
تقترب جماعة الإخوان المسلمين من إتمام قرنها الأول على التأسيس (1928) ، وهي تعيش اليوم واحدة من أعمق فترات تراجعها البنيوي والسياسي منذ نشأتها. فبعد السقوط الذي طال مشروعها السياسي في دول المنطقة عقب عام 2013، دخل التنظيم في نفق مظلم من التشظي الداخلي والتحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية المعاكسة لطموحاته.
ومع المتغيرات المتسارعة التي طرأت مؤخراً، تبرز على الساحة البحثية والسياسية تساؤلات مُلحة: هل يملك مشروع الإخوان المسلمين قابلية حقيقية للإحياء في الوقت الراهن؟ وما العقبات التي تحول دون ترميم هياكله المتداعية؟
في هذا السياق يسعى التقرير إلى رسم قراءة تحليلية تتناول الوضع الحالي للجماعة، والعوامل التي حددت ملامح تراجعها، وتقييم محاولات إحياء مشروعها، وصولاً إلى استشراف السيناريوهات المستقبلية لبوصلة التنظيم.
وضع الجماعة الحالي... تآكل الهيكل وتعدد مراكز القرار
لا يمكن الحديث اليوم عن" جماعة موحدة" تقود مشروعاً منسقاً؛ فالسمة الأبرز للوضع الراهن هي حالة الانقسام الثلاثي غير المسبوق في تاريخ التنظيم، إذ تنقسم الجماعة هيكلياً وفكرياً إلى ثلاث جبهات رئيسية تتصارع على المرجعية والتمويل والشرعية التنظيمية.
ـ جبهة إسطنبول: ويقودها محمود حسين، وهي جبهة توصف بالنمطية والمحافظة، وتركز جلّ طاقتها على الحفاظ على "الكتلة الصلبة" من الأتباع وإدارة الاستثمارات والموارد المالية المتبقية.
ـ جبهة لندن: وقد تشكلت كجناح موازٍ عقب وفاة إبراهيم منير، وتحاول تسويق نفسها للغرب كتيار إصلاحي يميل للتهدئة والوساطة السياسية، لكنّها تفتقر إلى النفوذ الفعلي على الأرض.
ـ "جبهة المكتب العام "تيار التغيير: وهي الجناح الشبابي الأكثر راديكالية، وتتشكل من المجموعات التي قادت الجماعة في فترات الصدام المباشر مع الدولة، وتتبنّى رؤية ثورية وتصادمية، وترفض جمود القيادات التاريخية.
تشير القراءة التحليلية للمشهد الراهن إلى أنّ مشروع جماعة الإخوان المسلمين بشكله التقليدي قد استنفد طاقته التاريخية والسياسية، وبات عاجزاً عن التكيف مع متطلبات الدولة الوطنية والتحولات الجيوسياسية الراهنة.
وتؤكد دراسة صادرة عن "المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية" للباحث صلاح وهبه، أنّ هذا الصراع تجاوز الخلاف الإداري التقليدي؛ ليعكس تآكلاً عميقاً في" مبدأ السمع والطاعة" الذي راهنت عليه الجماعة لعقود، فالاتهامات المتبادلة بالفساد المالي والإداري بين القيادات التاريخية أدت إلى تفتت الثقة لدى القواعد الشبابية في دول الشتات، كاشفة عن أزمة شرعية بنيوية يصعب ترميمها.
كيف تأثرت الجماعة؟ تلازم الضغوط الإقليمية والتشريعية
تأثرت الجماعة بسلسلة من الضربات المتلاحقة التي قيدت حركتها وأفقدتها حواضنها التقليدية، ويمكن إجمال مظاهر هذا التأثر في مسارين رئيسيين:
فقدان الحواضن الإقليمية وتبدل التحالفات: إذ شكّل التقارب الدبلوماسي بين القوى الإقليمية الكبرى، مثل (مصر والسعودية وتركيا (، ضربة قاصمة لجهاز الجماعة الإعلامي واللوجستي، فقد وجد الإخوان أنفسهم في موقف حرج بتركيا التي قيدت منصاتهم الإعلامية ودفعت بالكثير من قياداتهم إلى البحث عن ملاذات جديدة، يضاف إلى ذلك القرار الصادر بحظر الجماعة في الأردن، ممّا مثل نكسة استراتيجية لفرعها هناك.
