أشهر مع فرض غرامات مالية باهظة عليهم.

ووفق بيانات هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية؛ يعاني داخل السجون الإسرائيلية أكثر من 200 طفل فلسطيني، وتمارس بحقّهم مختلف أنواع الإهانات والتعذيب الجسدي والنفسي، والإسقاط الأمني والأخلاقي.

وكانت لجنة وزارية إسرائيلية قد وافقت، في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، على إصدار قانون بمحاكمة الأطفال دون سنّ 14 عاماً بالسجن؛ إذا ما "ارتكبوا جرائم على خلفية قومية"، في إشارة لحالات مقاومة الاحتلال، وبموجبه يقدم الأطفال من سنّ الـ 12 عاماً للمحاكمة، ويحتجزون في مراكز تأهيل حتى سنّ 14 عاماً، وبعدها يتمّ نقلهم إلى السجون.

اقرأ أيضاً: ما هي خيارات الفلسطينيين لمواجهة صفقة القرن؟

ووفق صحيفة "هآرتس" العبرية، خلال عام 2018؛ فإنّ "60% من الفتيان الفلسطينيين الذين يعتقلهم الجيش الإسرائيلي بالمناطق الفلسطينية يتعرضون للعنف، و10% فقط سمحت لهم إسرائيل بالتشاور مع محاميهم".

وبحسب المنظمة الحقوقية "حرس المحكمة العسكرية"، خلال عام 2017؛ تمّ جمع شهادات بينت أنّ 450 قاصراً اعتقلوا بين عامَي 2013 و2016، وتبيّن أنّ "96% منهم تمّ تكبيل أياديهم، ومعظمهم بأصفاد بلاستيكية مؤلمة جداً، و81% منهم تمت تغطية عيونهم، و60% تعرضوا للعنف الجسدي، و49% عانوا من العنف الكلامي".

اقرأ أيضاً: لماذا صار زمن إشهار الثورة الفلسطينية أقسى الشهور؟

وقدم مجلس العموم البريطاني، في 13 تموز (يوليو) 2015، دراسة تنتقد سوء معاملة الأطفال الفلسطينيين في المعتقلات العسكرية الإسرائيلية، وتطالب الحكومة البريطانية بالطلب من الحكومة الإسرائيلية اتخاذ إجراءات فورية من أجل التعامل مع الأطفال المعتقلين وفق القانون الدولي.

آثار نفسية صعبة
وما تزال تجربة اعتقال الطفل حسين عليان (15 عاماً) من قرية دير الغصون بمحافظة طولكرم، تقضّ مضاجعه، بعد أن تركت عليه آثاراً نفسية صعبة في أعقاب اعتقاله لمدة 8 أشهر داخل معتقل "كفار يونة" الإسرائيلي، بحجة رشق قوات الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه بالحجارة.

عبد الناصر فروانة: توفير الحماية للأسرى الفلسطينيين، خاصة الأطفال منهم، وفضح ممارسات الاحتلال التعسفية والعنصرية بحقهم

يتحدث عليان لـ "حفريات" عن بداية اعتقاله: "في تمام الساعة الرابعة فجراً، سمعت طرقات قوية على باب المنزل، استيقظت مفزوعاً من شدة الطرق، بعد أن قام والدي بفتح الباب؛ حيث شاهدت أكثر من 30 جندياً إسرائيلياً بداخل المنزل، فقام أحد الجنود بإبلاغ والدي بأنّهم سيقومون باصطحابي معهم، وفي حينها طلبوا مني الجلوس أرضاً، وكبّلوا يديَّ بأصفاد بلاستيكية شديدة الألم، ووضعوا قطعة قماش سوداء اللون على عينَي، ووضعوني داخل المركبة العسكرية، دون السماح لي بارتداء أيّة ملابس ثقيلة أو حذاء في قدمي".
وبيّن: "أثناء مكوثي بالمركبة انهال علي جميع الجنود الذي بداخلها بالضرب بأرجلهم وأيديهم، على جميع أنحاء جسدي، وشتموني بألفاظ نابية كان يتحدثون بها أحياناً باللغة العربية وتارة بلغات لم تكن واضحة لي، وتمّ اصطحابي إلى مستوطنة "عناب" الإسرائيلية، وبقيت داخل غرفة مظلمة وخالية من أيّة نوافذ لمدة ثماني ساعات متواصلة مكبّل اليدين والرجلين".

التوقيع على اعترافات مزيفة
ولفت عليان إلى أنّه "في ساعات المساء المتأخرة تم نقلي إلى سجن كفار يونة، وعند الوصول أخِذت بصمات يدي ووضعوني في غرفة منخفضة الإضاءة، لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار، وبعد عدة دقائق دخل أحد المحققين إلى الغرفة، وقام بصفعي على وجهي واتهامي برشق مجموعة من الجنود والمستوطنين بالبلدة بالحجارة، وهدّدني بأنّي إذا لم أعترف بالتهم المنسوبة إلى فسيحولني إلى المحكمة العسكرية".

اقرأ أيضاً: 30 ألف وثيقة تغطي تاريخ فلسطين والقدس خلال 400 عام

وتابع: "وبعد ثلاثة أيام من التحقيق المتواصل؛ أُجبرت على التوقيع على ورقة كتبت باللغة العبرية، ودون وجود محامٍ للدفاع عني؛ حيث تبين لاحقاً أنّ الورقة تحمل اعترافات مزيفة جرى اتهامي بها قسراً، ليتم تحويلي إلى محكمة سالم العسكرية، وإصدار حكم نهائي، بتاريخ 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، بالسجن لمدة ثمانية أشهر، ودفع غرامة مالية قدرها 4 آلاف شيكل إسرائيلي، والتوقيع على تعهّد بعدم إلقاء الحجارة على القوات الإسرائيلية".
التقييد بأصفاد حديدية
ولم يكن حال الطفل سليم عمرو أفضل من غيره، حين قامت قوات الاحتلال باستدعائه للحضور إلى مركز تحقيق المسكوبية، في 15 كانون الثاني (يناير) 2017، بحجة إلقاء الحجارة على مجموعة من المستوطنين كانوا يسيرون بالقرب من المسجد الأقصى المبارك، بعد ملاحقته من قبل قوة عسكرية إسرائيلية كانت قريبة من المكان أثناء عودته من أحد ملاعب كرة القدم القريبة لمنزله، لمجرد الاشتباه به بإلقاء الحجارة.

ويضيف عمرو (16 عاماً) من بلدة العيزرية: "ذهبت برفقة والدي لمركز التحقيق؛ حيث أمر الجنود والدي بالعودة إلى المنزل واصطحبوني إلى داخل غرفة صغيرة شديدة البرودة، بعد أن تمّ تقييدي بأصفاد حديدية بحواف الكرسي المعدني الذي أجلس عليه، من رجليَّ ويديَّ"، مبيناً أنّه "بعد ما يقارب الساعتين حضر محقق وقام بخلع قميصي الذي ارتديه، وأبلغني بأنني سأبقى في المعتقل طوال حياتي، إن لم أعترف بإلقائي الحجارة على المستوطنين".
تهديد عائلته بالقتل
ولفت إلى أنّ "المحقق الإسرائيلي انهال عليَّ بالضرب المبرح بواسطة عصا خشبية، وهدّدني باصطحاب والدتي وإخوتي إلى مكان التحقيق وقتلهم أمامي، وبسحب تصريح العمل الخاص بوالدي، الذي يعمل داخل دولة الاحتلال، إذا لم أعترف بإلقاء الحجارة، وبعد ساعات طويلة من الضغط النفسي الذي تمّت ممارسته عليَّ، أجبِرت على التوقيع على اعترافات جرى تجهيزها من قبل المحقق الإسرائيلي لإدانتي وتقديمي للمحاكمة العسكرية".

اقرأ أيضاً: إيران وفلسطين: كيف تاجر الإسلام السياسي بالقضية؟

وتابع عمرو: "في صباح اليوم التالي تمّ تحويلي إلى محكمة المسكوبية، وكانت المرة الأولى التي أرى بها محامي الدفاع لمدة 5 دقائق فقط، إلا أنّ المحكمة قامت بإصدار حكم بالسجن الفعلي لمدة 11 شهراً، وتمّ تحويلي بعدها إلى المعتقل لقضاء فترة العقوبة".
"في المعتقل كانت الحياة مختلفة وجديدة على شخص يعتقل للمرة الأولى"، وفق عمرو؛ "فقد حُرمت عائلتي من زيارتي داخل المعتقل لمدة ثلاثة شهور متتالية، ووضِعت داخل غرفة أكاد أكون أصغر المتواجدين فيها، فيها أسرى فلسطينيون ويهود من أصحاب السوابق والجرائم الجنائية، حتى تمّ الإفراج عني بعد قضاء فترة السجن، بتاريخ 15 تشرين الثاني (نوفمبر)".
اعتقالات كبيرة
بدوره، يقول رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، عبد الناصر فروانة، لـ "حفريات": "سلطات الاحتلال عمدت إلى إصدار عدة قوانين عنصرية تستهدف تدمير مستقبل الطفولة الفلسطينية، من خلال تسهيل إجراءات اعتقالهم وتشديد العقوبات بحقهم، في مخالفة واضحة للقوانين والأعراف الدولية، دون مراعاة حداثة أعمارهم"، مشيراً إلى أنّ "غالبية الأطفال تمّ اعتقالهم من بيوتهم في أوقات متأخرة من الليل والاعتداء عليهم وعلى أسرهم، واصطحابهم برفقة الجنود، دون أن يعلم ذوو الأطفال بالمكان الذي سيُقتَادون إليه".

وبيّن أنّ "سلطات الاحتلال اعتقلت منذ عام 1967 أكثر من 50 ألف طفل فلسطيني، إضافة إلى اعتقال 16 ألفاً و655 طفلاً قاصراً، منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، عام 2000، التي تصاعدت فيها الاعتقالات بحقّ الفلسطينيين بشكل كبير؛ حيث يتعرض الأطفال خلال فترة الاعتقال للتعذيب النفسي والجسدي والابتزاز والمساومة والتفتيش العاري والتحرش الجسدي والتنكيل بهم".

اقرأ أيضاً: تعرّف إلى قرية فلسطينية في النقب هدمتها إسرائيل 163 مرة

ولفت فروانة إلى أنّ "سلطات الاحتلال تستخدم الأطفال في كثير من الأحيان كدروع بشرية، وتقوم بانتزاع اعترافاتهم تحت وطأة التعذيب"، مبيناً أنّ "الأطفال يعتقَلون في ظروف غير إنسانية، بعد حرمانهم من الرعاية الصحية ومن وسائل اللعب والترفيه، في غرف احتجاز تنتشر بها الحشرات وتنعدم فيها مصادر التهوية والإضاءة الملائمتين، ويتدنّى مستوى النظافة والطعام المقدم لهم".

وطالب فروانة بضرورة توفير الحماية للأسرى الفلسطينيين، خاصة الأطفال منهم، وأن يتمّ فضح ممارسات الاحتلال التعسفية والعنصرية بحقهم.

الصفحة الرئيسية