المظلومية صناعة متكاملة.. كيف يحوّل الإخوان الشائعة إلى سلاح والانتكاسة إلى رواية؟

المظلومية صناعة متكاملة.. كيف يحوّل الإخوان الشائعة إلى سلاح والانتكاسة إلى رواية؟

المظلومية صناعة متكاملة.. كيف يحوّل الإخوان الشائعة إلى سلاح والانتكاسة إلى رواية؟


05/10/2026

لم تكن المظلومية في خطاب جماعة الإخوان مجرد رد فعل على أزمات سياسية أو أمنية مرّت بها الجماعة خلال تاريخها، بل تحولت تدريجياً إلى أحد أكثر المكونات حضوراً في خطابها التنظيمي والسياسي والإعلامي، فكل انتكاسة يمكن إعادة تقديمها باعتبارها «محنة»، وكل خلاف سياسي يمكن نقله إلى مستوى الصراع الوجودي، وكل فشل تنظيمي يمكن تفسيره باعتباره استهدافاً خارجياً. 

بهذه الطريقة يصبح الإخفاق نفسه مادة للتعبئة، وتتحول الهزيمة إلى قصة صمود، بينما يتراجع النقاش حول مسؤولية الجماعة عن خياراتها وأخطائها ونتائج تجربتها السياسية.

هذه البنية ليست وليدة السنوات الأخيرة، فخطاب المظلومية لدى الإخوان يمتد عبر محطات تاريخية مختلفة، من صدامات الجماعة مع السلطة في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي إلى أزمة عام 1965، ثم إلى مرحلة ما بعد سقوط حكمها في مصر عام 2013.

 وفي كل محطة تقريباً أعيد إنتاج رواية المحنة بما يتلاءم مع الظرف السياسي الجديد، وهو ما يجعل المظلومية أقرب إلى إطار دائم لتفسير الأحداث وليس مجرد خطاب مؤقت تفرضه أزمة بعينها.

 

من الاعتراف بالإخفاق إلى صناعة الضحية

 

تكمن قوة خطاب المظلومية في قدرته على تغيير موقع الجماعة داخل القصة السياسية. فبدلاً من أن تكون طرفاً سياسياً خاض تجربة الحكم وتتحمل تبعات قراراتها، يجري تقديمها باعتبارها الطرف الذي تعرض للاستهداف، حتى عندما يتعلق الأمر بأحداث سياسية معقدة تتداخل فيها عوامل متعددة. وبهذا تنتقل البوصلة من تقييم الأداء إلى البحث عن «المتآمر» ومن مراجعة القرار إلى الحديث عن «المؤامرة».

هذا الأسلوب يؤدي وظيفة داخلية أيضاً، فالجماعة التي تواجه أزمة في القيادة أو تراجعاً في الحضور أو انقسامات داخلية تستطيع من خلال خطاب المظلومية أن تعيد توجيه غضب أعضائها وأنصارها نحو خصم خارجي. 

وتصبح الهزيمة امتحاناً، والخلاف مؤامرة، والتراجع مرحلة مؤقتة، بينما يُمنح التنظيم موقع الضحية التي تنتظر لحظة استعادة دورها.

كما ربط الإخوان هذا البناء بمفاهيم مثل الابتلاء والاستعلاء بالإيمان والشهادة، بما يجعل الخلاف السياسي قابلاً للتحول إلى قضية ذات حمولة دينية وأخلاقية. 

وفي بعض مراحل تاريخ الإخوان، ارتبط خطاب المحنة أيضاً بتصور أكثر حدة للعلاقة بين الجماعة والمجتمع، خصوصاً في الأدبيات التي تأثرت بأفكار سيد قطب حول «الجاهلية» والمفاصلة.

 

الشائعة لا تحتاج إلى اختراع كامل

 

في البيئة الرقمية، أخذت هذه المنظومة شكلاً أكثر تعقيداً، فلم تعد الشائعة بالضرورة خبراً مختلقاً بالكامل، بل قد تبدأ من واقعة حقيقية يجري اقتطاعها من سياقها، ثم تحميلها تفسيراً محدداً، قبل إعادة نشرها بصيغ متعددة. 

وهنا تكمن خطورتها: الجزء الصحيح من القصة يمنح الرواية مصداقية أولية، بينما يتولى السياق المبتور أو المعلومة الناقصة تشكيل الانطباع النهائي.

وهذه الآلية لا تحتاج إلى منصة واحدة، إذ يمكن للمعلومة نفسها أن تنتقل بين مواقع وحسابات وقنوات بصيغ مختلفة: خبر في مكان، ومقطع قصير في مكان آخر، وتعليق سياسي في منصة ثالثة. ومع تكرار الرسالة، يصبح المتلقي أمام انطباع بأن هناك مصادر مستقلة عدة تتحدث عن الواقعة نفسها، رغم أن نقطة البداية قد تكون واحدة.

هنا يصبح التكرار جزءاً من صناعة التأثير، فالرسالة التي تظهر مرة واحدة يمكن التشكيك فيها، لكن ظهورها عشرات المرات وبعناوين مختلفة يمنحها حضوراً ذهنياً أكبر. ومع سرعة شبكات التواصل، قد تنتشر الرواية قبل أن يصل التصحيح، وحتى عندما يظهر النفي لاحقاً تكون القصة الأولى قد تركت أثراً لدى الجمهور.

 

جيوش المنصات وتغيير شكل الرسالة

 

هذا ولم يعد الإعلام بالنسبة إلى التنظيمات السياسية العابرة للحدود مجرد منبر لإعلان المواقف. لقد أصبح جزءاً من إدارة المعركة على الوعي، وهو ما يفسر أهمية تعدد المنصات والقنوات والحسابات. وتظهر دراسة لبرنامج مكافحة التطرف في جامعة جورج واشنطن أن شبكات مرتبطة بالإخوان في أوروبا اتخذت أشكالاً تنظيمية ومؤسسية متعددة، وأن فهم حضورها يتطلب النظر إلى الشبكة لا إلى منظمة منفردة فقط.

ولا يشترط في الرسالة أن تظهر دائماً باسم الجماعة أو بشعارها المباشر، قد تأتي في صيغة حقوقية، أو إعلامية، أو سياسية، أو إنسانية، ثم تلتقي في النهاية مع السردية نفسها. وتعدد الواجهات يمنح الخطاب قدرة أكبر على الوصول إلى جماهير مختلفة، لأن اللغة المستخدمة مع الناشط السياسي ليست بالضرورة اللغة نفسها المستخدمة مع الجمهور العام.

وتشير أبحاث أوروبية حول حملات التضليل إلى أن القضايا المرتبطة بالإسلام السياسي والإخوان يمكن أن تدخل أيضاً في بيئات معلوماتية تتشابك فيها الأخبار المضللة والمحتوى الإشكالي والمصادر المختلفة، بما يجعل التمييز بين الخبر والتحوير والتوظيف السياسي أكثر تعقيداً.

 

إعادة تدوير المظلومية بعد سقوط التجربة السياسية

 

بعد التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة منذ 2011، ظهر هذا الاستخدام بصورة أوضح. ففي الدول التي تراجع فيها نفوذ الإسلام السياسي أو سقطت حكومات وأحزاب مرتبطة به، لم تختفِ الرواية القديمة، وإنما أعيد ترتيبها بما يتناسب مع المرحلة الجديدة.

فبدلاً من أن تكون التجربة السياسية موضوعاً للمراجعة، يمكن أن تتحول إلى قضية عن الإقصاء والاستهداف. وبدلاً من تحليل أسباب فقدان الثقة أو نتائج السياسات التي اتُّبعت، تصبح الأولوية لإعادة بناء صورة الجماعة باعتبارها ضحية لقوى أكبر منها. 

وهكذا يصبح الماضي مادة قابلة لإعادة الاستخدام في كل أزمة جديدة، حيث يمكن أن يظهر الحدث نفسه مرة باعتباره دليلاً على الاضطهاد، ومرة باعتباره برهاناً على «الصمود»، ومرة أخرى باعتباره سبباً لتبرير الانغلاق التنظيمي أو استمرار التعبئة.

 

عندما تصبح المظلومية بديلاً عن النقد الذاتي

 

أخطر ما ينتجه هذا الخطاب ليس فقط التأثير في الجمهور الخارجي، وإنما قدرته على تعطيل المراجعة داخل التنظيم نفسه. فإذا كان كل فشل نتيجة مؤامرة، فلا حاجة إلى البحث عن الأخطاء. وإذا كان كل تراجع سببه استهداف خارجي، فلا ضرورة لمناقشة خيارات القيادة. وإذا كانت كل هزيمة «محنة»، فإن الاعتراف بالمسؤولية يصبح أكثر صعوبة.

وهنا تتحول المظلومية إلى آلية لحماية الرواية التنظيمية من النقد. فهي تمنح العضو تفسيراً جاهزاً للأزمة، وتوفر للقيادة وسيلة لإعادة توجيه النقاش، وتحافظ في الوقت نفسه على شعور الانتماء إلى جماعة ترى نفسها في مواجهة خصم دائم.

وتذهب تحليلات خطابية حديثة إلى أن هذا النمط يؤدي إلى نتيجتين متلازمتين: إضعاف النقد الذاتي من جهة، وتعزيز الشعور المستمر بالتهديد من جهة أخرى، بما يغذي الاستقطاب ويجعل التسوية مع المجتمع أو الخصوم السياسيين أكثر صعوبة.

 

الشائعة كمرحلة في دورة أطول

 

لذلك فإن التعامل مع الشائعة باعتبارها خبراً كاذباً فقط قد لا يكون كافياً لفهم تأثيرها. ففي بعض البيئات الإعلامية، يمكن أن تكون الشائعة مجرد حلقة في دورة أطول تبدأ بواقعة، ثم اقتطاع جزء منها، ثم إعادة تفسيرها، ثم نشرها عبر عدة منصات، ثم تحويلها إلى مادة سياسية، وبعد ذلك إدخالها في خطاب المظلومية.

ومع كل دورة إعادة نشر، تتراجع أهمية السؤال عن المصدر الأول، ويصبح حضور الرواية نفسها هو مصدر قوتها.

وهو ما يجعل المواجهة الحقيقية مع التضليل مرتبطة بفحص السلسلة كاملة: من أين بدأت المعلومة؟ ما الجزء الذي حُذف من سياقها؟ من أعاد صياغتها؟ من كررها؟ وهل تتحدث المنصات المختلفة عن وقائع مستقلة فعلاً أم عن رواية واحدة تتغير لغتها فقط؟

 

المظلومية كمنتج إعلامي قابل لإعادة البيع

 

هذا ولا تبدو المظلومية في خطاب الإخوان مجرد قصة عن الماضي، بل منتجاً سياسياً وإعلامياً قابلاً لإعادة التصنيع كلما ظهرت أزمة جديدة. الواقعة تمنحها المادة الأولية، والشائعة تمنحها سرعة الانتشار، والمنصات تمنحها التكرار، والخطاب العاطفي يمنحها القدرة على التعبئة، بينما يوفر التمويل والاستمرارية التنظيمية البيئة اللازمة لبقائها حاضرة.

وهذا يفسر قدرة رواية المظلومية على البقاء حتى بعد تغير الظروف التي أنتجتها أصلاً. فالرواية لا تحتاج إلى إثبات نفسها من جديد في كل مرة؛ يكفي أن يعاد تدويرها داخل البيئة نفسها، وأن ترتبط كل أزمة جديدة بسلسلة الأزمات السابقة حتى تبدو الأحداث المتباعدة جزءاً من قصة واحدة.

وهكذا  تتحول الشائعة من مجرد معلومة عابرة إلى أداة في بناء رواية، وتتحول المظلومية من مجرد شعور بالاضطهاد إلى إطار يفسر الماضي والحاضر معاً. وبين الاثنين تعمل شبكة من المنابر والحسابات والمحتوى المعاد إنتاجه، لتبقي الرواية قادرة على الوصول إلى جمهور جديد حتى عندما تتغير الوجوه والمنصات والظروف السياسية.

ولا تكمن خطورة هذه الآلية في انتشار خبر غير دقيق فحسب، وإنما في قدرتها على بناء واقع سردي كامل؛ واقع تصبح فيه الجماعة دائماً ضحية، والخصم دائماً مسؤولاً، والهزيمة دائماً مؤامرة، والنقد الذاتي دائماً مؤجلاً. وعندما تستقر هذه المعادلة، لا تعود المعركة حول صحة خبر واحد، بل حول الرواية التي ستبقى في ذاكرة الجمهور بعد أن تهدأ الضجة وتختفي المنشورات الأولى.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر التقارير

الصفحة الرئيسية