
تعيد الحرب الإقليمية المشتعلة رسم خطوط الانقسام في الشرق الأوسط، لكن أحد أكثر الأسئلة إثارة يظل مرتبطا بموقع الإسلام السياسي وسط مواجهة تختلط فيها الحسابات المذهبية بالمصالح السياسية.
ففي الوقت الذي تتعرض فيه دول خليجية لضغوط أمنية متزايدة بسبب الصراع مع إيران، يظهر تناقض لافت في مواقف بعض التيارات المحسوبة على الإخوان المسلمين والإسلام السياسي. فهي تنتمي فكريا وتاريخيا إلى بيئة سنية دخلت في خصومة طويلة مع المشروع الإيراني، لكنها تجد نفسها سياسيا في مساحات تقاطع مع طهران أو مع خطابها الإقليمي في بعض الملفات.
وهنا لا يتعلق السؤال بالموقف من إيران وحدها، بل بتاريخ العلاقة كله بين الإسلام السياسي ودول الخليج: كيف انتقلت العلاقة من مرحلة الاحتضان والتأثير إلى الخصومة السياسية؟ ولماذا تبدو بعض التيارات مستعدة لتجاوز خصومتها المذهبية مع إيران، بينما تتخذ مواقف حادة من دول خليجية أسهمت تاريخيا في توفير فضاءات واسعة لكوادرها؟
يصعب فهم قوة بعض تيارات الإسلام السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين من دون التوقف عند مرحلة انتقال كوادر عربية، من بينها شخصيات محسوبة على الإخوان المسلمين، إلى دول الخليج خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي.
كانت المنطقة آنذاك تشهد تحولات سياسية كبرى، فيما دخلت حركات إسلامية في صدام مع أنظمة قومية وجمهورية في أكثر من دولة عربية. وفي المقابل، كانت دول الخليج تبني مؤسساتها الحديثة وتحتاج إلى كوادر تعليمية وإدارية ومهنية.
وجد كثير من هؤلاء مساحة للعمل في المدارس والجامعات والمؤسسات المختلفة، وأسهموا في الحياة التعليمية والثقافية والفكرية. ولم يكن ذلك يعني بالضرورة تبني الدول المضيفة للمشروع السياسي للإخوان، لكنه وفر لعدد كبير من الشخصيات فضاء للاستقرار والعمل والتأثير.
ومع مرور الوقت، تحولت بعض تلك الشبكات إلى رصيد فكري واجتماعي مهم لتيارات الإسلام السياسي في المنطقة.
ومن هنا تأتي المفارقة الحالية. فالعلاقة التي بدأت في مراحل كثيرة بالتعايش والاستفادة المتبادلة، انتهت لدى بعض الأطراف إلى خصومة سياسية وفكرية عميقة.
بدأ التباعد يتسع عندما اصطدمت فكرة التنظيم العابر للحدود بمفهوم الدولة الوطنية.
فبعض الحكومات الخليجية أصبحت تنظر إلى الحركات المنظمة ذات المرجعيات العابرة للدولة باعتبارها تحديا محتملا للسيادة الوطنية، خصوصا عندما بدأت بعض التيارات الإسلامية تتعامل مع المجال السياسي باعتباره امتدادا لمشروع تنظيمي أوسع.
في المقابل، رأت الحركات الإسلامية أن تضييق نشاطها السياسي يمثل استهدافا لها ولحقها في العمل العام.
وهكذا انتقلت العلاقة من مرحلة احتضان عدد من الكوادر إلى مرحلة الشك المتبادل، ثم إلى مواجهة سياسية مفتوحة في بعض الحالات.
لكن الحرب الحالية تعيد طرح المسألة بصورة أكثر حدة. إذ لم يعد الخلاف يتعلق بالمشاركة السياسية أو مستقبل التنظيمات، بل بسؤال مباشر حول أمن الدول.
هنا يظهر التناقض الأكثر وضوحا.
فإيران تمثل، من الناحية المذهبية والفكرية، خصما تقليديا لقطاعات واسعة من الحركات الإسلامية السنية. كما أن التنافس الإيراني مع عدد من الدول العربية شكل لعقود أحد أهم خطوط الصراع في المنطقة.
ومع ذلك، لم يمنع هذا التناقض ظهور تقاطعات سياسية بين إيران وبعض القوى الإسلامية السنية في ملفات إقليمية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل أو خصوم سياسيين مشتركين.
السياسة، في النهاية، قادرة على إنتاج تحالفات لا تبدو ممكنة من منظور العقيدة وحدها.
لكن هذه البراغماتية تواجه اختبارا صعبا عندما تصبح إيران طرفا في مواجهة تمس بصورة مباشرة أمن دول خليجية.
فكيف يمكن لحركة سياسية أن تتحدث عن التضامن الإسلامي، ثم تجد نفسها في موقع سياسي يخفف من خطورة تهديد دولة عربية لأن الخصم في المعادلة هو طرف آخر تختلف معه؟
وهل تصبح الخصومة المذهبية قابلة للتأجيل عندما تتقاطع المصالح السياسية، بينما تتحول الخلافات مع دول الخليج إلى أولوية أكثر ثباتا؟
ربما تكشف هذه الحرب عن واحدة من أعمق أزمات الإسلام السياسي المعاصر.
فالحركات التي نشأت على فكرة الأمة العابرة للحدود تواجه اليوم منطقة أصبحت فيها الدولة الوطنية اللاعب الأكثر قوة وتأثيرا.
قرار الحرب لا تملكه التنظيمات، والتحالفات العسكرية تصنعها الحكومات، والأمن الاقتصادي تحدده الدول ومؤسساتها. وفي لحظات الخطر، يصبح من الصعب فصل الموقف السياسي عن سؤال الولاء للمجال الوطني الذي يعيش فيه الأفراد والجماعات.
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية بالنسبة إلى بعض تيارات الإخوان: هل الأولوية للدولة التي وفرت المجال للعمل والاستقرار وأصبحت جزءا من أمن المنطقة، أم للتنظيم وشبكة تحالفاته السياسية العابرة للحدود؟
هذا السؤال لا يخص الإخوان وحدهم، بل كل الحركات التي تجمع بين مرجعية أيديولوجية عابرة للحدود ووجود داخل دول ذات مصالح وطنية محددة.
يعني الحديث عن الدور الذي لعبته دول الخليج في استضافة كوادر إسلامية في مراحل سابقة أن العلاقة كانت خالية من الخلافات، كما لا يمكن تحميل جميع المنتمين إلى تيار واحد المسؤولية عن مواقف سياسية تصدر عن شخصيات أو فروع بعينها.
لكن التاريخ يظل جزءا من تفسير الحاضر.
فكثير من الكوادر التي وجدت فرصا للعمل والتأثير في الخليج استفادت من مرحلة بناء المؤسسات الحديثة، وأسهمت بدورها في التعليم والحياة المهنية. غير أن التحول السياسي اللاحق كشف أن العلاقة بين الدولة والحركة الأيديولوجية يمكن أن تتغير بسرعة عندما تتعارض المصالح.
وهنا تبدو المفارقة أكثر وضوحا: هل تحولت بعض التنظيمات من الاستفادة من البيئة الخليجية إلى التعامل معها باعتبارها الخصم السياسي الأول، في الوقت الذي أصبح فيه التقاطع مع إيران، الخصم المذهبي التقليدي، أمرا ممكنا؟
تعيد الحرب إحياء مفردات قديمة عن وحدة الأمة الإسلامية، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن هذه الوحدة تصطدم بالواقع السياسي.
فلا يوجد موقف إسلامي واحد من إيران، كما لا توجد قراءة واحدة للصراع. المصالح الوطنية والمخاوف الأمنية والانقسامات المذهبية تجعل المنطقة أكثر تعقيدا من أي خطاب أيديولوجي موحد.
والإسلام السياسي يجد نفسه اليوم أمام اختبار لا يمكن تجاوزه بالشعارات.
فإذا كانت الوحدة الإسلامية تعني الوقوف مع الدول المسلمة عندما تتعرض للتهديد، فكيف يتم تحديد هذه الدول؟ ومن هو الخصم؟ وهل يمكن أن تتغير الإجابات تبعا للحسابات التنظيمية؟
أما إذا كانت السياسة هي التي تحدد التحالفات، فإن الخطاب العقائدي يفقد جزءا من قدرته على تفسير المواقف المتناقضة.
قد لا تؤدي الحرب إلى نهاية الإسلام السياسي أو عودته، لكنها تفرض عليه مراجعة جديدة.
فالمشكلة لم تعد في القدرة على التعبئة أو استدعاء شعارات الهوية والدين، بل في القدرة على تقديم موقف سياسي متماسك أمام تناقضات المنطقة.
من احتضان الخليج إلى تقاطع المصالح مع إيران، تبدو رحلة بعض تيارات الإسلام السياسي مليئة بالتحولات التي يصعب تفسيرها بالعقيدة وحدها.
واليوم، مع اقتراب الحرب من أمن الخليج، يصبح السؤال أكثر إلحاحا: هل تستطيع هذه التيارات إعادة تعريف علاقتها بالدولة الوطنية ومصالحها الأمنية، أم ستبقى رهينة منطق التنظيم والتحالفات العابرة للحدود؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي الذي تفرضه الحرب.
فقد تكشف المعارك العسكرية موازين القوة بين الدول، لكنها تكشف أيضا مواقف القوى السياسية. وفي حالة الإسلام السياسي، ربما يكون أصعب امتحان اليوم هو الإجابة عن سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالاته: عندما يتعارض المذهب مع السياسة، والتنظيم مع الدولة، إلى أي جانب يقف الإسلام السياسي؟
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/2E3LZTkIROBOWoiyqYW-9ajEkvXTnvKPYApVc9PwAwCh23gECI6uT0XBMEUQ3NSQjdgAiJIvaJIyGbIpV-lKM0jfkIOFAfVowblanHAzzDNHLAOKlMhKuvioXSK8_R4i8353GJvRyOlgS0TBDvxAq004OmPQPP2b48PXPx9lAO07vq36G-m6a5rLjnyruI51_0_0.jpg.webp?itok=qw2LceP-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85_13_0_0_0.jpg.webp?itok=ZO_Vty6S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_1_0_2_4_0_0.jpg.webp?itok=-cHwCCwn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0_0_0.jpg.webp?itok=fKO7P9Ko)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A5%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%20%D9%8A%D9%82%D8%AA%D8%B1%D8%AD%D9%88%D9%86%20%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9%20%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86%20%D9%84%D8%AD%D8%B8%D8%B1%20%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%A8%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%82%D8%B9%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%83%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A9_1_0.jpg.webp?itok=NkThRkGp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=Z6Fv-Lmi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B1%D8%AC%D9%85%D8%A9_69_3.jpg.webp?itok=qxkxn7au)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_15_0_0.jpg.webp?itok=t-mXGHy2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_1_0.jpg.webp?itok=alOU5WdY)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_5_1.jpg.webp?itok=uEAumhln)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_15.jpeg.webp?itok=ynLHbJN7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9_33_2.jpg.webp?itok=uQd1FL4U)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/_sD9pFcLZKy42tiHii0GMUtb0TSfPLIADhFudCwfeXIdCwr9ygmxFMv4XTC_A_vnBWHHVwfRjj8bOv-wlqi-Wiv4ChgYjI_l8pdgZC7dQPOWEsp9Qe1m69_BP07NNq98fANA9OWqiTH1ZUgOVckDZaoIcUwyzxWtS88IsxpG8ejRNCVTpF8xZIryQhNQUXqf%20%281%29.jpg.webp?itok=n5KOidFo)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_41_2.jpg.webp?itok=Tr91I-3E)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%84_3_0.jpg.webp?itok=I5_lX1SS)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_3_0.jpg.webp?itok=CtquzHfH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5e42a19cc2_1.jpg.webp?itok=l0nMHCkV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_3.jpg.webp?itok=ZtcTiEs_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4%20_0_0.jpg.webp?itok=uoeFySPp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
