أردوغان يزور الدوحة بأجندة أمنية ومالية... ما ملامحها وما اللافت فيها؟

أردوغان يزور الدوحة بأجندة أمنية ومالية... ما ملامحها وما اللافت فيها؟

مشاهدة

04/07/2020

ذكرت وكالة أنباء "الأناضول" التركية الرسمية أنّ "اللقاء الثنائي المغلق أول من أمس" بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني "استغرق قرابة 3 ساعات"، مشيرة إلى أنّ هذه الزيارة إلى الدوحة هي أول رحلة خارجية لأردوغان منذ انتشار وباء كورونا. 

زيارة أردوغان ذات الطابع المالي والأمني معاً-وهو ما تجلى في طبيعة الود المصاحب له- تأتي في وقت يشهد فيه الملف الليبي اهتماماً دولياً وإقليمياً، ودعوات لوقف العدوان التركي في ليبيا. ويبدو أنّ المشروع التركي في شرق المتوسط استدعى تحركاً عاجلاً من أردوغان لتأمين الدعم المالي من الدوحة. ويحاول أردوغان ابتزاز قطر مالياً وسياسياً من خلال تسويق فكرة أنّ مشروعه في ليبيا يواجه تحديات وعقبات متزايدة، في ظل الدعوات الإقليمية والدولية لوقف القتال هناك والبدء بمسار سياسي بين الفرقاء الليبيين، برعاية أممية.

زيارة أردوغان الدوحة تأتي في وقت يشهد فيه الملف الليبي اهتماماً دولياً وإقليمياً ودعوات لوقف العدوان التركي في ليبيا

وكان لافتاً للنظر أنّ الرئيس التركي جلب معه حماية أمنية خاصة به لتأمين شوارع قطر أثناء مرور موكبه للقاء أمير قطر، في إشارة على ما يبدو، بأنّ أردوغان لا يشعر بما يكفي من الثقة والأمان بالإجراءات البروتوكولية القطرية.

 وقد ضم الوفد التركي المصاحب لأردوغان وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق، ووزير الدفاع خلوصي آكار، ومدير الاتصالات فهريتين ألتون، والناطق باسم الرئاسة إبراهيم كالين، ورئيس جهاز المخابرات الوطنية هاكان فيدان.

اقرأ أيضاً: زيارة أردوغان للدوحة: المأزق الليبي وانهيار الليرة التركية والمخفي أعظم

تصريحات مثيرة
وتزامنت زيارة أردوغان مع تصريحات مثيرة لرئيس الوزراء القطري الأسبق، حمد بن جاسم آل ثاني، قال فيها "السياسة الجديدة التي يبدو أنّ الولايات المتحدة تتجه بموجبها إلى الانسحاب من بعض مناطق العالم، أو تقليص وجودها العسكري فيها، ربما تكلف القوة الأعظم في العالم كثيراً"، وهي تصريحات رأى فيها البعض إغراء لأنقرة بالاستعداد لسيناريو ملء أي فراغ عسكري محتمل في حال أقدم الأمريكيون على الانسحاب من قاعدة العديد.

وكان طلب أنقرة من قطر مزيداً من الدعم المالي لتدخلاتها العسكرية في البلدان العربية من ضمن أهداف زيارة أردوغان؛ كما وقّع البلدان على عدد من الصفقات ومذكرات التفاهم، والتي تضمنت اتفاقية بشأن ترتيبات التبادل الثنائي للعملات (الريال القطري والليرة التركية) بين البنك المركزي القطري والبنك المركزي التركي. ولعل هذا يعكس تبادل الأدوار في الإقليم بين تركيا وقطر؛ حيث باتت الدوحة الممول الرئيسي للتدخلات التركية في المنطقة العربية؛ إذ تستنزف تحركات أردوغان في سوريا والعراق وليبيا واليمن خزينة الدولة التركية، في وقت تعاني فيه البلاد تراجعاً حاداً في سعر الليرة التركية، بالتزامن مع التداعيات الحادة لأزمة وباء كورونا على الاقتصاد التركي، وموسم السياحة. 

ويراهن أردوغان على العمليات العسكرية العدوانية التي يخوضها في البلدان العربية لصرف أنظار الداخل التركي عن أزماته الداخلية المتصاعدة، وربما في هذا السياق جاء افتعال الرئيس التركي لأزمة بخصوص كنيسة آيا صوفيا ورغبته في تحويلها إلى مسجد، مستهدفاً اللعب على المشاعر الإسلامية لتحشيد أنصاره حوله؛ بعدما خرج أبرز القيادات من حزبه، وانضموا إلى المعارضة وأسسوا أحزاباً جديدة، متهمين إدارة أردوغان بـ "الفساد والاستبداد".

وفي مؤشر على القلق الذي تثيره قضية آيا صوفيا في الخارج، حثت الولايات المتحدة أول من أمس تركيا إلى عدم المساس بوضع آيا صوفيا. وكتب وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو "نحث السلطات التركية إلى أن تواصل الحفاظ على آيا صوفيا كمتحف". وأضاف بومبيو "تعتبر الولايات المتحدة أي تغيير في الوضع (...) بمثابة تهميش لإرث هذا المعلم الرائع". ويثير مصير آيا صوفيا قلق اليونان المجاورة، خصوصاً، التي تراقب عن كثب الإرث البيزنطي في تركيا، بحسب ما أورد موقع "دويتشه فيلله" الألماني.

اقرأ أيضاً: اتفاقيات تجمع تونس بقطر وتركيا برعاية النهضة الإخوانية.. ما أهدافها؟

البلد البديل لجماعة "الإخوان"

من جهته، يرى الكاتب عبد الرحمن الراشد أنه لم يعد الاقتتال الدائر في ليبيا حول إقامة حكومة ليبية من صنف معين، بل يبدو الهدف هو جعل ليبيا البلد البديل... لجماعة "الإخوان" المصرية، تكون حاضناً ومقراً لها، و"الوفاق" مجرد حكومة ديكور لها. ويتابع الراشد: يبدو من الاتفاقيات الموقعة، والوجود العسكري التركي وميليشياته أنّه سيجعل ليبيا تحت إدارة تركيا، وموطناً للمعارضة المصرية. لهذا تدخلت أنقرة بشكل مباشر ليس لرفع الحصار عن العاصمة طرابلس بل ذهبت إلى سرت ومناطق النفط والحدود المصرية، وتبدلت لغتها من دعم حكومة فايز السراج كحليفة إلى الحديث بالنيابة عنها. وينبه الراشد:(يجب ألا نستبعد مشروع تحويل ليبيا ملحقاً لتركيا ووطناً بديلاً لـ "الإخوان"، المعارضة المصرية المقيمة حالياً في إسطنبول، حيث نعرف أنّ المعارضة فشلت في اختراق مصر، وفشلت في تحريك الشارع ضد الدولة، وفشلت حليفتها من الجماعات الإسلامية الإرهابية في خلق الفوضى وإضعاف النظام المصري).

يراهن أردوغان على العمليات العسكرية العدوانية التي يخوضها في البلدان العربية لصرف أنظار الداخل التركي عن أزماته الداخلية المتصاعدة


ولدى إجابته عن تساؤل لماذا تريد تركيا جعل ليبيا مشروع دولة جماعة "الإخوان" يلفت الراشد إلى أنّ ذلك يأتي لتعويض خسائرهم في مصر والسودان. والحقيقة، برأيه، أنّ ليبيا، بخلاف مصر، لم تكن أرضاً لـ"الإخوان"، إلا من جماعة صغيرة نشطت بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي، وقادها ليبيون من العائدين من تنظيم "القاعدة"، إضافة إلى دعم من "الجماعة الليبية المقاتلة" و"أنصار الشريعة" الإرهابيتين. فمعظم القوى السياسية المتصارعة في ليبيا ذات امتدادات قبلية ومناطقية، وليست دينية. كما أنّ معظم القوى المدنية تبخرت منذ اتفاق الصخيرات في عام 2015 الذي عزز التشرذم القائم، ولم تشفَ منه ليبيا إلى اليوم. ويوضح الراشد: "الأتراك يرون في ليبيا النفط والجغرافيا. فهي بلد، عند إحكام السيطرة عليه، قادر على دعم نشاطات تركيا التي تعتمد في أزماتها الحالية على الدوحة، وأرض مجاورة لمصر والسودان، اللذين كان للجماعة فيهما امتدادات عميقة".

ومنذ اندلاع أزمة قطر مع جيرانها الخليجيين في العام 2017 تبدو حكومة حزب العدالة والتنمية، ذي الجذور الإخوانية، أكبر الرابحين من هذه الأزمة، التي استغلها أردوغان لابتزاز الدوحة مالياً وسياسياً، والاستثمار في زيادة الشقة بين الدوحة وباقي العواصم الخليجية. 

يذكر، أيضاً، أنّه عندما تدهورت علاقات تركيا مع روسيا، التي كانت المورد الرئيسي للغاز الطبيعي لتركيا، بعد إسقاط الطائرة الروسية على حدود سوريا في 2015، وافقت قطر على تزويد تركيا بالغاز الطبيعي المسال، كما أورد موقع "دويتشه فيلله" الألماني، وبعد تراجعات حادة تعرضت لها الليرة التركية، إثر أزمة دبلوماسية مع الولايات المتحدة، وعد أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، بالقيام باستثمارات مباشرة في تركيا بقيمة 15 مليار دولار، دعماً لحكومة أردوغان، التي باتت عبئاً على الدوحة.. وهي التي تدرك أنّ سقوط أردوغان يعني نهاية المشروع الإخواني في المنطقة العربية.

الصفحة الرئيسية