الانتظار في رام الله وشراء الوقت في غزة

الانتظار في رام الله وشراء الوقت في غزة

مشاهدة

23/05/2020

انتهى وهم "المصالحة" الفلسطينية، يمكن الآن تذكّر زمن طويل من الوفود والمفاوضات و"اتفقنا على 90% من القضايا"، والصور، من يتذكر الصور في المؤتمرات الصحفية وشبك الأيدي ورفعها أمام الكاميرات والجذل الذي كان يحيط بكل ذلك، والضحك والولائم المتنقلة في العواصم وصالات الفنادق الفخمة.

ميزانية هائلة جرى تبديدها على مجموعة من الرجال المحظوظين، هكذا يمكن النظر إلى "مرحلة المصالحة" التي استغرقت عشر سنوات طويلة من الخدائع والعبث بمصير المشروع الوطني الفلسطيني، وتسجيل النقاط والتلاوم وتمرير الوقت والتذاكي وصناعة الوهم.
أموال ووقت كان يمكن توفيرهما في بلد يفتقر بشدة للمال والوقت والشفافية.
"المصالحة" كانت إحدى ثمرات سياسة "الانتظار" التي تحولت إلى استراتيجية ثابتة، متبعة وغير مفهومة، ولكنها راسخة في الفلسفة التي تتحكم بالفكر السياسي لـ"السلطة الفلسطينية"، بحيث تبدو مثل ردة فعل غير مقصودة على سياسة التحرك الدائم وبناء الحدث والديناميكية التي اتسم بها عصر ياسر عرفات، لا يمكن تجنب هذه المقارنة التي تتشكل في كل زاوية وأمام كل حدث، فلسفة تقوم على التكرار والتأمل، تكرار المعجم البلاغي بثقة غريبة، وإعادة تدوير القرارات في متلازمة ثابتة، وتأليف اللجان ثم إعادة تأليفها.
في "المقاطعة" ينتظرون كل شيء تقريباً، ثمة استغراق خالد في تأمل الجدران والسقف والمقاعد، في ملفات القوانين التي تصل من الغرف والممرات، مراسيم لتزجية الوقت وتبديد الضجر، وتذكير المارة بالسكان الذين يتنفسون وراء هذه الجدران وتحت هذه السقوف، التأمل في الطقس ومتابعة الطريق القصير من بوابة المقاطعة وشارع "الإرسال"، وبقايا الحرش المسيج الذي تحول في أجزاء كبيرة منه إلى أسواق ومقاهٍ، وحيث وصلت شركات ومصارف ومتمولون بعد تجريف الأشجار، عادة ما تصل هذه الحمولات بعد تجريف الأشجار، ثمة نوع من النفور يكمن في العلاقة بين المصارف والأشجار، في هذه الجهة وخلف بقايا السياج كانت ترتفع أعمدة إذاعة "هنا القدس" التي بدأت بثها في ثلاثينيات القرن الماضي، وهنا كان يصل إبراهيم طوقان، وإميل حبيبي، وموسيقيون، وفنانون، ومغنون، وأدباء من يافا، والقاهرة، وبيروت، الجنود الفتيان الذين يصطفون على طول الطريق من المكتب إلى البيت لا يفكرون في كل هذا بينما ينتظرون بشيء من الملل العودة إلى الثكنة، يمكن أن يضاف إلى المشهد صفارات سيارات المرافقة وطوابير السيارات المدنية القادمة من القرى التي تنتظر مرور الموكب.
أغلق التابوت على "المصالحة"، وستبقى غزة بعيدة ومتروكة.
وسيبدو الآن حديث أي مسؤول فلسطيني عن الوحدة ضرباً من توجيه الإهانة للجمهور، تحديداً عندما يصدر الأمر عن رئيس حركة حماس إسماعيل هنية الذي تواصل حركته التمسك بحكم قطاع غزة، وقهر مليونين من أبناء الشعب الفلسطيني، تحت شعار "المقاومة"، هذا هو الوجه الأخر للمشهد.
مثل ساحر في خيمة سيرك تتصرف جماعة الإخوان المسلمين في غزة في سياستها الطويلة لشراء الوقت، سيرك منهك وغير موهوب، ولكنه يحصل دائماً على شخص مثل العمادي الذي يصل من الدوحة في هيئة تاجر تركي تم انتزاعه من روايات الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية، وهو يحمل حقيبته بينما يلمع الخرز المزيف، والقماش المصبوغ، والأساور المطلية بالقصدير، ويحصل على فضائية مثل الجزيرة، وسلطان بعيد يحلم بحقول غاز شرق المتوسط.
يصعب أن يتحول الانتظار إلى برنامج سياسي، سياسة شراء الوقت، أيضاً، ليست خطة يمكن اعتمادها في منعطف عميق من التحولات التي تكاد تشمل كل شيء، الانتظار سيقود إلى الشلل والشلل سيؤدي إلى تفاقم الخسارة، والوقت لا يُشترى.

عن موقع "24" الإماراتي‎

 


الصفحة الرئيسية