التصنيف القانوني والتشريعي الدولي: شهدت الفترة الأخيرة تحولات قانونية بالغة الأثر؛ حيث اتجهت الولايات المتحدة نحو إصدار أمر تنفيذي يقضي بتصنيف فروع معينة من جماعة الإخوان (تحديداً في مصر والأردن ولبنان) كمنظمات إرهابية أجنبية.
وبحسب دراسة نشرها مركز "تريندز للبحوث والاستشارات"، فإنّ هذا القرار يمثل تحولاً نوعياً ينتقل من منطق المراقبة والاحتواء إلى التجريم القانوني والتضييق المؤسسي، وفي أوروبا،جاء التقرير الحكومي الفرنسي والتحركات الألمانية لتضييق الخناق على شبكات الإسلام السياسي والعمل الخيري المرتبط بالجماعة ليعمق من أزمتها المالية والتنظيمية.
وفي السياق ذلته تشير تحليلات "مركز المسبار للدراسات والبحوث" إلى أنّ الجماعة تدور في حلقة مفرغة من إعادة إنتاج الأزمة دون مخرج، حيث لم تعد قادرة على تقديم مبادرة سياسية تُقنع الجماهير أو ترضي الفاعلين الدوليين، وهو ما جعل وجودها في كثير من البيئات عبئاً سياسياً وتنظيمياً.
محاولات إعادة الإحياء... تكتيكات متجددة ونتائج متواضعة
أمام هذا الانسداد الشامل لم تتوقف محاولات إنعاش المشروع، لكنّها اتخذت طابعاً دفاعياً تكتيكياً يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية المتكاملة، ومن أبرز هذه المحاولات:
ـ التلون التنظيمي والواجهات البديلة: في دول مثل موريتانيا وليبيا، سعت الجماعة إلى "تغيير جلودها "للالتفاف على الحظر والتضييق القانوني، ووفقاً لتقرير "المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية"، استبدل الإخوان في موريتانيا جمعياتهم التاريخية بكيانات جديدة مرخصة لمواصلة العمل الاجتماعي والخيري، مثل (جمعية الإصلاح للأخوة والتربية (كبديل لجمعية المستقبل.
لا يمكن الحديث اليوم عن "جماعة موحدة "تقود مشروعاً منسقاً؛ فالسمة الأبرز للوضع الراهن هي حالة الانقسام الثلاثي غير المسبوق في تاريخ التنظيم، إذ تنقسم الجماعة هيكلياً وفكرياً إلى ثلاث جبهات رئيسية تتصارع على المرجعية والتمويل والشرعية التنظيمية.
وفي ليبيا، أعلن حزب العدالة والبناء تراجعه خطوة إلى الخلف عبر تأسيس جمعية "الإحياء والتجديد "في مناورة فسرها باحثون بأنّها محاولة للتنصل من تبعات الفشل السياسي والاستعداد للاستحقاقات الانتخابية بواجهة دعوية جديدة.
ـ إطلاق مشاريع ثورية جديدة: أعلنت جبهة" تيار التغييرـ المكتب العام" عن ولادة مشروع سياسي جديد يحمل اسم" ميدان"، ويهدف إلى إعادة الزخم للحالة التصادمية وإيجاد بديل للقيادات الهرمة. ورغم الهالة الإعلامية التي رافقت المشروع، فإنّه اصطدم بحالة من الفتور الشعبي ورفض الأجنحة الإخوانية الأخرى له، ممّا أكد غياب أيّ إجماع داخلي.
ـ الاستغلال المالي للتبرعات: كشفت تحقيقات وتقارير غربية عن استغلال شبكات مرتبطة بالجماعة لجمع التبرعات تحت لافتات إنسانية لتغذية أنشطتها التنظيمية، وهو ما واجهته الحكومات الأوروبية بتشديد الرقابة المالية وإجراءات تجميد الأصول.
هذه المحاولات تواجه عقبات معرفية وبنيوية ضخمة؛ فالجماعة لم تنجز حتى الآن مراجعة نقدية حقيقية لأفكارها التأسيسية، وظلت متمسكة بخطاب توظيفي ديني يرفع الحرج الشرعي عن خياراتها التنظيمية، ممّا يحول دون كسب ثقة الشارع مجدداً.
السيناريوهات المستقبلية... أين تتجه بوصلة التنظيم؟
بناءً على التقديرات البحثية الصادرة عن مراكز الفكر والدراسات الاستراتيجية، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الجماعة ومشروعها:
ـ سيناريو التكيف الشبكي والكمون المرجح: يفترض هذا السيناريو تراجع الجماعة كليّاً عن طموح الحكم والعمل السياسي المباشر والعلني، والعودة إلى استراتيجيات التغلغل الهادئ تحت لافتات خيرية وثقافية ودعوية في المجتمعات الغربية وبعض البيئات الهشة.
وبموجب هذا المسار، يتخلى التنظيم عن مركزيته التاريخية ليتكيف كشبكة لا مركزية معقدة تعتمد على المبادرات الفردية والمؤسسات المحلية المتفرقة، متقبلةً فكرة الغياب الطويل عن السلطة.
ـ سيناريو التشظي والاندماج في تيارات راديكالية: يتوقع هذا السيناريو عجز القيادات التاريخية المتصارعة عن لملمة الشتات، ممّا يدفع بالقواعد الشبابية المحبطة إلى مسارات متباينة؛ فإمّا اعتزال العمل الحركي كليّاً، وإمّا الانزلاق نحو التنظيمات الأكثر تشدداً وعنفاً كخيار انتقامي أو يائس، خاصة في ظل انسداد الأفق السياسي وتصاعد الضغوط الأمنية والتشريعية الدولية ضد فروع الجماعة.
ـ سيناريو التحلل التنظيمي مع بقاء الأثر الفكري: ينطلق هذا السيناريو من مقاربات علم الاجتماع السياسي، مثل" أطروحات تشارلز تيلي للحركات الاجتماعية"؛ حيث يصعب القضاء التام على فكرة تجذرت في الوعي الشعبي لعقود بمجرد قرارات إدارية، لكنّ هذا لا يعني بقاء التنظيم؛ فمن المحتمل أن يتحلل الهيكل التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين بشكل كامل نتيجة انقطاع التمويل وتلاحق الحظر القانوني، وتتحول الفكرة الأصلية إلى رواسب فكرية مبعثرة تتبناها شخصيات مستقلة دون إطار تنظيمي جامع.
وتشير القراءة التحليلية للمشهد الراهن إلى أنّ مشروع جماعة الإخوان المسلمين بشكله التقليدي قد استنفد طاقته التاريخية والسياسية، وبات عاجزاً عن التكيف مع متطلبات الدولة الوطنية والتحولات الجيوسياسية الراهنة.
وفي حين أنّ محاولات الإحياء لم تتوقف، فإنّها تظل محاولات موضعية ومحدودة الأثر لا ترقى إلى إنتاج مشروع حركي قادر على القيادة مجدداً، ويبقى الانسداد الراهن معلقاً ليس بمدى قدرة الجماعة على المناورة، بل بمدى عجز نخبها عن التحرر من أسر الهيكل التنظيمي المتيبس لصالح مراجعات فكرية حقيقية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%AC%D9%88%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%81%D9%8A%20%D9%85%D8%A3%D8%B1%D8%A8.jpg.webp?itok=vEDPj7id)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_1_0_12.png.webp?itok=NlkJmy2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1_5_4.jpg.webp?itok=xDBDAPfP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_4.jpg.webp?itok=j8uCSdgw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%B9%D9%8A%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%81%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A.jpg.webp?itok=rZesXfQv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8_77_0_0_4.jpg.webp?itok=6-C-ifoA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D9%8A%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=IZGOGP9L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D9%88%D9%85_0_0_0_0.jpg.webp?itok=m_GnUzM6)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22.jpg.webp?itok=d0zAs0_H)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%B9%D8%AF_4_0_1.jpg.webp?itok=z0NH8KoL)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_2.jpg.webp?itok=6xnH0ImP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1mpDtUyNuppx5wA4RLM50kLzs-N3DVqtOFyLTsKQNOfdoNI0SXRL41L4TalauhrWnJzqNeiqiO19JLllbIww_gs_Xbex6oxfXqqIunFxOaVjs5bblfAvwHVGIYs2GvUiK1Vlz9__xWFQ-OlxXYWNN2bh4KIE6hZR9C1VX4TG5UdHmS6xMn0k_qyTLoEXU6Io.jpg.webp?itok=4u-QQL8o)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5YTmzoxRDC9d4MmYVdeZ-s961mAllXxIWexH58DYTH4Ca3CxJ6td92-OSRFfcrckM8hdtTRYBcBBT4-tCjfiME-tN5gPkmrXuI1OqpSZ0LPQ8PFVl4jcBbjYdjDU-Qr27B7zbOY2bLjYpebK6gUD8qkAbEZtt6C33eqQHvE46uuyhlw75mD0pHUEeP-wPT7W.jpg.webp?itok=I39PCZfU)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)