الشباب المهدور.. والوقوع في فخ التطرف والإرهاب

536
عدد القراءات

2018-01-08

الشباب هو عماد كلّ مجتمع، وطاقاته الفكرية والجسدية، وينبغي أن يكون عماد الدولة وطاقاتها المتجددة، سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وهو العنصر الأقوى في عملية الإنتاج والشؤون الإدارية، أما ما نشاهده اليوم على الساحة العربية، فهو ليس إلّا تدميراً لتلك الطاقات الحيوية، وتخزينها في خزانات بشرية لصالح الجماعات المتعصبة والأصولية، كقنابل موقوتة مستعدة للانفجار في كل لحظة، أو في اللحظة التي تريدها تلك الجماعات.
لم يعد الانتماء الديني، في وقتنا الراهن، مقتصراً على المؤمنين فحسب؛ بل ابتعد أكثر من ذلك، فقد أصبح انتماءً لمن يبحثون عن الهوية المفقودة، الذين لا يشعرون بانتمائهم لذواتهم ولوطنهم، وهي فئة ليست بقليلة، وأكثرها من فئة الشباب المترامي بين أيدي العصبيات والتطرف؛ الشباب المهمش عن قضايا الحياة عامةً؛ الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية والإدارية، والمهمش عن المشاركة في تقرير المصير في مجتمعاته وعند حكوماته، وأصحاب الكفاءات الذين لا يجدون مكاناً في سوق العمل، أو في دوائر الدولة الرسمية. فمن المسؤول عن هدر طاقات الشباب وتهميشهم؟ وماهي القضايا الحاكمة لواقع الشباب المهدور؟

لم يعد الانتماء الديني مقتصراً على المؤمنين فحسب؛ بل ابتعد أكثر من ذلك ليصبح انتماءً لمن يبحثون عن الهوية المفقودة

يحيل مصطفى حجازي هدر الشباب وطاقاته الإنتاجية إلى أنظمة الدول الاستبدادية، وعدم تعاطيها مع وعي الشباب، على أنّه وعي منتج للدولة والمجتمع، لا بل العمل على تعطيل هذا الوعي، وتجميده بعدد من الوسائل والأساليب الاستبدادية: "محاولات أنظمة الاستبداد والأصوليات والعصبيات الحجر على العقول، يرمي في الأساس إلى تعطيل وعي الشباب تحديداً، وصولاً إلى إلغائه" .
يبدأ الاستبداد من المؤسسات التعليمية؛ أي من رفع معدل مستوى التحصيل الدراسي إلى الدرجة القصوى للفروع المتقدمة في الجامعات، ما جعل تفكير الشباب متمحوراً حول هذه النقطة بالذات، ما انعكس سلباً على حالته النفسية، ودفعه إلى ترك الدراسة، من ثم البحث عن انتماءٍ جديدٍ، مروراً بالخدمة العسكرية الإجبارية؛ تلك التسمية (الإجبارية) كافية لأن يشعر الشباب بعدم الخيار وعدم الحرية، إضافة إلى استنزاف طاقته الحيوية في الزمن المهدور، كما هي الحال في سوريا، وفي غير مكان من الدول المشابهة، التي زاد زمن الاحتفاظ بالشباب في الخدمة العسكرية فيها عن سبعة أعوام، وقد أدّت الحال ببعضهم إلى الفرار؛ إمّا إلى خارج البلد، أو الالتحاق بالجماعات المسلحة والجهات الإسلامية المتشددة، وانتهاءً بالبطالة المتفشية في المجتمعات العربية. فتهميش الشباب من قِبل الدولة، في عدم توفير فرص العمل لهم، واستحواذ السلطة على الثروات الوطنية، التي هي حقّ من حقوق كلّ فرد من أفراد المجتمع، وعدم استغلال كفاءات الشباب في المواقع الإدارية والسياسية، وفي التخطيط الاقتصادي والموازنات المستقبلية، والقائمة تطول، جميعها عوامل رئيسة جعلت الأفق يزداد انحساراً أمام الشباب، ويزيد من اتساع الهوة بينهم وبين الحياة، فوصلت بهم الحال إلى ما وصلت إليه اليوم من تدهور وانحراف اجتماعيّ، كتعاطي المخدرات والاتجار بها، وهذا الفعل جاء نتيجة لتدهور أجور اليد العاملة في سوق العمل، وازدياد عدد الوافدين إليه.

يبدأ الاستبداد من المؤسسات التعليمية برفع معدل مستوى التحصيل الدراسي إلى الدرجة القصوى للفروع المتقدمة في الجامعات

من أشدّ أنواع الهدر الذي يتعرض له الشباب؛ هو هدر الطاقات والكفاءات في الولاء والتبعية للسلطة المستبدة، من خلال المنظمات الخاصة بالشباب (اتحاد الشباب، أو الاتحاد الرياضي، وغيرها من المنظمات) التابعة للسلطة، وهي كحبوب التخدير لتأجيل الأزمة التي تتفاقم كلّ لحظة، وكسب الوقت في إبعاد نظر الشباب، أو شغله عن حقوقه المشروعة في الدولة، فتتحول طاقاته وكفاءته إلى جدلية محتومة؛ جدلية العبد والسيد، وحسب رأي حجازي "يحيط المستبد ذاته بمجموعة من المتفانين في خدمة سلطانه، ويغدق عليهم الأعطيات، أو يتيح لهم فرص النهب المنظم الذي يكون له منه النصيب الأوفر، بينما لا يطيق وجود الأشخاص الذين يتخذون من كفاءتهم، وتوظيفها في إنجازات ذات شأن مرجعية لهم" .

التطرف والعنف لا يرجع إلى شخصية إرهابية إنما الشخصية الإرهابية تنتَج من الانغماس في التطبيقات الإرهابية

العصبيات والأصوليات الإرهابية؛ هي أكثر استبداداً من الأنظمة الديكتاتورية، التي أسستها واحتضنتها، ومدتها بالعتاد والشباب والأموال، لكنّها أكثر إغراءً بالمراكز التي تمنحها للشباب المهدور، (كالأمراء وقادة الجيوش، والحور العين) كي تستقطب الشريحة الأكبر منها، وأكثر سخاءً بالتمويل والعطاءات، ما يجعل الشباب الذي يبحث عن ذاته في بلاد الهدر، يجدها في غير مكان، لكنها أكثر هدراً وأكثر انعداماً، إنّما لا خيار أمام هذه الذات إلّا هذا السبيل.
قضية الشباب وظاهرة الانتماء إلى التطرف؛ هي قضية وجود وانتماء مفقودين في الحياة الطبيعية (اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً)، "فالتطرف والعنف لا يرجع إلى شخصية إرهابية، إنما الشخصية الإرهابية تنتَج من الانغماس في التطبيقات الإرهابية"، بحسب رأي بوبكر إلياس.
وهذه القضية تحيل إلى العدم الحتمي للشباب، من ثم إلى المجتمع والدولة معاً، فتأمين العمل للشباب، وتأهيله، وفتح سُبل الحياة أمامه، وتطوير مهاراته، وتوسيع آفاق الإنتاج بما يتناسب مع تطور المجتمع المدني الحديث ومنهجيته، والدولة الحديثة ومنهجيتها، هذا ما يحافظ على الثروة البشرية، ويصون كرامة الإنسان وإنسانيته، ويحافظ على بقاء الدولة شابةً، ويحافظ على المجتمع من الهدر والانحراف.

اقرأ المزيد...

الوسوم: