رسائل إيران والحوثي

رسائل إيران والحوثي

رسائل إيران والحوثي


04/10/2026

أيمن خالد

في 27 يوليو تموز 2017 أعلنت إيران عن إطلاق صاروخ "سيمرغ" الحامل للأقمار الاصطناعية في أول عملية إطلاق مداري معلنة وهو الإعلان الذي أثار حفيظة الدول الغربية، وفي مساء اليوم ذاته أطلق الحوثيون صاروخاً صوب مكة المكرمة، فيما بدت كنوع من الرسائل الإيرانية، والتي أصبحت أكثر وضوحاً عندما تمددت مليشيات الحوثي بمساندة من الحرس الثوري الإيراني في باب المندب في سبتمبر أيلول الماضي، وبحسب رويترز " أبلغ ممثلو الحوثيين الجانب الأمريكي أنهم لا يعتزمون استهداف السفن الأمريكية، وأنهم ملتزمون بوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع واشنطن عام 2025.. وتضيف مصادر رويترز " إن التعهد شمل السفن الإسرائيلية والتجارية الأخرى مع استثناء السفن السعودية".

قبل الاستهداف الأخير لمكة والحرم النبوي، كانت مكة في واجهة الاستهداف الإيراني منذ أحداث الحج عام 1987 والاضطرابات التي افتعلها الحجاج الإيرانيون وسط ازدحام الحجيج في مكة، ومقتل المئات من جنسيات عديدة بمن فيهم إيرانيون نتيجة التدافع إضافة إلى مقتل 85 من رجال الأمن السعوديين الذين كانوا ينظمون مسير الأفواج، وما تلا ذلك من إعلان الخميني لما أسماه تدويل الحج، وهو تعبير سياسي كان يحمل بين الأسطر تعثر مشروع الخميني، ما يعني أن فكرة زعامة إيران للعالم الإسلامي اصطدمت بجدار العالم الإسلامي المتين.

فمسألة نجاح المشاريع الدخيلة في تغيير البيئة العربية غير واردة، فقد حاول اليسار من قبل، وانتحر الإخوان بغية الوصول إلى خلاصة مجدية لهم، وتواصلوا مع الخميني مبكراً قبل مولد مليشيا الحوثي وغيرها من المليشيات، التي جاءت كأداة للثورة الإيرانية والتي ظهرت أصلاً كواجهة دينية ومضمون "سياسي عرقي" يحمل هشاشة بنيوية في أصل الفكرة.

بالتالي مركزية مكة في العالم الإسلامي ووجودها في المملكة يعطي المملكة بشكل تلقائي مكانة خاصة وأمانه نجحت فيها على مدار مئات السنين، وهي مكانة لا تحتاج لشهادة تأكيد على ذلك، فالتاريخ متوفر والوقائع شاهدة، فالمملكة شاركت الجميع همومهم وقضاياهم وتحملت الأعباء في استقبال الحجيج، وتوسعات الحرم، وتأمين اقصى درجات الراحة للحجيج والتي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً وخصوصاً في السنوات الأخيرة، وهي (لم تخلط بين ما هو ديني وسياسي ولم تستخدم منبر الحج لأغراض دعائية غير الحج ذاته) خصوصاً وأن مكة المكان الأوحد في الأرض الذي يجمع كل الأعراق والأجناس واللغات والألوان خلال مواسم الحج والعمرة. كما لم يثبت أنها تتدخل في الشأن الداخلي للدول على اختلافها، وبقيت على مسافة واحدة من الجميع، فلم تعاد إيران ووقفت ضد الحرب الأخيرة ومنعت كثيراً من الضربات الامريكية عليها ودفعت نحو الحلول السياسية باعتراف ترامب ذاته، لكن إيران لم تصن الجوار، واستهدفت المملكة وبقية دول الخليج، وهو فعل لم يسبق أن قامت به دولة بهذه من السردية المشينة.

غير أن جرائم الحوثي بحق أماكن العبادة تأتي بهدف خلق صدع طائفي داخل الأمة وهو صدع غير موجود أصلاً لكنها محاولة تعكس حجم الأزمة ودوام انسداد الأفق أمام المشروع الإيراني، الذي ظهر في المنطقة كمشروع مدمر للبيئة التي ينزل فيها، غير قادر على تقديم ما هو مفيد، فالشقاق الداخلي والصراعات السياسية والمؤثرات الطائفية وغير ذلك من أساليب تفتيت الدولة، وفوضى السلاح وانعدام الأمن وغيره، تماماً هو أمام العالم أجمع، يظهر بمثابة مشروع لا يتطابق والمعايير القيمية المتعارفة بين الأمم، كما أنه في الداخل الإيراني يشهد سخطاً واسعاً وتظاهرات متوالية بدأها طلبة الجامعات سنة 1981 وصولاً إلى موجة سنة 1999 وما تلاها تباعاً حتى اليوم رغم سطوة سيف الإعدامات.

فشلت الثورة الإيرانية حيث انطلقت وحيث تهبط مليشياتها اليوم من تأمين أدنى مقومات الحصول على الرغيف إلى أبسط قواعد الأمان المجتمعي، وأما ذهاب المنطقة نحو حروب دينية كما تتوهم مليشيا الحوثي وغيرها بغية فتح المنطقة على مساحة واسعة من الفوضى فهذه مسألة غير واردة، فالأطماع الجيوسياسية تبقى في عقول أصحابها ولا يمكنها صياغة عالمها في منطقة حيوية للعالم أجمع، غير أن هذه الأطماع تعزل أصحابها لعلهم في عزلتهم يدركون الخطأ التاريخي في محاولة صناعة مركزية عالمية خاصة بهم، فإيران لا تستطيع أن تشكل مركزية بديلة في المنطقة عبر المليشيا، التي قدمت لها السلاح ثم الكوارث.

العربية




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية