
تدفع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بملف الإخوان المسلمين إلى مساحة جديدة من المواجهة، بعدما كان التركيز الأميركي والأوروبي لعقود ينصب بدرجة أكبر على الجماعات الجهادية والتنظيمات المرتبطة بالعنف. ومع استهداف واشنطن فروعاً من الجماعة وشخصيات مرتبطة بها في أوروبا، يتجه الضغط الأميركي إلى اختبار موقف العواصم الأوروبية من تنظيم عابر للحدود تتداخل حوله الاعتبارات الأمنية والسياسية والقانونية.
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة بعد أن استهدفت وزارة الخزانة الأميركية في يوليو الماضي محمود الأبياري، وهو قيادي مصري بارز في جماعة الإخوان مقيم في المملكة المتحدة، على خلفية انتمائه للجماعة وعلاقاته بشبكات قالت واشنطن إنها مرتبطة بتمويل حركة حماس. واعتبر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن هذه الخطوة تمثل تحولاً مهماً لأنها استهدفت شخصية على أساس صلتها بالإخوان، وليس فقط بسبب ارتباطها المباشر بحماس.
ولا تأتي هذه الخطوة منفصلة عن مسار بدأته إدارة ترامب الثانية في نهاية 2025. فقد أصدر البيت الأبيض في نوفمبر 2025 أمراً تنفيذياً مهّد لتصنيف فروع معينة من الإخوان، قبل أن تعلن واشنطن في يناير 2026 إجراءات ضد فرعي الجماعة في مصر والأردن، بينما صنفت وزارة الخارجية الأميركية الجماعة الإسلامية في لبنان، وفي مارس لحقت بها إجراءات ضد فرع السودان. وبذلك أصبحت أربعة فروع ضمن دائرة الاستهداف الأميركي الرسمي.
لكن واشنطن لا تتعامل مع هذه الفروع باعتبارها كياناً واحداً بالضرورة. فوزارة الخزانة ربطت الإجراءات ضد فرعي مصر والأردن بتقديم دعم مادي لحماس، بينما تولت وزارة الخارجية ملف لبنان والسودان في سياقات تتعلق، وفق الرواية الأميركية، بأعمال عنف أو دعم مباشر لها. وهذا التفريق مهم، لأنه يشير إلى أن السياسة الأميركية الحالية لا تقوم فقط على الاسم التنظيمي، وإنما على طبيعة نشاط كل فرع والأفراد والكيانات المرتبطة به.
واشنطن تحاول دفع أوروبا إلى بناء صورة استخباراتية أكثر وضوحاً عن الشبكات المحلية المرتبطة بالإخوان، وتبادل المعلومات، والتدقيق في الجمعيات والواجهات المالية
وفي المقابل، يحذر تحليل CSIS من التعامل مع المشهد الأوروبي باعتباره شبكة مركزية متماسكة بالكامل. فالمركز يصف الإخوان في أوروبا بأنها شبكة عابرة للحدود وفضفاضة، تتكيف فروعها المحلية مع البيئة السياسية والقانونية في كل دولة، بينما تعمل مجموعة من الناشطين عبر مؤسسات مدنية وإعلامية ومنظمات غير حكومية على تحديد اتجاهات النشاط. وهذه قراءة تحليلية للمركز وليست توصيفاً قانونياً ملزماً للحكومات الأوروبية.
هنا تظهر العقدة الأوروبية. فالقارة لا تملك سياسة موحدة تجاه الإخوان المسلمين، كما أن الحكومات الأوروبية لم تتبن تاريخياً المقاربة الأميركية الحالية. ويشير CSIS إلى أن عدداً من الدول الأوروبية تعامل مع الجماعة باعتبارها تياراً سياسياً ودعوياً يمكن مراقبته أو التحاور معه، خصوصاً في مواجهة التنظيمات الجهادية. وفي بريطانيا مثلاً، خلصت مراجعة حكومية عام 2015 إلى أن الجماعة وشبكات مرتبطة بها تمثل ملفاً معقداً، لكنها لم تؤد إلى حظر شامل للجماعة.
غير أن العلاقة الأوروبية مع الإخوان لم تكن خالية من الشكوك. فقد أشارت المراجعة البريطانية إلى مخاوف بشأن بعض الأنشطة والخطابات والروابط مع جماعات محظورة، وأوصت بمزيد من التدقيق في الجمعيات والتمويل والعلاقات الخارجية، مع إبقاء مسألة الحظر مرتبطة بالمعايير القانونية البريطانية. وبذلك اختارت لندن تاريخياً مقاربة تقوم على المراقبة والقيود الانتقائية بدلاً من اعتبار الجماعة بمجملها منظمة إرهابية.
وتأتي الحرب في غزة لتعيد ترتيب هذا النقاش. فالاتحاد الأوروبي نفسه شدد في مايو 2026 الإطار القانوني لعقوباته المتعلقة بحماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني، وأضاف أعضاء من المكتب السياسي لحماس إلى قائمة العقوبات، في خطوة تستهدف من يروّج أو يدعم أو يبرر أعمال الحركة العنيفة. لكن الإجراءات الأوروبية تظل مرتبطة بحماس والجهاد الإسلامي، وليس هناك في القرار الأوروبي المذكور تصنيف شامل لجماعة الإخوان المسلمين كتنظيم واحد.
وتحاول واشنطن، وفق قراءة CSIS، دفع أوروبا إلى خطوة إضافية: بناء صورة استخباراتية أكثر وضوحاً عن الشبكات المحلية المرتبطة بالإخوان، وتبادل المعلومات، والتدقيق في الجمعيات والواجهات المالية، والتعامل مع ما يصفه المركز بالجهات التي تتحرك تحت عتبة الإرهاب. وهنا يصبح الخلاف أقل ارتباطاً بالسؤال التقليدي: هل الإخوان تنظيم إرهابي أم لا؟ وأكثر ارتباطاً بسؤال آخر: كيف تتعامل الديمقراطيات مع حركة ذات مشروع ديني وسياسي عندما لا تنطبق عليها بالضرورة الأدوات القانونية المستخدمة ضد التنظيمات المسلحة؟
إعادة تعريف الإخوان في السياسة الغربية: من تيار يمكن التحاور معه ومراقبة نشاطه إلى زاوية النفوذ والتمويل والروابط العابرة للحدود
وهذه المعضلة هي التي قد تجعل الملف أكثر تعقيداً بالنسبة إلى أوروبا. فالتوسع في العقوبات والحظر يمكن أن يطال شبكات مالية أو مؤسسات محددة عندما تتوافر أدلة قانونية على المخالفات، لكن تحويل ذلك إلى سياسة شاملة ضد تيار سياسي أو ديني يفرض اختبارات تتعلق بحرية التنظيم والتعبير والمشاركة السياسية. وفي المقابل، فإن تجاهل الروابط المالية أو التنظيمية إذا ثبتت صلتها بتمويل جماعات مصنفة إرهابية قد يفتح ثغرات أمنية وقانونية.
كما أن المقاربة الأميركية نفسها تحمل مخاطر سياسية. فتصنيف جماعات إسلامية متعددة تحت مظلة واحدة قد يطمس الفوارق بين فروعها الوطنية وبين التيارات الإسلامية المختلفة، خصوصاً أن تاريخ الإخوان وعلاقتهم بالعنف يختلف من بلد إلى آخر. وحتى تحليل CSIS نفسه يقر بأن الجماعة ليست فاعلاً واحداً متماسكاً وأن نشاطها الأوروبي يختلف عن فروعها في الشرق الأوسط.
لذلك تبدو أوروبا أمام معادلة دقيقة: الاستجابة لضغوط واشنطن في مكافحة التمويل والواجهات المرتبطة بحماس أو بالعنف من جهة، والحفاظ على إطار قانوني يميز بين النشاط السياسي المشروع والنشاط الذي يستوجب العقوبات من جهة أخرى. وقد تختلف العواصم الأوروبية في تقدير هذه الحدود، وهو ما يرجح أن يجعل التعاون مع واشنطن انتقائياً أكثر منه تبنياً كاملاً لمقاربتها.
في النهاية، لا يقتصر التحول الأميركي على إضافة أسماء جديدة إلى قوائم العقوبات، بل يتعلق بإعادة تعريف الإخوان في السياسة الغربية: من تيار يمكن التحاور معه ومراقبة نشاطه إلى شبكة يُنظر إليها بصورة متزايدة من زاوية النفوذ والتمويل والروابط العابرة للحدود. وإذا استمرت واشنطن في هذا المسار، فسيكون السؤال الأوروبي خلال المرحلة المقبلة ليس فقط ماذا تفعل الولايات المتحدة بالإخوان؟، وإنما أي سياسة أوروبية مستقلة يمكن أن تتشكل تجاه الإسلام السياسي، من دون الخلط بين النشاط السياسي المشروع وشبكات دعم العنف؟
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_8.jpeg.webp?itok=dV2YCpmK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%8600_0.png.webp?itok=ypyqpwcN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_1.jpg.webp?itok=6esqQwr6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%862.jpg.webp?itok=fMuKd8Eh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_0.jpeg.webp?itok=m6amGI0L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1_0.jpg.webp?itok=DoyP78ho)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D8%B1%D8%AA%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_0_1.jpg.webp?itok=9lDBr3eV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_3.jpg.webp?itok=N892ZlI8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D9%88%D9%8A_0_4_0_1_2_2.jpg.webp?itok=8cXD0wvJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D9%84_0.jpg.webp?itok=HGZ6ReH5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A70_1.jpg.webp?itok=9swa9NrG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D9%83%D8%A7.jpg.webp?itok=BfRYS1RG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%88%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=FeYSSO0T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_87.jpg.webp?itok=j3N6HAhd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B40.jpg.webp?itok=0wwydxPI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_1.jpg.webp?itok=vELv53a1)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2_4.jpg.webp?itok=t1TsOP4-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D9%85.png.webp?itok=yvnstWJC)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9_2.jpg.webp?itok=LGVwvYZl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)