بقطاعات التعليم والوظائف العامة.. أوروبا تنقل المواجهة مع الإخوان لمؤسسات الدولة

بقطاعات التعليم والوظائف العامة.. أوروبا تنقل المواجهة مع الإخوان لمؤسسات الدولة

بقطاعات التعليم والوظائف العامة.. أوروبا تنقل المواجهة مع الإخوان لمؤسسات الدولة


30/09/2026

قال مسؤول أوروبي معني بملف مكافحة التطرف لـ"إرم نيوز" إن عددًا من الدول الأوروبية تتجه إلى توسيع نطاق التعامل مع الشبكات المرتبطة بجماعة الإخوان، بحيث لا تقتصر الإجراءات على مراقبة الجمعيات ودور العبادة، وإنما تمتد إلى فحص أدق للمؤسسات التعليمية والوظائف العامة والجهات التي تحصل على تمويل حكومي.

وأوضح المسؤول أن التحول الجاري يستند بصورة متزايدة إلى معيارين رئيسيين، أولهما الالتزام بالدستور والقيم الديمقراطية، والثاني الشفافية الكاملة في مصادر التمويل والعلاقات المؤسسية، مشيرًا إلى أن بعض الحكومات الأوروبية باتت تنظر إلى استغلال المؤسسات الخدمية والتعليمية كمسار محتمل لبناء نفوذ اجتماعي طويل الأمد.

وأضاف أن هذا التوجه لا يعني أن كل نشاط ديني أو تعليمي إسلامي يخضع تلقائيًا للشبهات، وإنما يتركز على الحالات التي تتوافر بشأنها مؤشرات أو تقارير أمنية وقضائية تتعلق بالتأثير السياسي أو المالي أو الأيديولوجي، مؤكدًا أن الإجراءات تختلف من دولة إلى أخرى بحسب القوانين الوطنية والأدلة المتوافرة في كل ملف.

فرنسا.. التعليم في قلب المواجهة

وتبرز فرنسا باعتبارها إحدى الدول التي وسعت نطاق الرقابة على المؤسسات التعليمية الإسلامية، إذ أنهت السلطات عقود الارتباط التعليمي مع مجموعة مدارس "الكندي" في منطقة ليون، بعد رصد مخالفات إدارية ومالية، إلى جانب انتقادات رسمية تتعلق بمحتوى تعليمي ومواقف اعتبرتها السلطات متعارضة مع قيم الجمهورية.

وكانت محافظة منطقة أوفيرني-رون-ألب قد أنهت في يناير 2025 عقود الشراكة بين الدولة والمدارس الثلاث التابعة لمجموعة "الكندي"، مستندة إلى مخالفات إدارية ومحاسبية، بينها استخدام مدرسين تمولهم الدولة في فصول لا تخضع للعقد، وتحويلات مالية عبر جمعية مرتبطة بالمؤسسة.

وأشارت تقارير فرنسية لاحقة إلى أن السلطات وضعت في الاعتبار أيضًا "أيديولوجيا إخوانية" في مركز التوثيق بالمؤسسة، وتصريحات منسوبة إلى أحد المدرسين اعتُبرت مخالفة لقيم الجمهورية، بينما طعنت إدارة المدرسة في الاتهامات ورفعت دعوى ضد القرار.

ألمانيا.. الولاء الدستوري معيار للتوظيف

وفي ألمانيا، يأخذ النقاش منحى أكثر ارتباطًا بالوظائف الحكومية، إذ تستند السلطات في بعض الحالات إلى تقارير أجهزة حماية الدستور عند تقييم مدى ملاءمة أشخاص للعمل في وظائف حساسة.

وتتمحور هذه المقاربة حول مفهوم الولاء للنظام الديمقراطي الحر، بحيث يمكن أن تؤثر الصلات أو الأنشطة التي ترصدها الأجهزة الأمنية في قرارات التثبيت الوظيفي، حتى في غياب إدانة جنائية.

ويثير هذا النهج نقاشًا قانونيًا وسياسيًا حول الحد الفاصل بين الحق في ممارسة النشاط الديني أو التعليمي وبين متطلبات حماية المؤسسات العامة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بموظفين يعملون في قطاعات تتعامل بصورة مباشرة مع الهجرة أو التعليم أو الخدمات الاجتماعية.

وفي هذا السياق، يستند التقييم الأمني الألماني إلى نشاط الأشخاص وعلاقاتهم المؤسسية ومواقفهم المعلنة، وليس بالضرورة إلى وجود عضوية تنظيمية مثبتة بصورة مباشرة، وهو ما يجعل تقارير أجهزة حماية الدستور عنصرًا مهمًا في بعض قرارات التوظيف أو التثبيت.

النمسا.. "لوكسور" يفتح ملف التعليم

وفي النمسا، سلطت عملية "لوكسور" عام 2020 الضوء على العلاقة بين التحقيقات الأمنية وقطاع التربية الإسلامية.

ووفق وثائق رسمية للبرلمان النمساوي، ركزت التحقيقات على عدد من مدرسي التربية الإسلامية، من بينهم أشخاص اتُهموا بالمشاركة في فعاليات مرتبطة بجماعة الإخوان، أو باستغلال كتب الأطفال لأغراض دعوية، أو بنشر أفكار اعتبرتها السلطات مقلقة داخل المدارس.

لكن أهمية التجربة النمساوية لا تكمن فقط في الاتهامات التي صاحبت العملية، وإنما أيضًا في الجدل الذي أعقبها بشأن حدود الرقابة الأمنية والأدلة المطلوبة، إذ أظهرت القضية أن مجرد الاشتباه أو الصلة غير المباشرة لا يساوي تلقائيًا إدانة قضائية.

من الرقابة إلى "اختبار الولاء"

ويقول الباحث البولندي المتخصص في السياسات الأوروبية ماتيوش أوربانسكي لـ"إرم نيوز" إن التشديد الحالي يعكس إعادة تعريف لدور المؤسسات العامة في مواجهة محاولات التأثير الأيديولوجي، مشيرًا إلى أن بعض الحكومات باتت تنظر إلى الولاء الدستوري باعتباره معيارًا أساسيًا عند شغل الوظائف الحساسة.

ويضيف أوربانسكي أن المسألة لا تتعلق بالانتماء الديني للموظف، وإنما بمدى التزامه بالقواعد الدستورية التي تحكم المؤسسة التي يعمل فيها، موضحًا أن الاختبار الحقيقي يتمثل في وجود سلوك أو نشاط أو علاقات يمكن أن تتعارض مع مقتضيات الوظيفة العامة.

ويحذر في الوقت نفسه من أن توسيع المعايير الأمنية دون ضوابط قضائية واضحة قد يفتح الباب أمام نزاعات قانونية، وهو ما ظهر في عدد من الملفات الأوروبية التي تحولت إلى ساحات مواجهة بين السلطات والمؤسسات أو الأفراد المعنيين.

المؤسسات التعليمية.. بوابة النفوذ الجديدة

وتكتسب المدارس أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها تمثل نقطة اتصال بين التمويل العام والتعليم والتأثير الاجتماعي، وهو ما دفع بعض الحكومات الأوروبية إلى زيادة عمليات التفتيش والمراجعة المالية والإدارية للمؤسسات الخاصة التي تحصل على دعم حكومي.

وفي فرنسا، جاء ملف "الكندي" بعد إنهاء عقد مدرسة "أفرويس" في ليل، قبل أن تعيد المحكمة الإدارية في ليل في أبريل 2025 عقد المدرسة مع الدولة، ما يوضح أن القرارات الحكومية في هذا المجال تظل خاضعة للمراجعة القضائية.

وبذلك لا تتحرك الدول الأوروبية في اتجاه واحد أو وفق نموذج موحد، وإنما تتباين الإجراءات بين دولة وأخرى، بين الرقابة المالية، والتدقيق في المناهج، والفحص الأمني للموظفين، وصولًا إلى إنهاء العقود أو اللجوء إلى القضاء.

إرم




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية