رواية المظلومية.. كيف تحاول جماعة الإخوان الإرهابية خداع الوعي؟

رواية المظلومية.. كيف تحاول جماعة الإخوان الإرهابية خداع الوعي؟

رواية المظلومية.. كيف تحاول جماعة الإخوان الإرهابية خداع الوعي؟


04/10/2026

رنا أمين

لم تعد جماعة الإخوان الإرهابية تعتمد فقط على نشر الأخبار الكاذبة أو تداول المعلومات المضللة، وإنما تلجأ إلى أسلوب أكثر تأثيرًا على المشاعر، يقوم على صناعة رواية كاملة تجعلها تظهر في صورة الضحية، بينما تختفي خلف هذه الصورة تفاصيل كثيرة وحقائق لا تريد الجماعة أن يراها المواطن، تعتمد هذه الطريقة على مخاطبة مشاعر الإنسان قبل عقله، فبدلًا من الدخول في نقاش حول الوقائع والأفعال والنتائج، تبدأ الرواية الإخوانية من نقطة مختلفة: شخص متألم، أسرة حزينة، قصة إنسانية، صورة مؤثرة أو مقطع فيديو قصير، ثم يجري ربط هذه المشاعر برسالة سياسية محددة، حتى يجد المواطن نفسه متعاطفًا مع القصة قبل أن يسأل: ماذا حدث بالفعل؟ ومن المسؤول؟ وما حقيقة ما أراه؟

من الحقيقة إلى القصة التي يريدونك أن تصدقها

تبدأ عملية صناعة المظلومية عادة من واقعة أو صورة أو قصة حقيقية، لكن المشكلة لا تكون دائمًا في أصل الواقعة، وإنما في الطريقة التي يجري تقديمها بها، قد يتم اختيار جزء من الحكاية وإخفاء باقي التفاصيل، أو التركيز على شخص واحد وإبعاد السياق الكامل عن المشهد، ثم إعادة تقديم القصة باعتبارها دليلًا على اضطهاد أو ظلم أو استهداف، وهنا يتحول المواطن من شخص يبحث عن الحقيقة إلى متلقٍ لرواية جاهزة، تم إعدادها له بطريقة تدفعه إلى نتيجة محددة دون أن يشعر، فالصور المؤثرة ليست دليلًا على صحة الرواية، والقصة الإنسانية لا تعني بالضرورة أن كل ما يقال حولها صحيح، والتعاطف مع إنسان لا يجب أن يتحول إلى تصديق تلقائي لكل ما تنشره الصفحات عنه.

اللعب على المشاعر قبل تشغيل العقل

تعرف الجماعات التي تمارس التضليل جيدًا أن الإنسان قد يتفاعل مع المشهد العاطفي أسرع بكثير من تفاعله مع التفاصيل، ولهذا يمكن أن تبدأ الرسالة بصورة حزينة، أو طفل، أو أم، أو شخص يتحدث بنبرة مؤثرة، ثم تأتي بعدها عبارات تحمل اتهامات واستنتاجات كبيرة، المشكلة أن المشاهد قد يتذكر الصورة وينسى التفاصيل، وقد يتفاعل مع الألم قبل أن يبحث عن أصل القصة، وهنا تحديدًا تكمن خطورة خطاب المظلومية؛ لأنه لا يطلب منك فقط أن تصدق معلومة، وإنما يحاول أولًا أن يجعلك تتبنى شعورًا، وبعد أن يصبح الشعور حاضرًا بقوة، يصبح من الأسهل تمرير الرواية التي يريدها صانع المحتوى.

تحويل المخطئ إلى ضحية

أخطر ما في هذه الطريقة هو محاولة قلب الأدوار، فبدلًا من أن يسأل المتلقي عن الأفعال والمسؤوليات والوقائع، يجد نفسه أمام رواية تقول له إن الشخص أو الجماعة التي يجب أن تخضع للنقد هي في الحقيقة ضحية تستحق التعاطف، ويجري تجاهل السؤال الأساسي: ماذا حدث قبل هذه اللحظة؟ وما الذي سبق الواقعة؟ وهل هناك معلومات أخرى تغير فهم الصورة، تلك الأسئلة قد تبدو بسيطة، لكنها قادرة على إسقاط رواية كاملة إذا كان أساسها قائمًا على حذف السياق وانتقاء التفاصيل.

«احكي نصف الحقيقة».. أخطر من اختراع قصة كاملة

قد يعتقد البعض أن التضليل يعني اختراع واقعة من العدم، لكن الأخطر أحيانًا هو استخدام معلومة صحيحة ووضعها داخل سياق مضلل، فالمعلومة الصحيحة عندما تُقتطع من سياقها يمكن أن تؤدي إلى استنتاج خاطئ، والصورة الحقيقية إذا استخدمت في مناسبة مختلفة يمكن أن تصبح أداة لخداع الجمهور، والفيديو القديم إذا أعيد تقديمه باعتباره حدثًا جديدًا يمكن أن يصنع أزمة كاملة، وهنا يجب أن يتوقف المواطن أمام أي محتوى مثير ويسأل نفسه: هل شاهدت القصة كاملة؟ أم أنني رأيت جزءًا واحدًا منها فقط؟

لماذا تستمر رواية المظلومية؟

تستمر هذه الروايات لأنها لا تعتمد على منشور واحد، وإنما على إعادة تقديم الفكرة نفسها بأشكال مختلفة، مرة في صورة قصة إنسانية، ومرة في مقطع فيديو، ومرة في تعليق غاضب، ومرة في منشور يحمل عنوانًا صادمًا، ومرة في شهادة مجهولة المصدر، وبمرور الوقت قد يشعر المستخدم أنه أمام «حقيقة متكررة»، بينما هو في الواقع أمام الرسالة نفسها وقد تغير شكلها فقط، وهنا يجب أن ننتبه إلى أن كثرة المنشورات لا تعني بالضرورة صحة المعلومة، وكثرة التعليقات لا تعني أن الرواية تمثل رأي المجتمع، وانتشار القصة لا يحولها إلى حقيقة.

المواطن ليس مطلوبًا منه أن يكون خبيرًا

لا يحتاج المواطن إلى أن يكون صحفيًا أو باحثًا متخصصًا حتى يحمي نفسه من هذا النوع من التضليل، يكفي أن يتعلم التمهل قبل المشاركة، وأن يفرق بين «القصة المؤثرة» و«المعلومة الموثقة»، وأن يعرف أن أول منشور يظهر أمامه ليس بالضرورة أول مكان ظهرت فيه المعلومة، عندما يرى المواطن فيديو مثيرًا، عليه أن يبحث عن تاريخه ومصدره وسياقه، وعندما يقرأ اتهامًا خطيرًا، عليه أن يسأل: أين الدليل؟ ومن نشر المعلومة أول مرة؟ وهل توجد بيانات من الجهات المختصة، وعندما يجد رواية سياسية أو إعلامية شديدة الانفعال، عليه ألا يسمح للمشاعر بأن تمنعه من البحث عن الصورة الكاملة.

لا تجعل تعاطفك بوابة لخداعك

التعاطف قيمة إنسانية مهمة، لكن استخدام التعاطف لتوجيه الناس نحو معلومات غير مؤكدة يمثل نوعًا من التلاعب بالمشاعر، ومن حق أي مواطن أن يتعاطف مع إنسان يتعرض لأزمة، لكن من حقه أيضًا أن يعرف الحقيقة كاملة قبل أن يحكم أو يشارك أو يتهم، وهنا تصبح مسؤولية المواطن أكبر من مجرد الضغط على زر «شير»، لأن مشاركة محتوى غير موثوق قد تمنح الرواية المضللة حياة جديدة وتوصلها إلى أشخاص آخرين ربما يصدقونها لمجرد أنها جاءت من شخص يثقون به.

الحقيقة لا تحتاج إلى رواية عاطفية

تظل الحقيقة بحاجة إلى دليل وسياق ومصدر واضح، بينما تحتاج الرواية المضللة في كثير من الأحيان إلى الإثارة والانفعال وتوجيه المشاعر، ولهذا فإن أفضل مواجهة لخطاب المظلومية ليست الدخول في جدال طويل مع كل منشور، وإنما العودة إلى الأصل: البحث عن الوقائع، ومراجعة المصادر الرسمية، وعدم التعامل مع الحسابات المجهولة باعتبارها جهات موثوقة، وعدم السماح لصورة أو فيديو قصير بأن يختصر قصة كاملة، وفي النهاية، لا يجب أن نسمح لجماعة الإخوان الإرهابية أو غيرها بأن تختار لنا من نحزن عليه، ومن نتعاطف معه، ومن نصدقه، ومن نعتبره ضحية، المواطن الواعي لا يرفض القصة لمجرد أنها عاطفية، ولا يصدقها لمجرد أنها مؤثرة، وإنما يبحث عن الحقيقة أولًا.. ثم يقرر موقفه بناءً على المعلومات الكاملة، الحقيقة لا تُقاس بدرجة تأثير القصة في مشاعرك.. وإنما بقوة الدليل الذي يثبتها.

توصيات للمواطن

يجب على المواطن ألا يشارك أي قصة مؤثرة قبل التأكد من مصدرها وتاريخها، وألا يعتبر الصورة أو الفيديو دليلًا كاملًا دون معرفة سياقهما، مع ضرورة البحث عن الخبر عبر المواقع الرسمية والجهات المختصة ومقارنة أكثر من مصدر قبل تكوين أي موقف، كما يجب ألا يسمح للتعاطف بأن يمنعه من طرح الأسئلة والتحقق من التفاصيل، وألا يعتبر كثرة التفاعل أو انتشار المنشور على مواقع التواصل الاجتماعي دليلًا على صحة ما يتضمنه من معلومات.

اليوم السابع




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية