هل دخلت المواجهة مع إيران مرحلة جديدة؟

هل دخلت المواجهة مع إيران مرحلة جديدة؟

هل دخلت المواجهة مع إيران مرحلة جديدة؟


03/11/2026

محمد الصالحين الهوني

الحديث عن توجيه ضربة عسكرية لإيران لم يعد مجرد تكهنات تتداولها وسائل الإعلام أو تسريبات من دوائر القرار، بل انتقل إلى قلب النقاش العلني داخل المعسكر المحافظ الأميركي نفسه. فقد أثار تحذير الإعلامي تاكر كارلسون من احتمال توجيه ضربة أميركية للمنشآت النووية الإيرانية جدلاً يتجاوز صحة ادعائه، ليكشف عن انقسام متصاعد بين تيار يرفض جرّ الولايات المتحدة إلى حرب جديدة، وآخر يرى في القوة العسكرية وسيلة ضرورية لاحتواء طهران.

تكمن أهمية هذا الجدل في توقيته، وسط تصاعد التوتر الإقليمي وضغوط إسرائيلية لتشديد المواجهة مع إيران، مقابل حذر أميركي من كلفة حرب قد تمتد تداعياتها إلى الخليج وممرات الطاقة والتجارة الدولية. وبينما لا تتوافر أدلة مستقلة تؤكد رواية كارلسون بشأن ضربة نووية وشيكة، فإن مجرد تداول هذا الاحتمال على نطاق واسع يعكس انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة، يصبح فيها خيار الحرب جزءاً من النقاش السياسي اليومي في واشنطن.

لكن قراءة المشهد تقتضي التمييز بين ما قاله كارلسون وما تؤكده الوقائع. فالحديث عن استخدام سلاح نووي ضد إيران يختلف جذرياً عن احتمال تنفيذ ضربات تقليدية تستهدف منشآت عسكرية أو نووية. ولا يجوز التعامل مع الادعاء الأول بوصفه قراراً أميركياً وشيكاً، في غياب أدلة موثوقة أو تأكيدات رسمية. غير أن ذلك لا يلغي حقيقة أن احتمالات تجدد المواجهة العسكرية باتت حاضرة في الحسابات الأميركية، وأن واشنطن لم تعد تتعامل مع الملف الإيراني باعتباره أزمة دبلوماسية يمكن احتواؤها بالعقوبات وحدها.

واللافت أن هذا النقاش يجري داخل المعسكر الذي أوصل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض تحت شعار “أميركا أولاً”، والذي كان أحد أبرز وعوده تجنب الحروب الخارجية المكلفة. فهناك تيار محافظ يرى أن الانخراط في حرب جديدة بالشرق الأوسط يتناقض مع الأولويات الأميركية، ويستنزف الموارد التي يفترض توجيهها إلى الداخل ومنافسة الصين. وفي المقابل، يدفع تيار أكثر تشدداً باتجاه استخدام القوة لإضعاف إيران.

هل سيكون الهدف تدمير المنشآت النووية أم إضعاف القدرات الصاروخية أم تغيير سلوك النظام الإيراني أم الذهاب إلى أبعد من ذلك؟

هذا الانقسام ليس خلافاً إعلامياً، بل يعكس سؤالاً استراتيجياً داخل الإدارة الأميركية: هل يمكن فرض تراجع إيراني حاسم من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة؟ فالتجارب السابقة أظهرت أن الضربات العسكرية قد تدمر منشآت وتؤخر برامج، لكنها لا تضمن القضاء على المعرفة التقنية أو القدرات التي يمكن إعادة بنائها. كما أن استهداف البنية العسكرية الإيرانية لا يعني بالضرورة إنهاء قدرتها على الرد.

وتزداد حساسية الموقف مع دخول إسرائيل مرحلة سياسية مضطربة. فخسارة حكومة بنيامين نتنياهو أغلبيتها البرلمانية بعد الانتخابات تضع رئيس الوزراء أمام تحدي تشكيل حكومة جديدة، في وقت يمكن أن تتحول فيه المواجهة مع إيران إلى عامل لإعادة توحيد قوى سياسية متباعدة خلف عنوان الأمن القومي. وقد يشكل التصعيد الخارجي فرصة لنتنياهو لتوسيع قاعدة الدعم السياسي أو الدفع نحو حكومة طوارئ، لكن اختزال الموقف الإسرائيلي في هذا الاعتبار وحده سيكون تبسيطاً؛ فالمخاوف الأمنية الإسرائيلية حقيقية، وإن كانت تتداخل مع الحسابات السياسية الداخلية.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الأولويات الإسرائيلية إلى محدد رئيسي للقرار الأميركي. فواشنطن ليست معنية فقط بأمن إسرائيل، بل مطالبة أيضاً بحساب مصالحها الأوسع، بما فيها أمن قواتها في المنطقة، واستقرار أسواق الطاقة، وعلاقاتها مع دول الخليج، وقدرتها على تجنب حرب تستنزفها لسنوات. ومن هنا، فإن أي قرار أميركي بالتصعيد ينبغي أن يستند إلى تقدير مستقل للمصلحة الأميركية، لا إلى افتراض أن توسيع الحرب سيحقق تلقائياً الأهداف الإسرائيلية أو يضع نهاية نهائية للتهديد الإيراني.

أما دول المنطقة، فهي الطرف الأكثر تعرضاً لتداعيات أي مواجهة واسعة، حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً فيها. فالحرب لن تبقى محصورة في المنشآت الإيرانية أو القواعد العسكرية.

لهذا تفضل العواصم الخليجية تجنب الحرب، لا بدافع التساهل مع إيران، بل إدراكاً منها أن الانتصار العسكري المعلن لا يضمن استقراراً إقليمياً مستداماً. فإضعاف إيران عسكرياً قد لا ينهي قدرتها على إحداث الاضطراب، بل قد يدفعها إلى استخدام أوراقها المتبقية بصورة أكثر خطورة. كما أن أي تصعيد قد يضع دول الخليج أمام معادلة صعبة: حماية أمنها ومصالحها من جهة، وتجنب التحول إلى ساحات لتبادل الضربات من جهة أخرى.

أي مواجهة واسعة لن تبقى داخل الحدود الإيرانية بل ستضع أمن الخليج والطاقة والملاحة الدولية أمام اختبار بالغ الخطورة

ولا يبدو أن واشنطن تملك حتى الآن إجابة واضحة عن اليوم التالي لأي مواجهة. فهل سيكون الهدف تدمير المنشآت النووية، أم إضعاف القدرات الصاروخية، أم تغيير سلوك النظام الإيراني، أم الذهاب إلى أبعد من ذلك؟ إن تعدد الأهداف وتداخلها قد يجعل الحرب سهلة البدء، لكن من الصعب تحديد نقطة انتهائها. وقد تتحول الضربة التي يُفترض أن تكون محدودة إلى سلسلة من الردود المتبادلة، تفرض على الولايات المتحدة خيارات إضافية لم تكن ضمن حساباتها الأولى.

في المقابل، لا تزال الدبلوماسية تملك مساحة للتحرك، رغم ضيقها. فوجود أصوات داخل الإدارة الأميركية تدعو إلى تسوية تفاوضية يعكس إدراكاً بأن القوة العسكرية لا تستطيع وحدها إنتاج نظام إقليمي مستقر، وأن أي اتفاق لا بد أن يعالج المخاوف المتعلقة بالبرنامج النووي والصواريخ ودور إيران الإقليمي. لكن نجاح هذا المسار يتطلب ألا تتحول المفاوضات إلى مجرد استراحة بين جولتين من التصعيد، وألا تستخدم التهديدات العسكرية لإغلاق فرص التسوية بدلاً من دفعها إلى الأمام.

قد يكون تحذير كارلسون مبالغاً فيه، وقد لا يعكس معلومات دقيقة عن قرار اتخذته إدارة ترامب. لكن أهميته تكمن في أنه كشف عن اتساع مساحة الحديث عن الحرب داخل البيئة السياسية التي يفترض أنها أكثر تحفظاً تجاه التدخلات الخارجية. وعندما يصبح الخيار العسكري موضوعاً متداولاً ومقبولاً في النقاش العام، تتراجع تدريجياً الحواجز السياسية التي كانت تجعل اللجوء إليه قراراً استثنائياً.

الخطر، إذاً، لا يكمن فقط في احتمال أن تقرر واشنطن توجيه ضربة جديدة لإيران، بل في أن يتحول التهديد بالحرب إلى أداة سياسية مألوفة، وأن تتداخل الحسابات الانتخابية الأميركية مع طموحات الحكومة الإسرائيلية ومخاوف الأطراف الإقليمية. فالحرب قد تبدأ بقرار محدود، لكنها نادراً ما تظل محكومة بالحدود التي رسمها أصحاب القرار. والسؤال الذي ينبغي أن يشغل واشنطن ليس فقط ما إذا كانت قادرة على ضرب إيران، بل ما إذا كانت تملك تصوراً واقعياً لما سيحدث بعد الضربة، وكيف ستمنع تحولها إلى مواجهة إقليمية لا يستطيع أحد التحكم في نهايتها.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية