
لم تكن التحولات التي عرفتها ليبيا خلال السنوات الماضية سهلة أو بسيطة، بل جاءت معقّدة ومركّبة على المستويات السياسية والميدانية والاجتماعية كافة. فمنذ العام 2011 شهدت البلاد مسارًا متسارعًا من التغيّرات العنيفة والعميقة التي أعادت تشكيل بنية الدولة والمجتمع، وفتحت المجال أمام فاعلين سياسيين وتنظيميين لإعادة ترتيب مواقعهم وأدواتهم داخل مشهد شديد السيولة والاضطراب.
وفي هذا السياق برزت محاولات متكررة من قِبل تيارات الإسلام السياسي لإعادة تعويم تنظيماتها وتكييف خطابها بما يتلاءم مع حجم الضغوط المحلية والإقليمية. ويُعدّ إعلان حل جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، وما تلاه من تأسيس كيانات ذات طابع دعوي واجتماعي، نموذجًا واضحًا لسياسة التخفّي وإعادة إنتاج النفوذ بأدوات أكثر ملاءمة للواقع الليبي. فهذه التحركات قُدِّمت للرأي العام باعتبارها مراجعات فكرية وانسحابًا طوعيًا من المجال السياسي، غير أنّ مراقبين يرون فيها محاولة لاحتواء أزمة الإسلام السياسي في المنطقة، وترك المجال مفتوحًا أمام صيغ تنظيمية بديلة، خاصة في ظل استمرار التشابكات وتبادل الأدوار مع المؤسسات الدينية والسياسية.
وفي هذا الإطار اعتبر عدد من الباحثين والكُتاب الليبيين أنّ إعلان حل جماعة الإخوان المسلمين، فرع ليبيا، الصادر في أيار (مايو) 2021 لم يكن سوى خطوة شكلية هدفت إلى امتصاص الغضب الشعبي وإعادة تقديم التنظيم بواجهة جديدة. وأشاروا إلى أنّ الإعلان عن تأسيس "جمعية الإحياء والتجديد" جاء كجزء من هذا المسار، حيث جرى تقديمها كجمعية دعوية واجتماعية، في وقت أُسندت فيه قيادتها إلى شخصيات معروفة في الأوساط الليبية بتوجهاتها وأفكارها. كما أنّ غياب أيّ مراجعات فكرية معلنة، إلى جانب الغموض الذي يحيط بمنسوب التعاون والتفاعل بين تلك المؤسسات، يعزز الشكوك حول ما إذا كانت تمثل، في حقيقة الأمر، امتدادًا تنظيميًا للجماعة نفسها، في الوقت الذي تبدو فيه بعض هذه التنظيمات كأنّها تمثل اختلافًا في الشكل وآليات العمل، لا في المرجعيات أو الأهداف بعيدة المدى.
حلّ جماعة الإخوان بين المراوغة السياسية وتضليل الرأي العام
في هذا السياق، قال عبد الله الغرياني، الكاتب الليبي: إنّ ما حدث في شهر أيار (مايو) عام 2021 لم يكن في حقيقة الأمر سوى إعلان ميت، ومراوغة من جماعة الإخوان، فرع ليبيا. ولفت إلى أنّ ذلك الإعلان جاء بعد بيان سابق عن حلّ الجماعة في مدينة الزاوية في شهر آب (أغسطس) عام 2020، أعقبه بيان آخر لحل الجماعة في مصراتة في شهر تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه.
وأوضح الغرياني في حديثه لـ (حفريات) أنّ بيان حل الجماعة الصادر في أيار (مايو) عام 2021 كُتب بصياغة ركيكة جداً ومغايرة لطبيعة بيانات الجماعة، سواء من حيث المضمون أو من حيث ضخامة الخطوة. وأشار إلى أنّ الجماعة حاولت من خلال البيان مخاطبة الرأي العام، وقد ورد في مقدمته تحت عنوان (بيان للناس)، إلا أنّ البيان كان مليئاً بالمصطلحات المبهمة، وادعاءات المظلومية، ومحاولات التسويق لفكرة أنّ الإخوان كانوا خارج الإطار السياسي، وأنّ هذه الخطوة جاءت نتيجة ظروف المرحلة والتحديات التي ترفض الجماعة الانخراط فيها.
وبيّن أنّ الجماعة أعطت في بيان الحل إشارات توحي بأنّها كانت تكافح من أجل التغيير، بل ذهبت إلى حد احتكار الثورة الليبية في عام 2011، واخترعت وصف "الثورة المضادة"، الذي مارست من خلاله الوصاية على عمليات التغيير التي شهدتها المنطقة وصنعتها الشعوب. وأضاف أنّ الجماعة تعمدت إخفاء حقيقة تحالفاتها مع الأنظمة السياسية التي أسقطتها الشعوب، ومن بينها النظام السياسي في ليبيا، حيث لعبت دور المقاول لمشروع التوريث الذي كان يقوده القذافي الابن (سيف)، وانخرطت في صياغة ما عُرف بالمراجعات الفكرية التي أُعلن عنها برفقة قيادات من الجماعات الإسلامية الأخرى في طرابلس في بدايات الألفية.
تغيير في القيادة أم إعادة إنتاج للتنظيم نفسه؟
وفي السياق ذاته أكد الغرياني أنّ بيان إنشاء جمعية الإحياء والتجديد جاء نتاجاً لتشخيص الشارع الليبي لطبيعة العمل التخريبي الذي مارسته الجماعة، ومحاولاتها المستمرة للهيمنة على الدولة الليبية ومؤسساتها، عبر سياسات الإقصاء والترهيب، واستهداف الجيش والشرطة وإضعافهما، مقابل دعم وتمويل الميليشيات المسلحة.
وأوضح أنّ قيادة الجمعية أُسندت إلى نائب المراقب العام لجماعة الإخوان، فرع ليبيا، سالم بوحنك، وهو سجين سابق على ذمة قضايا مرتبطة بنشاط الجماعات الإسلامية في بدايات وأواخر التسعينيات. واعتبر أنّ هذه الخطوة تؤكد أنّ إعلان حل جماعة الإخوان، فرع ليبيا، لم يكن سوى تغيير شكلي في الاسم، دون أيّ مراجعة حقيقية للفكر أو الإيديولوجيا، إذ لم يتضمن البيان أيّ إشارة إلى ذلك، واكتفى بالحديث عن أنّ مسار جمعية الإحياء والتجديد سيكون اجتماعياً توعوياً وتثقيفياً، بعيداً عن السياسة التي قالوا إنّها شوّهت صورتهم. وشدد الباحث الليبي على أنّه عند التعمق في بنية الجمعية، نجد أنفسنا أمام جماعة الإخوان ذاتها، فرع ليبيا.
وأشار الغرياني إلى أنّ المشهد الليبي لا يخلو من هذا النوع من الازدواجية، حيث تظهر الجماعة أحياناً بصورة متسامحة وجمالية، وأحياناً أخرى بصورة متشددة ومتطرفة، وهو ما تحاول استثماره في المشهد السياسي الليبي. وقال إنّ هناك حزباً يدّعي السعي إلى السلام، وآخر يدفع نحو الانقسام، وجماعة تتخفى خلف مسمّى جمعية، يقودها نائب المراقب العام سالم أبو حنك، إلا أنّ الجميع يعود إلى مرجعيات واحدة، مع اختلاف في أساليب التنفيذ وتوزيع الأدوار.
واختتم الكاتب الليبي بالإشارة إلى أنّ الجماعة حاولت إضفاء صبغة قانونية على الجمعية من خلال حصولها على إذن مزاولة من وزارة الثقافة بحكومة الوحدة الوطنية، في إصرار واضح على تمرير فكرة قال إنّها وُلدت ميتة. وأضاف أنّه مع مرور الوقت، كشفت الجماعة عن نفسها بنفسها، سواء من خلال أعضاء الجمعية أو أبرز المدونين على منصاتها، فضلاً عن استمرار نشاطها الخارجي، خصوصاً في تركيا وقطر وبعض الدول الإسلامية والأوروبية. وأكد أنّ هذا النشاط عززته علاقات الجماعة بالحكومة في طرابلس، وبالمفتي المعزول بقرار مجلس النواب، الصادق الغرياني، مشيراً إلى أنّ الجميع يعمل من منطلقات واحدة، وإن اختلفت أساليب التعاطي.
ازدواجية الخطاب الإخواني وتشابك الدعوي بالسياسي في المجال الليبي
من جانبه، قال الدكتور خالد محمد الحجازي: إنّه في ظل التحوّلات التي عرفها المشهد الليبي بعد 2011 أعاد الإسلام السياسي ترتيب أدواته وخطابه، فبرزت جمعيات ذات طابع دعوي واجتماعي، من بينها "جمعية الإحياء والتجديد"، التي تُقدَّم للرأي العام باعتبارها جمعية دعوية تُعنى بالإصلاح والتربية والعمل المجتمعي.
غير أنّ هذا الظهور، كما أوضح الحجازي في تصريحاته لـ (حفريات)، يطرح تساؤلات جدّية حول العلاقة بين الشكل الدعوي المعلن والخلفية التنظيمية المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.
ورغم الخطاب الهادئ والابتعاد الظاهري عن السياسة، شدّد الكاتب الليبي على أنّ الجمعية ما تزال تتحرّك ضمن الإطار الفكري نفسه، مع تغيير في الأدوات والواجهة. فغياب الشعارات التنظيمية لا يعني بالضرورة غياب المرجعيات أو الأهداف بعيدة المدى، بل قد يندرج ضمن سياسة "إعادة التموضع" التي تعتمدها الجماعة في بيئات ضاغطة.
وأشار إلى أنّه هنا يبرز تقاطع واضح في الخطاب والمواقف بين الجمعية وعدد من المؤسسات، أبرزها دار الإفتاء الليبية، حيث يظهر انسجام في القضايا العامة، وهو ما يمنح الجمعية غطاءً دينيًا وتأثيرًا أوسع. ويتقاطع نشاطها ـ بشكل غير مباشر ـ مع حزب العدالة والبناء، الذراع السياسية للإخوان، إلى جانب انسجام سياسي عام مع توجهات المجلس الأعلى للدولة الليبي. وفي هذا التشابك تكمن صعوبة الفصل بين الدعوي والسياسي في التجربة الإخوانية الليبية.
وعلى مستوى أوسع حذّر الحجازي من أنّ المشهد الليبي لا يبدو معزولًا عن السياق الإقليمي، فالتشابه في الخطاب وتكرار نماذج التحوّل من تنظيم إلى جمعية يشيران إلى استمرار التواصل الفكري والتنظيمي مع قيادات الخارج والتنظيم الدولي، وإن ظل ذلك بعيدًا عن الإطار العلني.
وختامًا، لفت إلى أنّ "جمعية الإحياء والتجديد" تمثل حالة دالة على تحوّل الإسلام السياسي في ليبيا من العمل التنظيمي المغلق إلى واجهات دعوية ناعمة. لكنّ هذا التحوّل يظل محل نقاش، بين من يراه تطورًا طبيعيًا، ومن يعتبره تغييرًا في الشكل لا في الجوهر، مع بقاء الأسئلة مفتوحة حول الاستقلال الحقيقي وحدود الفصل بين الدعوي والتنظيمي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%AC%D9%88%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%81%D9%8A%20%D9%85%D8%A3%D8%B1%D8%A8.jpg.webp?itok=vEDPj7id)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_1_0_12.png.webp?itok=NlkJmy2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1_5_4.jpg.webp?itok=xDBDAPfP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_4.jpg.webp?itok=j8uCSdgw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%B9%D9%8A%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%81%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A.jpg.webp?itok=rZesXfQv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8_77_0_0_4.jpg.webp?itok=6-C-ifoA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D9%8A%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=IZGOGP9L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D9%88%D9%85_0_0_0_0.jpg.webp?itok=m_GnUzM6)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22.jpg.webp?itok=d0zAs0_H)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%B9%D8%AF_4_0_1.jpg.webp?itok=z0NH8KoL)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_2.jpg.webp?itok=6xnH0ImP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1mpDtUyNuppx5wA4RLM50kLzs-N3DVqtOFyLTsKQNOfdoNI0SXRL41L4TalauhrWnJzqNeiqiO19JLllbIww_gs_Xbex6oxfXqqIunFxOaVjs5bblfAvwHVGIYs2GvUiK1Vlz9__xWFQ-OlxXYWNN2bh4KIE6hZR9C1VX4TG5UdHmS6xMn0k_qyTLoEXU6Io.jpg.webp?itok=4u-QQL8o)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5YTmzoxRDC9d4MmYVdeZ-s961mAllXxIWexH58DYTH4Ca3CxJ6td92-OSRFfcrckM8hdtTRYBcBBT4-tCjfiME-tN5gPkmrXuI1OqpSZ0LPQ8PFVl4jcBbjYdjDU-Qr27B7zbOY2bLjYpebK6gUD8qkAbEZtt6C33eqQHvE46uuyhlw75mD0pHUEeP-wPT7W.jpg.webp?itok=I39PCZfU)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)