5 أسباب أوصلت حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا

تركيا

5 أسباب أوصلت حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا

مشاهدة

19/03/2020

عادةً ما تُوجَز قصة تأسيس وصعود حزب العدالة والتنمية، الحزب الحاكم في تركيا منذ عام 2002، في الانشقاق عن حزب السعادة، وزعيمه أربكان، ومن ثم الفوز في الانتخابات التشريعية بعدها بعام، لكن كيف تمكّن الحزب بعد ولادته بنحو عام واحد فقط من الصعود إلى الحكم وتشكيل حكومة أغلبيّة؟
ولادة حزب جديد
تصاعد حضور الإسلام السياسي في تركيا منذ انفتاح المجال السياسي والسماح بتأسيس الأحزاب، مطلع الثمانينيات، وجاءت اللحظة الفارقة مع الانتخابات البلدية لعام 1994؛ حين تمكّن حزب الرفاه من الفوز في أكثر من أربعمئة بلدية، ثم جاءت الانتخابات التشريعية، عام 1995، وفاز فيها حزب الرفاه بـِ 158 مقعداً، وشارك في تشكيل الحكومة، بل وترأسها، نجم الدين أربكان، مؤسس الحزب وزعيمه.

لم يقتصر حزب العدالة والتنمية على الأعضاء المنشقين من حزب الفضيلة؛ بل ضمّ أعضاء من أحزاب وانتماءات مختلفة

ومن جهته، كان مجلس الأمن القومي التركي ينظر لهذا الصعود على أنّه تهديد للعلمانية التي هي القيمة الأساس للجمهورية، ومن هنا توالت ضغوط المؤسسة العسكرية على أربكان مع التلويح بالقيام بانقلاب عسكري ضدّه، وفي حزيران (يونيو) عام 1997؛ قدّم أربكان استقالته، ومن ثم جاء قرار المحكمة الدستوريّة بإغلاق حزب الرفاه.
وكبديل عنه، أسّس أربكان حزب الفضيلة، في كانون الأول (ديسمبر) عام 1998، قبل أن يتمّ إغلاقه هو الآخر بالعلّة ذاتها، في حزيران (يونيو) 2001، وفي هذه اللحظة حدث الانقسام داخل التيار الإسلامي، بين التقليديين والمجددين، وذهب التقليديون، بزعامة أربكان، إلى تأسيس حزب جديد حمل اسم حزب السعادة، برئاسة رجائي قطان، في تموز (يوليو) عام 2001، بينما أسّس المجددون، بعد أسبوع، حزباً بزعامة رجب طيب أردوغان وعبد الله غول حمل اسم "العدالة والتنمية".

أسّس أربكان حزب الفضيلة عام 1998 كبديل عن حزب الرفاه

إعلان تبني العلمانية
أدّى تكرار تجربة الحظر للأحزاب الإسلامية إلى تبلور اتجاه داخل التيار الإسلامي لم يعد متمسكاً بما ينادي به أربكان من شعارات وتوجهات، وفي هذا السياق؛ برزت قيادة شابّة تتبنى وسائل وشعارات مختلفة، وفي مقدمتها أسماء، كرجب طيب أردوغان، وعبد الله غول، اللذين وجدا أنّ مصير حزب الفضيلة سيكون كمصير الرفاه، واتجها نحو قيادة حركة إصلاحيّة داخل الحزب، لكن سرعان ما بدا أنّ محاولات الإصلاح ستكون متعذرة مع ممانعة التيار الذي يقوده أربكان، وهنا جاء قرار أردوغان وغول بترك الحزب.

اقرأ أيضاً: هكذا يمارس حزب العدالة والتنمية القمع في البرلمان التركي
تمثّل التحوّل الإصلاحي مع لحظة تأسيس الحزب الجديد، العدالة والتنمية، وما رافقه من بيانات وتصريحات، فجاء تصريح أردوغان بأنّ الحزب "لن يكون حزباً إسلامياً"، كما قام الحزب بإعادة تعريف العلمانية، واعتبارها غير معادية للدين، وعرّفها أردوغان بأنّها "حريّة دينية"، وأكّد: "القرآن كتاب ديني، والديمقراطية شكل للحكومة، ومن الخطأ وضع الاثنين ضمن تقسيم واحد".

اقرأ أيضاً: أردوغان يفشل في وقف تفتت حزب العدالة والتنمية
بذلك أكّد الحزب على تبنّيه وإخلاصه لقيم الجمهورية التركية، وأهمها العلمانيّة، وكان الدافع وراء هذه التأويلات محاولة تفادي الصدام مع المؤسسة الأمنيّة والعسكريّة، وبذلك بدا الحزب الجديد باعتباره نموذجاً للتعامل البراغماتي، مع إعلائه المصالح على حساب اعتبارات المبادئ والأيديولوجيا.

عند تأسيسه.. صرّح أردوغان بأنّ "العدالة والتنمية" لن يكون حزباً إسلامياً

موافقة ودعم دوليّ
تأسيس حزب العدالة والتنمية، عام 2001، ومن ثمّ وصوله إلى الحكم، عقب حلّ حكومة بولند أجاويد وإجراء الانتخابات التشريعية المبكرة، عام 2002، ترافق مع وجود إشارات لموافقة دوليّة لإنجاح الحزب وتجربته وفتح المجال أمامه للوصول إلى الحكم، وبالتحديد من قبل الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الضغط على مجلس الأمن القومي والجيش التركي بعدم عرقلة التجربة.

اقرأ أيضاً: بهذه الطريقة يهدر حزب العدالة والتنمية أموال تركيا
وجاءت الموافقة والدعم للحزب الجديد مع إعلان المؤسسين التأييد والدفاع عن السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة لرأس المال العالمي، إضافة إلى التوجّه الأمريكي لاختبار تفاعل "الإسلام المعتدل" مع الغرب، خاصة بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001، وإعلان الولايات المتحدة الحرب على "الإسلام المتطرف".

اقرأ أيضاً: بهذه الطريقة يضلّل حزب العدالة والتنمية الشعب التركي
ومن جهته، اختار أردوغان والمؤسسون التوجّه نحو بناء علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب،  وكانوا يرون أنّ المصالحة والتقارب مع أمريكا والاتحاد الأوروبي أمر لا بُدّ منه. ويوثّق غراهام فولر، أحد أهم خبراء الشرق الأوسط في الخارجية الأمريكية والاستخبارات الأمريكية، في كتابه "الجمهورية التركيّة الجديدة"، الذي يعتمد فيه على تقارير استخباريّة، زيارة أردوغان غير المعلنة لواشنطن، بتاريخ الحادي والعشرين من  كانون الثاني (يناير) عام 2002، قبل أن يحمل أيّة صفة رسميّة، والتي أجرى فيها مباحثات وعقد لقاءات مع شخصيات أمريكية، ومن ذلك لقاء غراهام فولر، مسؤول الاستخبارات الأمريكية في حينه، وريتشارد بيرل، أحد أبرز رموز المحافظين الجدد، وبول وولفويتز نائب وزير الدفاع في تلك الفترة، وقام أردوغان فيها بطمئنة الأمريكيين عن رؤيته بخصوص القضايا المحليّة والإقليميّة والدوليّة، وتحديداً فيما يخصّ الموقف من الحرب الأمريكية المرتقبة على العراق.

 


وفي الإطار ذاته، جاءت زيارة مساعد وزير الدفاع الأمريكي، بول وولفويتز، إلى تركيا، في تشرين الثاني (نوفمبر)، فور الحزب في الانتخابات التشريعية وتشكيله الحكومة، ومن ثم في كانون الأول (ديسمبر) 2002، زار أردوغان الولايات المتحدة مجدداً، والتقى الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش، ونائبه ديك تشيني، ووزير الخارجية الأمريكي كولن باول، ووزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، ومستشارة الرئيس للأمن القومي كوندوليزا رايس، إضافة إلى لقاء شخصيات مؤثرة في اللوبي الصهيوني، وجرى فيها التأكيد على التعاون من جهة تركيا تحت حكم العدالة والتنمية مع الولايات المتحدة فيما يخصّ الملف العراقي، والقضية القبرصية، والعلاقات التركيّة مع "إسرائيل"، ومستقبل العلاقات التركية الأوروبية، ودعم الولايات المتحدة مساعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

 

طمأن أردوغان الأمريكيين عن مواقف حزبه من القضايا المحليّة والإقليميّة والدوليّة

أزمة اقتصادية حادّة
عانت تركيا، عام 2001، من أزمة اقتصاديّة حادّة، اتفقت الحكومة إثرها مع صندوق النقد الدولي على برنامج إصلاح اقتصادي، وقد أعلن الحزب التزامه بتطبيق البرنامج، وكان حزب العدالة والتنمية يعلن تبنّيه ودعمه لسياسات السوق الحرة، بهدف جذب الاستثمار الأجنبي، ودمج تركيا دمجاً أوثق في الاقتصاد العالمي، وتضمّن البيان التأسيسي للحزب إعلان اعتماد مبدأ الخصخصة.

اقرأ أيضاً: وسيلة تركيا الجديدة لنشر أفكار حزب العدالة والتنمية
توافق هذا التوجه مع المصالح الخارجية، وكذلك مع المصالح الداخلية؛ حيث كانت إحدى أهم نقاط قوة الحزب تأتي من دعم "الموصياد" له، وهي جمعية رجال الأعمال والصناعة المتدينين والمحافظين.

أردوغان في احتفال لجمعية الموصياد أيار 2019

فقدان الثقة بالأحزاب الموجودة
تشكّلت الحكومة التركيّة عام 1999 من ائتلاف ثلاثي غير متجانس، ضمّ أقصى اليمين وأقصى اليسار، ولم يقدم خلال ثلاثة أعوام برنامجاً واضحاً، ما أوجد حالة من العجز في الأداء الحكومي، وترافق ضعف الأداء الحكومي مع تفشي الفساد في الطبقة الحاكمة، ما أفقدها المصداقيّة، وبلغت الأمور ذروتها مع حلّ البرلمان بانتهاء الدورة البرلمانية، عام 2002، بصورة فوضوية.

اقرأ أيضاً: حزب العدالة والتنمية التركي يصفّي نفسه بنفسه
في هذه الأوضاع؛ أعلن أردوغان أنّ حزبه جاء ليملأ الفراغ السياسي في الحياة السياسية التركية، واستفاد الحزب الجديد من المزاج الشعبي العام السائد، الرافض لعموم الأحزاب الموجودة على الساحة، وكان الناخبون يتطلعون لوجوه جديدة تعلن محاربة الفساد وتنقذ الاقتصاد وتحقق الاستقرار السياسي.
تشكيلة متنوعة
لم يقتصر حزب العدالة والتنمية في عضويته على الأعضاء المنشقين من حزب الفضيلة؛ بل جمع وضمّ أعضاء من أحزاب وانتماءات مختلفة، فهناك أعضاء من حزب الفضيلة، مثل؛ عبد الله غول، وأردوغان، وبولنت ارينج، ومن حزب "الوطن الأم" المحافظ، مثل: جميل جيجك، وعبد القادر آق سو، ومن حزب "الطريق القويم" مثل حسين تشيليك، ومن الحزب الديمقراطي التركي، كوكسال توتبتان، وكلّ ذلك أدّى إلى توسيع القاعدة الانتخابية للحزب الجديد، وبرز دور غول المهم، الذي نجح في مخاطبة شريحة كبيرة من أعضاء حزب الرفاه السابق وناخبيه، وأيضاً في مخاطبة الرأي العام.

برز دور غول المهم في مخاطبة شريحة كبيرة من أعضاء حزب الرفاه السابق ناخبيه

مع إجراء الانتخابات التشريعية، في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2002، تمكّن الحزب من الفوز بـ 34% من أصوات الناخبين، وجاء في المرتبة الثانية بعده حزب الشعب الجمهوري، بنسبة 19%، وبسبب عدم اجتياز أيّ حزب سواهما عتبة العشرة في المئة المؤهلة لدخول البرلمان، فقد حصل حزب العدالة والتنمية على الأغلبية الساحقة في البرلمان، أي (360) نائباً من (550) نائباً مجموع أعضاء مجلس النواب.
وتمكّن الحزب بذلك من تشكيل حكومة أغلبية، لتكون أول حكومة غير ائتلافية في تركيا، منذ ما يقارب ١٥ عاماً، وعُيّن غول رئيساً للوزراء، ووافق الرئيس التركي، أحمد نجدت سيزر، على الحكومة الجديدة.

الصفحة الرئيسية