
محمد صالح الهوني
السؤال الأصعب ليس كيف تواجه العنف، بل كيف تتعامل مع ما هو أشد خطورة وأقل وضوحا: الحركات التي تعمل ضمن القانون، تحترم إجراءاته الشكلية، وتستخدم حرياته، لكنها تحمل في جوهرها مشروعا يتحدى المنطلقات التي تقوم عليها هذه الديمقراطيات. جماعة الإخوان المسلمين وامتداداتها الأوروبية باتت اختبارا لهذه المعضلة، وما يكشفه الخلاف الأوروبي – البريطاني حولها لا يخص الأمن وحده، بل يمسّ تعريف الديمقراطية الغربية لنفسها.
الموقف البريطاني من جماعة الإخوان ومن الإسلام السياسي عموما لا يمكن فهمه بمعزل عن التقليد الليبرالي الراسخ الذي يُشكّل العقل السياسي البريطاني. هذا التقليد يقوم على ثلاثة مبادئ متداخلة: افتراض البراءة إلى أن يثبت العكس، التمييز الصارم بين الفكر والفعل، وتفضيل الاندماج على العزل باعتباره الوسيلة الأكثر نجاعة لتجفيف منابع التطرف.
على هذا الأساس، رفضت الحكومات البريطانية المتعاقبة تصنيف جماعة الإخوان تنظيما إرهابيا، في حين أدرجت حركة حماس وغيرها من التنظيمات العنيفة على قائمتها الإرهابية. المنطق هنا يقوم على فصل صريح: ما لم يتبنَّ التنظيم العنف أداةً مشروعة، فإن محاسبته قانونيا تظل أمرا عسيرا في ظل قانون بريطاني يحمي التعبير والتنظيم السياسي حتى حين يكون مثيرا للجدل.
على مدار عقود، تعاملت أجهزة بريطانية مع فاعلين إسلاميين ينتمون إلى الفضاء الفكري للإخوان، باعتبارهم شركاء محتملين في مواجهة التطرف الجهادي. المنطق كان: من الأفضل أن يتحدث الشباب المسلم مع جماعات إسلامية سياسية معتدلة بدلاً من أن ينجرف نحو تنظيمات تتبنى العنف صراحةً.
لكن هذا المنطق يواجه اليوم تشككا متزايدا داخل بريطانيا ذاتها. أصوات أكاديمية وسياسية، من مختلف الانتماءات الحزبية، باتت تتساءل: هل الخط الفاصل بين الإسلام السياسي غير العنيف والتطرف العنيف حقيقي أم أنه وهم تحليلي؟ الحجة الأشد ثقلا هي أن منظومة القيم التي تحملها هذه الحركات، في مسائل المساواة بين الجنسين والعلاقة بين الدين والدولة والهوية الجماعية، تتعارض مع المرتكزات الأساسية للديمقراطية الليبرالية، وأن السماح لها بالعمل الحر يعني في نهاية المطاف توفير بيئة لأيديولوجيا تنتهي إلى أحد طريقين: إما التطرف العنيف وإما الاستقطاب الأيديولوجي الهادئ الذي ينخر الديمقراطية من الداخل.
حين نعبر القنال إلى القارة الأوروبية، نجد مقاربات تختلف في درجاتها لكنها تتقاطع في خلاصتها. ألمانيا وفرنسا والنمسا دول يجمعها قاسم مشترك: تجارب اجتماعية مع جاليات مسلمة كبيرة كشفت، في نظر صانعي السياسات فيها، أن الإسلام السياسي المنظَّم لا يسعى فقط إلى التعبير عن هوية دينية بل إلى تشكيل فضاءات موازية داخل المجتمع.
الأداة التحليلية التي تعتمدها هذه الدول مختلفة جوهرياً عن الأداة البريطانية. بدلا من الانتظار حتى يصدر العنف لتُطلق المقاضاة، تتبنى دول مثل ألمانيا نهجا استباقيا يرصد ما تسميه “التطرف المخلّ بالنظام الدستوري”، وهو مفهوم يتيح لأجهزة الرقابة الدستورية كالمكتب الفيدرالي لحماية الدستور رصد المنظمات ورفع تقارير عنها حتى حين لا تقدم على أعمال عنيفة.
في فرنسا، يضاف إلى هذا بعد آخر: الخصوصية الفرنسية للعلمانية، التي تعدّ إدخال الهوية الدينية إلى الفضاء العام تهديدا للعقد الاجتماعي بصرف النظر عن طبيعة الهوية الدينية المعنية. هذا ما جعل فرنسا تتبنى منذ زمن الرئيس ماكرون خطابا صريحا ضد ما وصفه بـ”الانفصالية الإسلامية”.
النمسا بدورها ذهبت أبعد على هذا الطريق، بحظر منظمات تصفها بالمرتبطة بالإخوان ووضع أحكام قانونية تستهدف ما أسمته “الإسلام السياسي” كفئة مستقلة تستدعي استجابة أمنية.
ما يجعل المشهد الأوروبي بالغ التعقيد هو استحالة تبني سياسة موحدة لسبب بسيط: ظروف الجاليات المسلمة في أوروبا تختلف من دولة إلى أخرى اختلافا يجعل وصفة علاجية واحدة أمرا مستبعدا.
الجاليات المسلمة في بريطانيا جاءت في معظمها من جنوب آسيا وتحمل ثقافات دينية وسياسية مختلفة عن الجاليات المغاربية في فرنسا أو التركية في ألمانيا. درجة اندماجها تختلف، وطبيعة علاقتها بالإسلام السياسي المنظّم تختلف، وبالتالي طبيعة “التهديد” إن اعتُبر كذلك تختلف.
هذا التنوع يفسّر لماذا تبقى محاولات بناء قائمة أوروبية موحدة للتنظيمات المرتبطة بالإخوان أمرا عسيرا. لكنه لا يعني غياب اتجاه عام. والاتجاه العام في السنوات الأخيرة يسير نحو مزيد من التدقيق والرقابة على شبكات التمويل وعلى المضامين التعليمية في المدارس والجمعيات المرتبطة بهذا الفضاء الأيديولوجي. التحول بطيء لكنه ملحوظ.
ما يجعل هذا الجدل متجاوزا لجماعة الإخوان بعينها هو أنه يُعيد طرح سؤال فلسفي – سياسي لم تُحسمه الديمقراطيات الغربية قط: كيف تتعامل ديمقراطية ليبرالية مع حركة تعمل ضمن قانونها لكنها تسعى إلى تغيير منطلقاته الأساسية؟
المفارقة العميقة هي أن الديمقراطية الليبرالية بُنيت على مبدأ التعددية، بما في ذلك التعددية الفكرية التي تسمح لتيارات متعارضة بالتعبير عن نفسها. لكن هذه التعددية تواجه تحديا حين يكون التيار المعني يعتقد في نهاية مطافه بأن التعددية ذاتها خطأ يجب تجاوزه. هذا ما عبّر عنه الفيلسوف كارل بوبر في مفارقة التسامح الشهيرة: المجتمع المتسامح إذا تسامح مع اللامتسامحين دون حدود سيتم تدمير التسامح في نهاية المطاف.
المقاربة البريطانية تجيب على هذا التحدي بقول: الانفتاح هو الدرع الأفضل لأن العزل يغذّي الغضب ويعمّق الاستقطاب. المقاربة القارية تجيب: الانفتاح دون حدود يتيح لحصان طروادة أن يتمركز في قلب المدينة. وواشنطن تقول: السؤال ليس عن النوايا المحلية بل عن التداعيات الأيديولوجية العالمية.
الحقيقة، على الأرجح، أن هذه المقاربات الثلاث تشخّص أبعادا مختلفة للمشكلة ذاتها، ولا تملك أي منها الإجابة الكاملة. الانفتاح البريطاني ينتج اندماجا حقيقيا في جزء من الحالات وينتج تمكينا للشبكات الأيديولوجية في جزء آخر. والصرامة القارية تمنع التمركز المؤسسي لهذه الشبكات لكنها تخاطر بتهميش جاليات كاملة وإرسالها إلى أحضان التطرف.
ما يبدو واضحا هو أن أي رد ديمقراطي فعّال يحتاج إلى معيار موضوعي يتجاوز ثنائية العنف/اللاعنف من جهة وثنائية الحظر الشامل/الانفتاح غير المشروط من جهة أخرى. وهذا المعيار لم يُصَغ بعد بصورة مقنعة في عواصم لندن وباريس وبرلين وواشنطن على حد سواء. والجدل مستمر، وأرضيته ستتوسع مع كل أزمة اندماج جديدة وكل هجوم إرهابي جديد وكل انتخابات تجعل هذا الملف ورقة في مزايدات الرأي العام.
الديمقراطية الغربية لا تواجه في هذا الجدل تهديدا خارجيا فحسب. تواجه أيضا اختبارا لمتانة قيمها الداخلية وقدرتها على التمييز بين الحماية والانغلاق، بين اليقظة والعدالة، بين الدفاع عن النفس والانتحار عبر التخلي عن المبادئ التي تجعل الدفاع عنها جديرا بالثمن.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=rFxaYlH2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%8A%D9%83%D8%AA%D9%88%D9%83_1.jpg.webp?itok=YPGQ60Qj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0.jpg.webp?itok=YV4_lHmb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_2_1_1.jpg.webp?itok=A4Q46mn_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9_13_0_1_1_16_0.jpg.webp?itok=kI8vOUYI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_178_1_0.jpg.webp?itok=cuNspvB2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9_10_0.jpg.webp?itok=bfSSMhOR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_1_1.jpg.webp?itok=SehCh_I6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1%20%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1%D9%8A_1.jpg.webp?itok=XGvLgfPl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_1.jpg.webp?itok=DLZsQQh7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187_0.png.webp?itok=j1w4rlKQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9_3.png.webp?itok=By5KgSz2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9ac9f2d8-fccc-4485-88bc-f0133e15bb31.png.webp?itok=3fQUQuIy)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)