تعرّف إلى قرية فلسطينية في النقب هدمتها إسرائيل 163 مرة

فلسطين

تعرّف إلى قرية فلسطينية في النقب هدمتها إسرائيل 163 مرة

مشاهدة

06/01/2020

تغريد علي

في محاولات مستمرة لتهويد قرية العراقيب الفلسطينية بالنقب المحتل، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي هدم عشرات المنازل ومصادرة مئات الدونمات الزراعية، لتهجير سكان القرية وتجميعهم في ثمانية تجمعات أقامتها دولة الاحتلال لهذا الغرض، بناء على قرار اتخذته المحاكم الإسرائيلية عام 1948 بأنه "لا ملكية للبدو في أرضهم"، لاستكمال المخططات الصهيونية الاستيطانية بالنقب، وضم أراضي القرية وربطها بالمستوطنات الواقعة خارج حدودها، وسلخ فلسطينيي النقب عن قضيتهم  وتهجيرهم من أراضيهم.

هدم عشرات المنازل ومصادرة مئات الدونمات الزراعية

والعراقيب قرية فلسطينية تقع في بادية صحراء النقب، واحتلتها إسرائيل إثر النكبة  الفلسطينية عام 1948، وتمتد أراضي القرية على مساحة 1050 دونماً، وتبعد عن مدينة القدس نحو 110 كلم إلى الجنوب منها، ويعتمد سكانها في معيشتهم على تربية المواشي كمصدر رئيسي للدخل، ويتخذون من الخيام والألواح المعدنية ملاذاً لهم، وتتعرض القرية باستمرار للهدم على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي، للسيطرة عليها وتهويدها.

يهدف اتهام السلطات الإسرائيلية للسكان ببناء منازلهم دون الحصول على تراخيص مسبقة للبناء إلى إزالة سكان العراقيب قسراً

وتعرضت القرية لأول مرة للهدم الكامل بالجرافات الإسرائيلية، وشُرد أهلها في 27 تموز (يوليو) 2010 بحجة "البناء دون ترخيص"، وحين أعاد سكانها بناءها هدمها الاحتلال مرة أخرى، وتطالب سلطات الاحتلال سكان القرية بدفع غرامات مالية باهظة أجرة الآليات التي هدمت القرية والقوات التي شاركت في عمليات الهدم، وفي 25 تشرين الأول (أكتوبر) أعاد الاحتلال هدم القرية للمرة 163 على التوالي، إلا أنّ سكانها يعيدون بناء ما تم هدمه من جديد في كل مرة.

وخلال العام 2004 طالب مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة إسرائيل بوقف هدم المنازل الفلسطينية وفقاً للقرار رقم (1544)، بالإضافة لما جاء في المواد (147)،(53)،(33) من اتفاقية جنيف الرابعة، والمادة (50) من اتفاقية لاهاي، والتي تحظر جميعها على دولة الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات بدون وجود دواعي حربية، لكن إسرائيل كقوة قائمة بالاحتلال تضرب بعرض الحائط قرارات الشرعية الدولية، وهي أيضاً تخالف قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنسان.

اقرأ أيضاً: "أهلاً بكم في دولة هاني عامر": هكذا يهزأ الفلسطينيون من إسرائيل

ويعيش في صحراء النقب نحو 240 ألف عربي فلسطيني، يقيم نصفهم في قرى وتجمعات سكنية بعضها مقام منذ مئات السنين، ولا تعترف سلطات الاحتلال الإسرائيلي بملكيتهم لأراضي تلك القرى والتجمعات، وترفض تزويدها بالخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء، ويعتمد سكانها على الألواح الشمسية والمولدات الكهربائية لتوليد الكهرباء، والحصول على المياه بنقلها بواسطة الصهاريج بأثمان مرتفعة.

اقرأ أيضاً: الفلسطينيون والعام 2020.. تفاؤلات خجولة وتمسك بالأمل

ويشكل النقب نحو 40% من مساحة فلسطين التاريخية، وتبلغ مساحته 12 ألفاً و577 كلم٢، ويقطنه قرابة مئتي ألف عربي، تسعى إسرائيل لتركيزهم في ثماني بلدات تحولت إلى مراكز للبطالة والفقر، وهي أشبه بمخيمات اللاجئين.

محاولات تهويد القرية سياسة قديمة جديدة تهدف إلي إحداث أوسع عملية تطهير عرقي جماعي

نكبة فلسطينية جديدة

ويرى الكاتب والمحلل السياسي تيسير الريماوى أنّ قرية العراقيب تتعرض لنكبة فلسطينية جديدة، "لمحو الوجود العربي بالقرية، وتشريد سكانها ومصادرة أراضيهم لإجبارهم على الرحيل منها، وتقويض مقومات الحياة فيها باعتبارها قرية غير قانونية، لبناء ما يزيد عن 26 بؤرة استيطانية جديدة على مشارف القرية"، مستدركاً أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى "تهويد منطقة النقب الفلسطيني المحتل، وذلك منذ احتلال إسرائيل الضفة الغربية عام 1967م، لتحقيق أطماعه الاستعمارية".

الموقع الجغرافي المميز الذي تتمتع به العراقيب يُمكّن الاحتلال الصهيوني من ربط البؤر الاستيطانية في منطقة النقب المحتل طبوغرافياً

ويضيف الريماوي، في حديثه لـ "حفريات"، أنّ "محاولات تهويد القرية سياسة قديمة جديدة تهدف إلي إحداث أوسع عملية تطهير عرقي جماعي بحق سكان قرية العراقيب، وذلك بعد إقرار الاحتلال الإسرائيلي قانوناً خلال العام 2013م ينص بموجبه وزير التخطيط الإسرائيلي أيهود برافر على تهجير وطرد عشرات السكان من قرى صحراء النقب والاستيلاء على أكثر من 850 دونماً، وتدمير ما يزيد عن 40 قرية وتجميع سكانها في ما يسمى (بلديات التركيز)، ليعيش سكانها في مناطق محصورة أشبه ما تكون بكانتونات تعزل سكانها عن العالم الخارجي".

ولفت إلى أنّ "العراقيب موجودة قبل قيام دولة إسرائيل في مطلع القرن 19 الميلادي، حيث تتكاثف حملات هدم المنازل والتهجير القسري التي يتعرض لها السكان لإحداث تغييرات ديمغرافية جديدة على المنطقة بحجج إسرائيلية أمنية وعسكرية، وذلك لوقوع القرية العربية في منطقة مفاعل ديمونا النووي، إلا أنّ سكان القرية يضربون أروع الأمثلة في الثبات ومواجهة الاحتلال، ويرفضون ترك منازلهم ويتشبثون بأراضيهم، ويعيدون في كل مرة يقوم بها الاحتلال بهدم منازلهم بإعادة تشييدها من جديد".

اقرأ أيضاً: المستشفى الأمريكي في غزة: للعلاج أم للتجسس على الفلسطينيين؟

وتابع الريماوي أنّ "الإجراءات الإسرائيلية لطرد أهالي قرية العراقيب لم تقتصر على هدم المنازل، فقد شرعت ما تسمى  بدائرة أراضي إسرائيل برش محاصيل القمح والشعير والذرة بالمواد السامة، بالإضافة إلى تجريف عشرات الدونمات الزراعية، لمنع السكان من زراعة أراضيهم مجدداً ودفعهم على الرحيل منها".

إسرائيل تسعى من وراء هدم قرية العراقيب إلي تقليص الوجود العربي بالمدينة

تقليص الوجود العربي

من جانبه، يقول الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي خليل العويوي لـ "حفريات" أنّ "إسرائيل تسعى من وراء هدم قرية العراقيب إلي تقليص الوجود العربي بالمدينة، وذلك للموقع الجغرافي المميز الذي تتمتع به القرية والذي يُمكن الاحتلال الصهيوني من ربط البؤر الاستيطانية في منطقة النقب المحتل طبوغرافياً ببعضها البعض، لمنع التمدد السكاني العربي وتقسيم القرى العربية الي كانتونات منفصلة، والقضاء على أي مشاريع تنموية واستثمارية فلسطينية في هذه المناطق، وزيادة النمو الديمغرافي للمستوطنين على حساب الهوية العربية الفلسطينية".

اقرأ أيضاً: أسرى فلسطينيون يواجهون القمع الإسرائيلي في السجون.. بهذه الطريقة

ولفت إلى "أنّه منذ إصدار الكنيست الإسرائيلي في العام 2017م قانون ما يسمى "بتسوية الأراضي"، والذي سمح لإسرائيل ومستوطنيها بالاستيلاء على أراضي السكان الفلسطينيين بالقوة، تسارعت الهجمات الإسرائيلية بحق القرى والمناطق الفلسطينية في الضفة الغربية والنقب المحتل لتهجير سكانها عنوة، ومن بين هذه المناطق كانت قرية العراقيب التي تتعرض لمصادرة أراضيها وهدم منازل ساكنيها بشكل مستمر، حيث كانت تجابه تلك الممارسات بالتصدي لها من قبل سكان القرية ولجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الأراضي عام 1948م، والتي تكفلت بإعادة بناء القرية بعد كل عملية هدم إسرائيلية بحقها".
يعيش سكان قرية العراقيب ظروفاً حياتية وخدماتية صعبة

تهويد النقب المحتل

ويضيف العويوي "أن مشروعE1" الاستيطاني الذي تسعى إسرائيل للقيام به هو جزء من صفقة القرن التي أعلنت عنها الإدارة الأمريكية، والذي يهدف إلى تجميع سكان القرى البدوية التي تعيش في النقب المحتل في منطقة أريحا بالضفة الغربية المحتلة؛ حيث تظهر الوقائع التي تجري على الأرض من إصدار أوامر هدم لمنازل القرية، ومصادرة مئات الدونمات الزراعية، بأنّ إسرائيل ماضية في تهجير السكان عنوةً من القرية وجعلها ذات أغلبية يهودية".

اقرأ أيضاً: لماذا يُجبَر الفلسطينيون على اعتماد مناهج تعتبر إسرائيل دولة الشعب اليهودي؟

ويعيش سكان قرية العراقيب ظروفاً حياتية وخدماتية صعبة في ظل انعدام مقومات الحياة الرئيسية كالكهرباء والماء والصحة والتعليم، "بعد رفض السلطات الإسرائيلية تزويد سكان القرية بالخدمات الأساسية اللازمة، لدفعهم إلى الهجرة منها، وهو ما دفع بسكان القرية للحصول على احتياجاتهم من المياه والغذاء والخدمات الأخرى عبر الذهاب إلى مدينة رهط والتي تبعد عن القرية أكثر من 5 كيلومترات".

وبين العويوي أنّ "اتهام السلطات الإسرائيلية للسكان ببناء منازلهم دون الحصول على تراخيص مسبقة للبناء هو بمثابة تشريع إسرائيلي يهدف إلى إزالة سكان العراقيب قسراً، في ظل تشييد القرية قبل أكثر من ثمانية عقود؛ أي قبل قيام دولة إسرائيل"، مبيناً أنّ الأهداف الواضحة للإجراءات الصهيونية العنصرية هو "تهويد النقب المحتل، وتعزيز التواجد الصهيوني، من خلال إعطاء الضوء الأخضر لهدم كافة التجمعات البدوية بالنقب".

الصفحة الرئيسية