خامنئي الابن بين الاستسلام للراديكاليين أو الانقلاب المنتظر

خامنئي الابن بين الاستسلام للراديكاليين أو الانقلاب المنتظر

خامنئي الابن بين الاستسلام للراديكاليين أو الانقلاب المنتظر


04/06/2026

حسن فحص

لم تأتِ الرسالة الأخيرة للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي من فراغ، بخاصة ما يتعلق بالصراعات الداخلية بين القوى السياسية، والدعوة لعدم تحويلها إلى انقسام عمودي داخل المشهد السياسي، لا سيما في هذه المرحلة الدقيقة والمصيرية من تاريخ إيران. فالرسالة التي جاءت بمناسبة السنة البرلمانية الجديدة وإعادة انتخاب محمد باقر قاليباف رئيساً، أكدت تنامي هذا الصراع الذي يقوده التيار الراديكالي أو المتشدد من خلال ما يملكه من نفوذ وسيطرة داخل العديد من المؤسسات والمجالات الحيوية والمؤثرة في العملية السياسية، سواء مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الرسمية وغير الرسمية، أو إدارات الدولة والمؤسسات الدينية والثقافية التي تعمل على ترويج سرديته السياسية والثقافية والأيديولوجية، وأيضاً الكتلة البرلمانية التي حاولت إقصاء قاليباف ومنع إعادة انتخابه، محاولة بذلك توجيه ضربة مباشرة لعملية التفاوض وإضعاف الشرعية السياسية لكبير المفاوضين.

والحراك الذي قام به الراديكاليون، يأتي رداً على محاولات استبعادهم عن دائرة القرار الأساسية وما يعنيه ذلك من تراجع في قدرتهم على التأثير المباشر في القرارات الاستراتيجية والمصيرية.

ولعل أخطر ما قام به هذا التيار، هو التشكيك بقرارات المرشد الجديد، من خلال التصويب على المجلس الأعلى للأمن القومي، واتهام هذا المجلس بمصادرة صلاحيات المرشد وفرض قرارات ومواقف تخدم مصالح وسياسات الدائرة الجديدة المحيطة به. وتقدير هذه الجماعة أن هذه القرارات لا تأخذ في الاعتبار عينه المصالح الاستراتيجية للنظام و"الجمهورية الإسلامية" بحسب تعبيرهم، واعتبار قرار التفاوض ووقف الحرب الذي اتخذه المجلس الأعلى للأمن القومي ومنظومة القرار الجديدة، لا ينسجم مع توجهات ونوايا المرشد الجديد ومواقف ولاية الفقيه المطلقة، متناسين في الوقت نفسه، أن كل القرارات التي تصدر عن هذا المجلس تتم بالإجماع ولا تأخذ صفة التنفيذ والمشروعية إلا بعد موافقة وإقرار المرشد الأعلى عليها.

المحطة الأبرز التي تعبّر عن مواقف هذه الجماعة، هو البيان الذي أصدره نحو 60 نائباً برلمانياً يمثلون هذا التيار، وصوبوا فيه على المفاوضات التي أجريت مع واشنطن برعاية باكستانية، وما حمله من اتهام مبطّن لمجلس الأمن القومي والفريق المفاوض بإعطاء الجانب الأميركي الفرصة لإعادة ترميم قدراته والعودة إلى استهداف إيران ونظامها.

القيادات الراديكالية التي سبق لها أن شككت قبل اغتيال المرشد الأعلى، بقدرة مجتبى خامنئي في إدارة النظام وقيادته، وأنه يفتقر لأي تجربة إدارية ومؤسسية، وقد لا يكون مستبعداً بعد تحول قيادته إلى أمر واقع، بأن تكون في صدد التفكير بإيجاد مركز جديد للقرار، يعمل من أجل ضرب الدائرة الجديدة التي تشكل منظومة القرار حول المرشد الجديد، والحلول مكانها، ما يسمح لها بالعودة إلى الواجهة والسيطرة على مفاصل القرار من جديد من خلال السيطرة على محيط وقنوات التواصل مع المرشد باعتباره القائد الأعلى للنظام والدولة والقوات المسلحة، ما يسمح لها بالتالي من تشكل دائرة أمان لمصالحها ومكاسبها التي بدأت تتقلص نتيجة ما تتعرض له من حصار وتضييق وعزلة، سواء داخل المنظومة أو اجتماعياً، حتى داخل القوى المحافظة التي كانت تشكل الحامل الرئيس للنظام الإسلامي.

أخطر ما لجأت إليه هذه الجماعة، وتحولها إلى مادة انشغلت بها غالبية وسائل الإعلام ومراكز الدراسات الدولية، هو التسريب الذي تحدث عن وجود خلافات حادة داخل منظومة القرار في النظام، والترويج لرواية استبعاد قاليباف عن رئاسة الوفد الإيراني المفاوض.

ولعلّ الصدمة الأبرز التي أصابت هذه الجماعات، المشهد الشعبي والتجمعات اليومية التي تشهدها الشوارع الإيرانية بمشاركة كل فئات الشعب، ليس دعماً للنظام، بل دفاعاً عن إيران ووحدة أراضيها وسيادتها أمام هذا العدوان وهو ما يحتاجه النظام لإعادة ترميم شرعيته الشعبية.

هذا المشهد الشعبي، استفاقت ذاكرة المتشددين لتستعيد موقفها من موضوع تطبيق قانون الحجاب الذي رفضت حكومة الرئيس مسعود بزشكيان إصدار مراسمه التطبيقية بدعم من المرشد الراحل وقرار من المجلس الأعلى للأمن القومي، وسعت لاستغلال هذه التجمعات وتحويلها إلى منصات لاستهداف الحكومة والنظام والفريق المفاوض والمجلس الأعلى للأمن القومي، وهي مراكز يمكن تلخيصها تحت عنوان واحد هو مؤسسة المرشد أو ولاية الفقيه. وقد لعبت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون بقيادة رئيسها بيمان جبيلي ونائبه وحيد جليلي شقيق سعيد جليلي دوراً مسانداً لهذا التوجه على حساب إرهاصات واضحة لظهور تيار عقلاني وعقلائي يمثل شريحة واسعة من المكونات المجتمعية يعمل من أجل قطع الطريق على إدخال إيران في منعطف خطر ووجودي.

محاولة التيار الراديكالي العودة إلى الفعل والتأثير في المشهد السياسي في هذه المرحلة، قد تكون نتيجة شعور بين أقطابه بأن المسار الذي بدأت تأخذه العملية السياسية منذ انتخاب مسعود بزشكيان رئيساً للجمهورية على حساب مرشحهم سعيد جليلي، هو مسار قد يؤدي للقضاء عليهم وإخراجهم من التركيبة السياسية، بخاصة أن بزشكيان بعد انتخابه كان واضحاً في التعبير علناً عن دور المرشد الثاني في قطع الطريق على محاولة التلاعب بنتائج الانتخابات، وأن دعم المرشد السابق ومظلة الحماية التي قدمها له، سهّلت إعلان فوزه، ولاحقاً سهّلت عملية تشكيل الحكومة التي حاول "الراديكاليون" (الثابتون) عرقلتها أو فرض ممثلين لهم فيها.

اغتيال المرشد، جعل الراديكاليين يدركون بأن الشخصية التي كانت تمسك بعصا التوازن لم تعد موجودة، وبالتالي فإن المرحلة المقبلة، تفرض عليها الانتقال إلى صراع مفتوح وبدء هجوم استباقي لإعادة تثبيت موقعها داخل منظومة القرار أو مصادرتها بالكامل، انطلاقاً من اعتقادها بضعف مؤسسة المرشد الجديد الذي بات الشريك الأضعف في معادلة السلطة مع مؤسسة "حرس الثورة" على العكس من والده المرشد السابق الذي كان الشريك الأقوى، وأن تداعيات الحرب وما ستتركه من آثار سلبية اقتصادية واجتماعية وسياسية، وتحدياته المعقدة لن تسمح له (للمرشد) باستعادة السيطرة والإمساك بالقرار بقوة وبسرعة، وأنه قد يكون الطرف الأضعف مقابل تنامي دور "حرس الثورة".

هذا التيار ومن خلال الأداء السياسي الذي يقوم به في هذه المرحلة، بخاصة ما بعد الحرب وقيادة مجتبى خامنئي، ما زال يطمح للقيام بانقلاب على السلطة والمرشد، وأن يكون هو صاحب القرار في إيران الجديدة بعد الانتقال إلى التفاهم والاتفاق مع الولايات المتحدة.

من هنا يمكن فهم التضخيم الإعلامي الذي تعتمده القوى السياسية الإيرانية لما يقوم به الراديكاليون ومواقفهم، فهي ترى أن الفرصة باتت سانحة أمامهم لإعادة تصويب مسارات النظام على معطيات مختلفة من الشراكة والتشارك والتعايش، وبالتالي التخلص من كل مصادر القلق والتهديد والانتكاس التي قد يشكلها المتشددون وسياستهم الاقصائية والانعزالية.

اندبندنت عربية




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية