ابن تيمية: فقه العصور الوسطى وقود الأصولية

ابن تيمية: فقه العصور الوسطى وقود الأصولية

ابن تيمية: فقه العصور الوسطى وقود الأصولية


06/10/2026

أعاد حديث الباحث الإماراتي خليفة الظاهري عن ابن تيمية وفتاواه فتح ملف قديم يتجدد كلما تصاعد النقاش حول مصادر الفكر الأصولي والجهادي. وقال الظاهري، في “حديث العرب” مع الدكتور سليمان الهتلان على سكاي نيوز، إن ابن تيمية، باعتباره عالماً مسلماً «يخطئ ويصيب»، لا يمثل مرجعية مقدسة، وإن بعض فتاواه المتعلقة بالتكفير تستدعي النقد والمراجعة، مشيراً بصورة خاصة إلى فتوى ماردين التي استندت إليها جماعات متطرفة في تبرير العنف، بما في ذلك اغتيال الرئيس المصري أنور السادات.

ولا تكمن أهمية هذا النقاش في إصدار حكم شامل على تراث ابن تيمية، وإنما في محاولة فهم الكيفية التي انتقلت بها نصوص فقهية وُلدت في سياقات سياسية وعسكرية مختلفة جذرياً عن عالم الدولة الحديثة إلى أدبيات جماعات جعلت من التكفير والقتال جزءاً من مشروعها السياسي.

يحتل ابن تيمية موقعاً مركزياً في هذا النقاش بسبب حضوره الواسع في الأدبيات السلفية والجهادية الحديثة. وتشير دراسة أكاديمية لجون هوفر إلى أن بعض منفذي أعمال العنف الحديثة، ومن أبرزهم قتلة السادات عام 1981 وأسامة بن لادن، استدعوا فتاوى ابن تيمية المتعلقة بالمغول لتبرير مواقفهم.

وتوضح الدراسة أن هذه الفتاوى صدرت في سياق صراع ابن تيمية مع المغول الذين غزوا بلاد الشام، وأنه رأى قتالهم مشروعاً رغم إعلانهم الإسلام، انطلاقاً من قراءته لسلوكهم وحكمهم.

هنا تبدأ عملية الانتقال من التاريخ إلى الأيديولوجيا. فالجماعات الجهادية لم تكتفِ بقراءة ابن تيمية بوصفه فقيهاً عاش في القرن الثامن الهجري، وإنما تعاملت مع بعض نصوصه باعتبارها قابلة لإعادة الاستخدام في مواجهة حكومات ومجتمعات معاصرة.

وفي هذه العملية جرى أحياناً إسقاط سياق الصراع مع المغول على الدولة الحديثة، وتحويل مفاهيم مثل «الحكم بالشريعة» و«الخروج عن الشريعة» و«الجهاد» إلى أدوات لتحديد من هو المسلم ومن هو الخارج عن الجماعة.

وتظهر هذه العملية بصورة أوضح في مسار الفكر الجهادي المصري في سبعينات القرن العشرين. فقد كان عبدالسلام فرج، صاحب كتاب «الفريضة الغائبة» وأحد أبرز منظري الجماعة التي اغتالت السادات، من الذين استندوا إلى تراث فقهي سابق لتقديم فكرة قتال الحاكم بوصفها واجباً دينياً.

وتشير الدراسات التاريخية للفكر الجهادي إلى حضور ابن تيمية في هذا المسار، وإن لم يكن وحده مصدره الفكري؛ فقد تداخل تراثه مع أفكار أبي الأعلى المودودي وسيد قطب وتطورات أخرى في الفكر الإسلامي السياسي خلال القرن العشرين.

وهذه النقطة مهمة حتى لا يتحول النقاش إلى اختزال تاريخ طويل في شخص واحد. فالأصولية الجهادية الحديثة لم تنشأ من ابن تيمية مباشرة، ولم تكن امتداداً آلياً لأفكاره. لقد تشكلت من تفاعل عوامل سياسية واجتماعية وفكرية حديثة، بينها انهيار الخلافة، وصعود الدولة الوطنية، والصراع مع الاستعمار، وأزمات الحكم في العالم العربي، ثم القمع السياسي والحروب الإقليمية. كما أعاد منظرو القرن العشرين صياغة مفاهيم قديمة ضمن مشروع سياسي جديد.

وتشير دراسة حديثة في اللاهوت السياسي السلفي إلى أن بعض التيارات الراديكالية المعاصرة، بما فيها تيارات مرتبطة بالقاعدة وتنظيم الدولة، استندت إلى سوابق تعود إلى لاهوت ابن تيمية، ولا سيما في ما يتعلق بفكرة مركزية حكم الشريعة وصلتها بمفهوم التوحيد، لكنها تربط ذلك أيضاً بتطورات لاحقة في الفكر الوهابي وبأفكار المودودي وسيد قطب.

أما فتوى ماردين، التي أصبحت واحدة من أكثر النصوص حضوراً في هذا الجدل، فتكشف أهمية القراءة السياقية للنصوص. فقد صدرت في سياق سؤال يتعلق بمدينة ماردين التي كان يحكمها التتار، وكان ابن تيمية يناقش وضع سكان مسلمين يعيشون تحت سلطة غير مسلمة. وقد تحولت الفتوى لاحقاً إلى مادة استشهدت بها جماعات متطرفة لتبرير العنف ضد من تعتبرهم خارجين عن الشريعة.

لكن القراءة المضادة تقول إن هذه الفتوى نفسها تعرضت لتصحيف وسوء فهم. وتذهب دار الإفتاء المصرية إلى أن النص الصحيح يقول «ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه»، وليس «ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام»، كما تذهب إلى أن بعض الطبعات اللاحقة ساهمت في انتشار القراءة الثانية. وترى المؤسسة أن ابن تيمية شدد في الفتوى على حرمة دماء المسلمين وأموالهم، وأنها لا تصلح سنداً لاستباحة دماء الناس أو أن تتحول إلى تفويض للأفراد والجماعات بممارسة العنف.

وبغض النظر عن الجدل العلمي حول صحة هذه القراءة أو تفاصيل تطور نص الفتوى، فإن القضية الأوسع تبقى قائمة: النصوص التاريخية يمكن أن تتحول إلى أدوات سياسية عندما تنتزع من سياقاتها وتقرأ باعتبارها إجابات جاهزة لأسئلة عصر مختلف.

وهنا تتجاوز المسألة ابن تيمية نفسه إلى آلية إنتاج الفكر المتطرف. فالجماعات الجهادية لا تحتاج دائماً إلى نص كامل يبرر مشروعها؛ يكفيها أحياناً اقتطاع مفهوم أو حكم أو فقرة، ثم وضعها داخل منظومة فكرية حديثة تقوم على تقسيم العالم إلى معسكرات متصارعة، وتوسيع دائرة التكفير، وتحويل العنف من فعل استثنائي إلى وسيلة لتغيير المجتمع والدولة.

ولذلك فإن نقد علاقة ابن تيمية بالأصولية يحتاج إلى مسارين متوازيين: الأول قراءة نصوصه كاملة وفي سياقاتها التاريخية، والثاني دراسة الطريقة التي أعاد بها منظرو الحركات الجهادية تفسير تلك النصوص وتوظيفها. فالخلط بين الرجل وبين الذين أعادوا استخدام تراثه يحول دون فهم الظاهرة، كما أن تجاهل حضور أفكاره في الأدبيات الجهادية يحول دون فهم أحد مصادرها الفكرية.

المسألة في النهاية ليست ما إذا كان ابن تيمية «صانع» الأصولية الحديثة، فهذا اختزال لا يفسر نشأة الحركات الجهادية المعاصرة، وإنما كيف أصبح فقيه عاش في زمن المغول خزاناً نصياً تستخرج منه حركات حديثة ما يناسب صراعاتها وأسئلتها. وبين النص الأصلي والقراءة الأيديولوجية مسافة هي التي ينبغي تفكيكها إذا كان الهدف فهم جذور التشدد، لا إعادة إنتاجه في صورة سجال تاريخي.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر التقارير

الصفحة الرئيسية