
مختار الدبابي
منذ بدء الحديث عن التوصل إلى تفاهم جديد بين الولايات المتحدة وإيران، انصبّ الاهتمام على تفاصيل البرنامج النووي ومستقبل العقوبات وآليات الرقابة والتفتيش. غير أن الأثر الأعمق لأي اتفاق محتمل قد لا يكون في نصوصه الفنية، بل في الصورة السياسية التي سيرسمها عن ميزان القوى في المنطقة، وعن قدرة واشنطن على فرض إرادتها في مواجهة خصم أمضى عقودا في اختبار حدود النفوذ الأميركي.
السؤال الذي ينتظره المحللون بعد نهاية الحرب: من سيكون بيده حق رسم خرائط النفوذ الجديدة في الشرق الأوسط؛ واشنطن أم طهران؟
المفاوضات الطويلة التي اتسمت بالتأجيل المستمر، والحديث المتكرر عن عقبات وخلافات فنية، ينظر إليها كثير من المراقبين في الشرق الأوسط باعتبارها دليلا على نجاح إيران، ولو مؤقتا، في اعتماد استراتيجية تقوم على شراء الوقت وإغراق المباحثات في التفاصيل، بما يمنع الوصول إلى لحظة الحسم التي كانت واشنطن تسعى إليها.
وفي الوقت ذاته تدرك طهران أن خيار الحرب الشاملة لا يبدو سهلا أو مفضلا بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها بعد سنوات من الأزمات الإقليمية المكلفة، وهو ما يشجعها على مواصلة لعبة شراء الوقت، ودفع دونالد ترامب إلى حالة قصوى من التوتر ونفاد الصبر، ولكن من دون ردة فعل حاسمة.
الاختبار الأهم يتمثل في مضيق هرمز. فترامب يقول إن المضيق سيعود كما كان، دون رسوم أو تفتيش أو توجيه من أي جهة، بينما يؤكد الحرس الثوري أن إيران لن تتراجع خطوة واحدة إلى الوراء فيما يتعلق بالنظام الإداري الجديد للمضيق.
هذا الغموض قد يدفع إلى اتفاق مستعجل وتحت ضغط الوقت، بحيث يعلن كل طرف أنه حقق شروطه. لكن الاختبار الحقيقي سيبدأ عند مرحلة التنفيذ.
وإذا انتهت المفاوضات إلى اتفاق لا يعكس بوضوح قدرة واشنطن على فرض شروطها الأساسية، فإن التداعيات ستتجاوز الملف النووي لتطال صورة الولايات المتحدة نفسها في الإقليم. فالشرق الأوسط لا يقيس النفوذ بالتصريحات الرسمية، بل بالنتائج العملية وبقدرة القوى الكبرى على تحويل مطالبها إلى وقائع سياسية.
في العراق، على سبيل المثال، قد يشجع أي انطباع بتراجع الحزم الأميركي الفصائل المسلحة الموالية لإيران على توسيع هامش حركتها. وهذه القوى تنظر أصلا إلى الصراع الأميركي الإيراني باعتباره معركة إرادات طويلة المدى. وإذا خرجت طهران من المفاوضات وهي تبدو أقل تعرضا للضغوط، فإن ذلك قد يدفع تلك الفصائل إلى زيادة مقاومتها للمشاريع التي تدعمها واشنطن داخل مؤسسات الدولة العراقية.
وقد ينعكس ذلك في شكل تعطيل أو إبطاء للإصلاحات المالية والإدارية لحكومة علي الزيدي، وإغراق المبادرات الحكومية في دوائر التسويف والبيروقراطية، خاصة في الملفات المرتبطة بالرقابة على الإنفاق العام ومحاربة الفساد وتتبع شبكات التمويل التي يشتبه في ارتباط بعضها بالمجموعات المسلحة. وبذلك يصبح النفوذ الإيراني أكثر قدرة على التأثير في مسار الدولة العراقية حتى دون اللجوء إلى المواجهة المباشرة.
أما في إقليم كردستان العراق، فإن المشهد يبدو أكثر حساسية. فالتسريبات التي تحدثت خلال الفترة الماضية عن أدوار أو تسهيلات قدمتها أطراف كردية خلال المواجهة مع إيران قد تدفع طهران إلى التعامل بحذر أكبر مع الإقليم. وفي المقابل، قد تجد أربيل نفسها مضطرة إلى توسيع مساحة التنسيق مع تركيا باعتبارها شريكا إقليميا قادرا على موازنة النفوذ الإيراني المتزايد، خصوصا في المناطق التي تتمتع فيها طهران بحضور سياسي وأمني مؤثر مثل السليمانية ومحيطها.
وفي أول مؤشر على استهداف الأكراد، الذين بدوا أقرب إلى الموقف الأميركي، ذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية، الأحد، أن القوات البرية التابعة للحرس الثوري استهدفت مواقع لـ”جماعات انفصالية” في شمال العراق. وصيغة البيان بدت فضفاضة، إذ قد يُفهم منها أن المقصود مجاميع مسلحة من أكراد إيران، كما قد تُفهم على أنها رسالة إلى الجهات التي منحت تلك الجماعات حرية الحركة.
وفي سوريا، قد يفضي الاتفاق بين واشنطن وطهران، إذا أفضى فعلا إلى ضبط جزئي للتمدد الإيراني، إلى تداعيات مختلفة. فكلما تراجعت صورة واشنطن كقوة قادرة على الضغط على إيران، تراجعت أيضا أهمية بعض أدوات الضغط الأميركية التي استخدمت خلال السنوات الماضية للتأثير في مسار الأزمة السورية.
ومن شأن ذلك أن يمنح القوى الإقليمية، وخاصة تركيا والدول الخليجية، مساحة أكبر للمشاركة في صياغة ترتيبات المرحلة المقبلة المتعلقة بالإصلاحات السياسية وإعادة بناء مؤسسات الدولة السورية. وهذا ما قد يؤشر إلى تراخي القبضة الأميركية الناعمة في بلد ينتظر أن يكون محور التغييرات الإستراتيجية في الشرق الأوسط، مع توقعات بأن يتحول إلى معبر رئيسي للطاقة كأحد البدائل الفعالة لتخفيف الاعتماد على مضيق هرمز.
وفي اليمن، تبدو الصورة أكثر تعقيدا. فإيران قد لا تكون بحاجة إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة لإثبات حضورها الإقليمي، إذ يكفيها في كثير من الأحيان تفعيل أوراق الضغط غير المباشرة. ومن هنا قد يعود ملف الحوثيين إلى الواجهة كوسيلة لإرسال الرسائل السياسية والعسكرية، ليس إلى أميركا فقط بل إلى حلفائها الخليجيين أيضا، سواء عبر تهديد الملاحة البحرية أو عبر عمليات عسكرية محدودة تحافظ على مستوى من التوتر دون الوصول إلى حرب شاملة.
ويزداد هذا الاحتمال إذا تضمن الاتفاق تخفيفا للعقوبات أو الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة. فتوفير موارد مالية إضافية سيمنح طهران قدرة أكبر على إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية ودعم حلفائها وشبكات نفوذها في أكثر من ساحة، من لبنان إلى غزة واليمن والعراق، فضلا عن تجديد دماء الشبكات التي تهاوت تحت الضربات الإسرائيلية.
كما أن القبول بالاتفاق قد يوفر مرحلة كمون استراتيجية تخصص لإعادة إحياء تلك الشبكات وتعويض القيادات السياسية والعسكرية التي تم استهدافها أو الكشف عن أدوارها السرية.
وفي الخليج، قد تتعزز القناعة لدى دول المنطقة بضرورة العودة إلى التفاوض مع إيران بشأن الترتيبات الأمنية ومناطق النفوذ الإيراني، كما هو الحال في اليمن والعراق، وهما الساحتان اللتان تحولتا خلال السنوات الماضية إلى مصدر تهديد مباشر لدول الجوار الخليجي.
غير أن خطورة هذه العودة تكمن في أنها قد تضفي شرعية ضمنية على السلوك الإيراني السابق تجاه دول الخليج. كما أن قبول حوار لا يسبقه اعتذار أو تعويضات أو ضمانات بعدم تكرار الهجمات، قد يمنح طهران شعورا بأنها تفاوض من موقع قوة، وأن بإمكانها مستقبلا فرض شروطها عبر الضغط والتصعيد.
ويعني ذلك أيضا أن الخليجيين قد يجدون أنفسهم مضطرين إلى التفاوض من موقع دفاعي، ودون امتلاك أوراق ضغط حقيقية. ولا شيء يمنع إيران، في حال تغيرت الظروف، من نقض أي تفاهمات يتم التوصل إليها، ليبدو الحوار وكأنه هروب من الحرب مقابل قبول شروط الجار الذي نجح في فرض موقع قوة، ليس عبر الانتصار العسكري المباشر، بل عبر نجاحه في انتزاع اتفاق مريح سياسيا واستراتيجيا.
والنتيجة، في مجملها، قد تكون إرسال إشارة تشجيع لإيران من أجل استعادة أنشطتها الإقليمية المناوئة لأميركا والخليج، وتهديد أمن الملاحة وخطوط الطاقة.
وفي السياق الدولي الأوسع، فإن نجاح إيران في تجاوز مرحلة الضغوط القصوى والخروج باتفاق يخفف عنها جزءا من الأعباء الاقتصادية قد يبعث برسالة إلى قوى دولية مثل روسيا والصين مفادها أن التعامل مع طهران لا ينطوي على مخاطر استراتيجية كبيرة. ومن شأن ذلك أن يفتح المجال أمام توسيع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري معها، بما يعزز مكانتها الإقليمية ويمنحها أدوات إضافية لمواجهة الضغوط الغربية.
في المحصلة، لن يكون الحكم على أي اتفاق أميركي إيراني مرتبطا فقط بما يتضمنه من بنود نووية أو اقتصادية، بل بالصورة التي سيتركها لدى حلفاء واشنطن وخصومها على حد سواء. فإذا بدا الاتفاق وكأنه يعكس قدرة أميركية على فرض خطوط حمراء واضحة وضمانات قابلة للتنفيذ، فقد يعزز الاستقرار ويحد من التوترات. أما إذا فُهم على أنه نتيجة لصمود إيراني ناجح أمام الضغوط، فإن تداعياته قد تتجاوز الملف النووي لتشجع طهران على إعادة تنشيط نفوذها الإقليمي، وتدفع مختلف الفاعلين في الشرق الأوسط إلى إعادة حساباتهم بشأن توازنات القوة ومستقبل الدور الأميركي في المنطقة.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_211_0.jpg.webp?itok=poBpQhm-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_0_0.jpg.webp?itok=XgaEsisb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

