خزائن الإخوان.. حين يتحول المال من تمويل التنظيم إلى صناعة الولاء وإدارة النفوذ

خزائن الإخوان.. حين يتحول المال من تمويل التنظيم إلى صناعة الولاء وإدارة النفوذ

خزائن الإخوان.. حين يتحول المال من تمويل التنظيم إلى صناعة الولاء وإدارة النفوذ


08/10/2026

لم يكن المال في تجربة جماعة الإخوان مجرد مورد لتمويل الأنشطة التنظيمية، بل تطورت وظيفته مع اتساع شبكة الجماعة وانتشارها خارج الحدود ليصبح أحد أبرز أدوات بناء المؤسسات وترسيخ النفوذ والحفاظ على تماسك شبكات الولاء. 

ومع تراكم الأصول وتعدد الشركات والواجهات والأنشطة الاقتصادية، تشكلت بنية مالية معقدة ارتبطت بمسارات سياسية وإعلامية وتنظيمية امتدت عبر أكثر من دولة.

وأظهرت الصراعات التي عصفت بالجماعة خلال السنوات الأخيرة أن السيطرة على الموارد أصبحت جزءًا أساسيًا من التنافس بين أجنحتها، فالقدرة على توفير التمويل للمؤسسات والمنصات والكوادر تمنح الجهة التي تدير المال نفوذًا يتجاوز الجانب الاقتصادي، لتصل آثاره إلى صناعة القرار وتحديد اتجاهات العمل والحفاظ على شبكات العلاقات في فترات الانكماش والأزمات.

في هذا السياق، تبرز فكرة «المال مقابل الولاء» التي تناولها الباحث في شؤون الحركات الإسلامية طارق أبو السعد، والتي تقوم على تحول الموارد من وسيلة لدعم النشاط إلى أداة لإدارة شبكة واسعة من المصالح والارتباطات. 

وبحسب ما أوردته «صوت الأمة»، فإن هذه البنية المالية أسهمت في تكوين دوائر نفوذ تستند إلى الشركات والاستثمارات والمؤسسات والموارد التي تدور داخل شبكة التنظيم أو في محيطها.

 

من خزينة لتمويل النشاط إلى مركز لصناعة القوة

 

في المراحل الأولى من توسع الجماعة، كانت الموارد المالية حاجة مباشرة لتأسيس المقرات، وتنظيم الأنشطة، وتوفير وسائل الاتصال والتنقل، واستقطاب الأعضاء، ثم اتسعت الوظيفة مع توسع النشاط خارج الحدود.

وبحسب ما يورده أبو السعد، فإن السرية التي أحاطت بجزء من إدارة الموارد جعلت المعلومات المالية محصورة في دوائر محدودة، وهو ما يمنح من يملك مفاتيح المال قدرة إضافية على التأثير في القرار. 

زهذه الفكرة تفسر جانبًا من الصراعات التي ظهرت بين قيادات الجماعة في الخارج، فإذا كانت القيادة السياسية تحتاج إلى مؤسسة إعلامية، والمؤسسة الإعلامية تحتاج إلى تمويل، والكوادر تحتاج إلى رواتب ومساعدات، والمؤسسات تحتاج إلى مقرات وخدمات، فإن الشخص أو الجهة التي تتحكم في الموارد تمتلك بالضرورة قدرة أكبر على التأثير في شبكة واسعة من العلاقات.

وهكذا ينشأ ما وصفه أبو السعد بمعادلة «المال مقابل الولاء»، حيث لا يقتصر الدعم على الأموال النقدية، وإنما يمكن أن يأخذ شكل فرص عمل، أو مساعدات، أو خدمات، أو دعم لوجستي. 

ووفق هذا التفسير، يصبح المستفيد مرتبطًا بمصدر التمويل لا بالفكرة وحدها، وهو ما يمنح الموارد وظيفة تنظيمية تتجاوز الحسابات الاقتصادية المباشرة.

 

الشركات والاستثمارات.. الواجهة التي تتسع خلفها الشبكة

 

لا يمكن فهم هذا الجانب دون التوقف عند النشاط الاقتصادي، إذ عملت الجماعة على إنشاء أو الارتباط بشبكات من الشركات والمؤسسات والاستثمارات، خصوصًا مع انتقال عدد كبير من قياداتها وأنصارها إلى الخارج خلال العقود الماضية.

وتشير دراسة «ترندز» حول البنية الاقتصادية للجماعة إلى أن تتبع هذه الشبكات ليس سهلًا، بسبب تعدد الكيانات والحرص على إخفاء مصادر التمويل وطرق إدارة الأصول، إضافة إلى استخدام خبرات متراكمة في التعامل مع الرقابة والقيود القانونية.

وتزداد أهمية هذا المسار عندما يصبح النشاط الاقتصادي مرتبطًا بوظائف أخرى: توفير مقر، تمويل مؤسسة، دعم منصة إعلامية، أو الحفاظ على شبكة من العاملين والمتعاونين.

وهذه ليست مجرد فرضية نظرية، ففي ملف بنك التقوى، تحركت السلطات الأمريكية منذ مطلع الألفية ضد شبكة مالية مرتبطة بيوسف ندا وأحمد نصر الدين. وذكرت وزارة الخزانة الأمريكية في وثائقها أن ندا ونصر الدين كانا من مؤسسي ومديري بنك التقوى، وأن السلطات استهدفت كيانات مرتبطة بالشبكة على خلفية اتهامات بتمويل جماعات متطرفة.

وتكشف تلك القضية أهمية تتبع الشبكة بدل الاكتفاء باسم فرد واحد؛ فالسلطات الأمريكية لم تتعامل مع المسألة باعتبارها حسابًا مصرفيًا منفردًا، وإنما نظرت إلى مجموعة من الشركات والكيانات والعلاقات المالية باعتبارها حلقات مترابطة.

 

بنك التقوى.. عندما تصبح الخريطة المالية جزءًا من المعركة

 

وقد ظل ملف بنك التقوى أحد أكثر الأمثلة حضورًا في النقاش حول البنية المالية المرتبطة بالإخوان، ففي عام 2001 أعلنت الولايات المتحدة إجراءات ضد يوسف ندا وأحمد نصر الدين وعدد من الأشخاص والكيانات، وربطت وزارة الخزانة الأمريكية البنك بشبكات قالت إنها قدمت دعمًا ماليًا لتنظيمات متطرفة.

ولا تكمن أهمية القضية فقط في الأسماء التي وردت فيها، وإنما في الطريقة التي تعاملت بها السلطات مع البنية الاقتصادية نفسها. فالشركات والكيانات القانونية تستطيع أن تمنح الأموال مظهرًا تجاريًا، بينما تسمح الملكيات المتعددة والعلاقات العابرة للحدود بإخفاء الصورة الكاملة عن مسار الموارد.

ولهذا أصبحت مواجهة التمويل الحديث تعتمد بصورة متزايدة على معرفة المستفيد الحقيقي من الأموال، وتتبع علاقات الملكية والتحويلات والعقود، بدل البحث فقط عن عملية تحويل مباشرة تحمل اسم جماعة أو تنظيم.

وتشير المعايير الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب إلى أن الكيانات القانونية والشركات والهياكل الخيرية يمكن أن تتعرض لسوء الاستخدام من جانب شبكات إرهابية لإخفاء مصادر الأموال أو نقل القيمة بين الدول.

 ويؤكد فريق العمل المالي «فاتف» في تقاريره أن تعدد الحسابات والكيانات والهياكل العابرة للحدود يمكن أن يصعّب تحديد المستفيد الحقيقي من الأموال.

 

من المال إلى الإعلام.. تمويل ماكينة التأثير

 

الوظيفة الأخرى للمال تظهر في المجال الإعلامي، فالحفاظ على منصة إعلامية أو موقع إلكتروني أو شبكة حسابات أو قناة لا يحتاج فقط إلى فكرة، وإنما إلى رواتب وتقنيات ومكاتب وإنتاج وتوزيع وتسويق.

ويمكن للمال أن يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الخطاب حتى عندما يتراجع الحضور السياسي المباشر. فالتنظيم الذي يخسر مساحة سياسية يستطيع، إذا احتفظ بموارد مالية كافية، أن يحافظ على مساحة إعلامية واجتماعية تساعده في البقاء حاضرًا، واستقطاب جمهور جديد، وإدارة حملاته، وإعادة تقديم نفسه بأشكال مختلفة.

وهذا الجانب يكتسب أهمية أكبر مع انتقال جزء كبير من النشاط السياسي والإعلامي إلى الفضاء الرقمي، حيث يمكن إدارة منصات من دول مختلفة، وتمويل فرق عمل موزعة جغرافيًا، وتحريك المحتوى عبر شبكات لا تظهر بالضرورة في واجهة واحدة.

وفي يوليو 2026 أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إجراءات استهدفت مسؤولًا بارزًا في جماعة الإخوان المصرية وثلاثة أفراد وثلاثة كيانات، وقالت إن اثنين من الكيانات المستهدفة كانا جمعيتين قالت الوزارة إنهما استُخدمتا لتحويل أموال إلى الجناح العسكري لحماس. كما تحدثت الوزارة عن استخدام قنوات جمع تبرعات وهياكل مالية عابرة للحدود، بما فيها خدمات مصرفية غير رسمية.

وبصرف النظر عن الجدل السياسي والقانوني المحيط بكل حالة، فإن التطور يكشف اتجاهًا واضحًا في أدوات الرقابة المالية: تتبع الشبكة التي تتحرك من خلالها الأموال، وليس فقط الجهة التي تستقبلها في نهايتها.

 

«المال مقابل الولاء».. الحلقة الأكثر حساسية

 

وبحسب أبا السعد، فإن المال لا يشتري فقط قدرة التنظيم على العمل، وإنما يمكن أن يشتري الوقت والولاء والاستمرارية، وعندما يصبح عضو أو مسؤول أو متعاون معتمدًا على مصدر تمويل محدد للحصول على وظيفة أو مساعدة أو خدمات، تتغير طبيعة العلاقة. ويصبح صاحب الموارد قادرًا على التأثير في الأشخاص الذين يعتمدون عليها، خصوصًا داخل تنظيم مغلق أو شديد المركزية.

ولا يعني ذلك أن كل علاقة مالية داخل الجماعة تقوم على الإكراه أو شراء الولاء، لكن الباحث يرى أن المال يمكن أن يؤدي هذه الوظيفة عندما يصبح الوصول إليه مرتبطًا بالمكانة التنظيمية أو القرب من مراكز القرار.

وهذه المعادلة تساعد على فهم سبب تحول الموارد إلى إحدى نقاط الصراع الأساسية بين الأجنحة المتنافسة. فمن يسيطر على المال لا يدير الحسابات فقط، بل يستطيع التأثير في المؤسسات والأفراد والقرارات التي تعتمد على تلك الحسابات.

ولهذا تبدو الخلافات بين جبهتي لندن وإسطنبول، وفق قراءة أبو السعد، أكثر ارتباطًا بالموارد ومواقع النفوذ مما قد توحي به الخلافات المعلنة حول القيادة والخطاب.

 

لماذا يصعب تفكيك الشبكة المالية؟

 

وتبدو المشكلة الرئيسية أمام محاولات تفكيك الشبكات المالية تكمن في قدرتها على توزيع الموارد على أكثر من قناة.

وتوضح «فاتف» أن تعدد الهياكل القانونية والكيانات التجارية والجمعيات يمكن أن يوفر فرصًا لإخفاء المستفيد الحقيقي من الأموال أو نقل القيمة عبر عدة مراحل، كما تشير إلى أن إساءة استخدام المنظمات غير الربحية يمكن أن تتم عبر جمع الموارد أو نقلها أو إنفاقها أو تقديم الخدمات.

ولهذا فإن الضغط على قناة واحدة لا يعني بالضرورة انهيار الشبكة بأكملها. فإذا كانت الموارد موزعة على مسارات متعددة، تستطيع بعض القنوات مواصلة العمل حتى بعد تعطيل أخرى.

وتشير «صوت الأمة» إلى أن الجماعة طورت، بحسب طرح الباحث، شبكة اقتصادية متعددة الأفرع تضم شركات ومؤسسات وجمعيات، وأن القيود التي أصابت بعض مصادر التمويل التقليدية دفعتها إلى البحث عن قنوات بديلة، بينها ما وصفه الباحث بالاقتصاد الخفي والشركات العابرة للحدود.

 

من مطاردة الأموال إلى تفكيك النفوذ

 

لهذا السبب لم تعد مكافحة التمويل تركز فقط على معرفة مصدر المال، وإنما على معرفة وظيفته داخل الشبكة، المال الذي يمول نشاطًا تجاريًا مشروعًا يختلف عن المال الذي يستخدم لإخفاء ملكية أو تجاوز عقوبات أو تمويل نشاط محظور. والتمييز بين الحالتين يحتاج إلى تتبع الملكية الفعلية ومسار الأموال والعلاقات بين الأشخاص والكيانات.

وفي يناير 2026 اتخذت وزارة الخزانة الأمريكية إجراءات ضد فرعي جماعة الإخوان في مصر والأردن، وقالت إن العقوبات تهدف إلى حرمانهما من الموارد التي تمكنهما، وفق تقييم الحكومة الأمريكية، من دعم الإرهاب. وبموجب العقوبات المالية الأمريكية، تُحظر عادةً معاملات الأشخاص الأمريكيين مع الأفراد والكيانات المدرجة، وتُجمّد الممتلكات والمصالح المرتبطة بهم الواقعة ضمن الولاية القضائية الأمريكية.

وبذلك أصبحت الأدوات المالية جزءًا من سياسة أوسع تجاه التنظيم، تقوم على محاولة قطع العلاقة بين الشبكة وبين الموارد التي تحتاج إليها للحفاظ على نشاطها.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية